( تابع ما نشر في العدد الماضي )
انقطع عبد الرحمن بضعة أيام عن زيارة ابن سهيل كان في خلالها مجتهدا في السعي لبيع ضيعته ، حتى ذهب إليه ذات عشية ، وكانت الشمس قد مالت للغروب ، واكتست الدنيا حلة ذهبية من الأصيل ، كانها تقول لعبد الرحمن ، وهو يري لون الذهب في كل شئ تقع عينه عليه : " ما أقل ما تحمل من هذا في صرتك ! "
خف ابن سهيل وانطلق فرحا لما استؤذن لعبد الرحمن عليه بعد غيبة أيام رأها اطول من حقيقتها ، لما حدث له فيها من أمور كبيرة جعلته يودع عهدا ويستقبل عهدا ، فما إن رأي عبد الرحمن حتى عانقه عناقا حارا عجب له عبد الرحمن ، إذ لم يألف من صديقه مثل هذا من قبل ، ولم تكن المدة التي غابها عنