الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 144 الرجوع إلى "الثقافة"

سلامة القس

Share

كان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى عمار شابا نقيا طاهرا عفيفا . وفى يوم من الأيام رأى فى المنام أنه دخل الجنة ، وأوشك أن يخرج منها إجابة لأغراء امرأة ذات صوت جميل ، ولقد قص عبد الرحمن هذا الحلم الذى أفزعه على صديقه أبى الوفاء ، فهدأ من روعه . وإنه ينصرف إلى داره إذ سمع صوتا جميلا يغنى شعرا هو صوت سلامة جارية ابن سهيل التى اشتراها من أبى الوفاء ، فتبين مصدر الصوت فإذا به دار ابن سهيل ، وفيما هو يمر بالدار بعد ذلك بأيام سمع نفس الصوت ثانيا ، ولمحه ابن سهيل فنزل إليه ودعاء وأكرم وفادته ، وأمر جاريته بالغناء فغنت ، ثم دعاها أن تدخل على عبد الرحمن , فما رآها عبد الرحمن حتى راعه جمالها ، وأحبها ، ونقل بعض الناس نبأ ذلك إلى أبى الوفاء فالمه ذلك . ولكن عبد الرحمن كتف له عن دخيلة نفسه . ولقد عرف ابن سهيل أمر هذا الحب ، فحاول أن يهب سلامة لعبد الرحمن ولكنه رفض ذلك . وبينما ابن سبيل وعبد الرحمن وسلامة يتسامرون ذات يوم بدار الأول ، إذ أقبل رسول يطلب ابن سهيل لملاقاة دائنيه لدى القاضى ، فاستأذن من عبد الرحمن وسلامة ، ولما انصرف عنهما أخذا يتحدثان عن حاله وأنه وشيك الافلاس ، وعرض عبد الرحمن على سلامة أن يبيع مالا له ليشتريها ثم يتزوجها ويشتغل بالتجارة ، وأنشد عبد الرحمن شعرا أعجب سلامة فأعطته العود وقامت فجاة إلى داخل الدار ] .

وقف عبد الرحمن يتأمل هذا التحول العظيم فى حياته ، والفرق الشاسع بين ماضيه وحاضره ، فانتهى به هذا التأمل إلى ذلك اليوم الذى ذهب فيه ليعود أبا الوفاء ، فسمع فى طريقه ذلك الصوت الجميل من دار ابن سهيل ، فملك لبه ، فكان ذلك الغناء أصل ما جاء بعده من البلاء . ثم عاد عبد الرحمن فسأل نفسه : ما ذنبه فيما حدث ؟ أفى الحق أن يلام على أن ذهب لزيارة صديق له ، فسمع فى طريقه صوتا فتنه ، فاستوقفه على غير قصد منه ، فاهتيلها صاحب الدار غرة نفذ منها إليه ، وملك بها مذهبه عليه ، واضطره بذلك إلى دخول منزله ، فكان ما كان ؟ أكان فى وسمه أن يهرب من هذا القضاء الذى حم عليه ، لو أن ذلك كان فى إمكانه لقد كان . ألم يعصم نفسه بالتقوى لما راودوته سلامة عن نفسه ؟ ألم يعص فيها الهوى حين أشرف به على الهلاك الأ كبر ؟ ألم يدس على الشهوة التى كانت تتأجج فى صدره مخافة ربه ؟ بلى . إنه فعل ذلك لأن ذلك كان فيما يملك . أما افتنانه بجمال صوتها وغرامه بها ، فكانا فيما لا يملك ، فأولى ألا يؤاخذه الله به وأن يتجاوز له عنه .

ثم ما هذه المحنة التى بلى بها ؟ أشر أريد به ، أم أراد به ربه رشدا ؟ أحق أن ماضيه خير من حاضره ؟ أليس من الجائز أن يكون حاضره خيرا من ماضيه ؟ ليوازن بينهما فى شئ شئ ليرى أيهما الراجح : كان فى ماضيه خالى البال راضى النفس مستريح الفكر ؛ فما خلو البال ؟ أليس معنى من معانى الخواء والتعطل ؟ وما رضى النفس ؟ أليس مظهرا من مظاهر إخلادها إلى ما هى فيه من النقص ووقوفها عن الحركة الدائبة إلى الكمال ؟ وما راحة الفكر ؟ أليس قصوره وعجزه عن أداء ما خلق له من السبح فى عجائب الخلق وآيات الخالق .

كان فى ماضيه يخشى الله ويتقيه ، ويبكى فى صلاته وقيامه ، فهل ذهبت عنه خشية الله وتقواه ؟ أليست خشيته اليوم وقد حفت به الشهوات ، وتبرجت له الدنيا ، أعظم من خشيته أمس حين لم يكن فى متقلب عيشه ما يخشى الله فيه ؟ وهل رقأ دمعه إذا أجنه الليل وقام فى سكونه يناجى الله ؟ أليس بكاؤه اليوم أغزر من بكائه أمس ؟ ألم يصر قلبه أرق وحنينه أصدق وشعوره أعمق .

وكان زاهدا فى الدنيا معرضا عن باطلها وغرورها ؛ ولكن أين زهد من زهد ؟ أين زهد الخبير بالدنيا ، المتمرس بآفاتها ، من زهد الجاهل بها ، البعيد عنها ؟ هو اليوم يغشى السوق ، ويشتغل بالتجارة ، ويتقى الله فى ذلك كله ، فكيف يكون له فضل الأمانة والصدق فى المعاملة لو لم يقع فيما وقع فيه ؟

أما مجالسته لأصحاب اللهو والغناء ، فلم يتصل منهم إلا بابن سهيل ؛ وابن سهيل رجل سرى طروب ، ولكنه على طربه متعفف عامر القلب بالايمان ، قوام بالصلاة ، لا يكاد يتخلف يوما عن شهود الجماعة فى المسجد . وإذا ما هل شهر رمضان انقطع عن اللهو وتفرغ للعبادة والصدقة ، حتى إذا كانت العشر الأواخر منه لزم المسجد واعتكف فيه بياض نهاره ، وأحيا لياليها صلاة وقرآنا ، وهو يعد عطوف على فقراء مكة وذوى الحاجة من أهلها ينفق عليهم فى السر أكثر مما ينفق عليهم علانية .

والغناء الذى أغرم به عبد الرحمن ما هو وما أثره فيه ؟ ألم يفد منه ترقيقا لقلبه وتلطيفا لحسه ؟ ألم يقتبس منه تلك اللوعة التى يقوم بها للصلاة ، فاذا به يشعر كأنه روح قد عتقت من رق الجسد ، وارتفعت عن الأرض ، فهامت فى السماء ، واتصلت بالملأ الأعلى ؟ ألم يأخذ عنه تلك الروعة التى يقرأ بها القرآن ، فإذا عوالم من المعانى تتكشف لقلبه ، وإذا أبواب من المعرفة وألوان من الشعور ، وأطياف من الفكر ، وإذا الكون كتاب يتلى ، وإذا النظام الذى تقوم عليه السماوات والأرضون لحن أزلى خالد ؟

واستمر عبد الرحمن على هذا النحو ، يوازن بين حاضره وماضيه فيجد الرجحان لحاضره ، أو يميل قلبه الى ترجيحه فيصدقه عقله ؛ فأحس عند ذلك بطمأنينة تنزل فى قلبه ، وشعر كان شيئا نفيسا أوشك أن يضيع منه فاسترده . وعاد له خيال سلامة باسمة متطلقة كما رآها لأول مرة ، فحن إليها ، واستيقظت أمانيه ، وطفقت

أحلامه تتراقص فى عينه !

ولكنه تذكر ذنبها غداة اليوم ، فاشمأز منها ، وأشاح بوجهه عن خيالها ؛ إلا أن خاطرا فى قلبه انتدب للدفاع عنها دونه من حيث لا يشعر هو ، فعرض عليه صورتها وهى تقول له : يا عبد الرحمن إنى أحبك ، فيجيبها هو بمثل قولها ، فتقول له : وأشتهى أن أضع فمى على فمك ، فيقول لها هو مثل ما قالت ، فتقول له : فما يمنعك ؟ فوالله إن المكان لخال ؟ فيذكرها هو بشهود الله ، فتكف وتبكى ندما واستغفارا . فماذا فى هذا ؟ أفى الحق أن يكون ذنبها فيه أعظم من ذنبه ؟ أليس هو الذى دفعها إلى هذا الوقف إذ ألهب شعورها بشعره ، وأثار كامن وجدها برقيق غزله ، وقتها بما أودع فى أبياته من روحه ؟ وقد كانت أحبته فاعترفت له به ، وقالت له ، وقال لها ، فلما ذكرها الله تذكرت وندمت على ما كان منها . أفيحق له أن يطالبها بأكثر من هذا الذى صنعته ؟ إنها كغيرها ليست معصومة من الذنب ، وقد أذنبت فاستغفرت , ومن يدرى ؟ لعل الله غفرلها ذنبها فيما دعته إليه من الأثم ، ولم يغفر له ذنبه فيما فتنها وجملها على ما صنعت . أفيغفر لنفسه إذا ما لم يغفر الله من ذنبه ، ويؤاخذها بما غفر الله من ذنبها ؟ إن هذا إذا لظلم عظيم !

وأفاق عبد الرحمن من خواطره هذه حين ذكر صلاة العصر ، فنهض ونظر فى الظل ، فعرف أن وقتها قد حان أو كاد ، فقام فتوضأ وأخذ زينته ، وخرج من بيته يقصد المسجد ، وقد اعتزم فى نفسه أمرا ، وصمم على أن يسعى فى بيع ضيعته بالوادى فيقدم ثمنها لابن سهيل ليبيع له سلامة ويستأنيه فيما يبقى عليه من الثمن ليقضيه له أقساطا ، يجمعها مما يعود عليه من عمله فى التجارة ؛ وابن سهيل قد عرض عليه سلامة ليهبها له ، فلن يعز عليه أن يجيبه إلى هذا الطلب ويقبل منه هذه التسوية على علاتها . ( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية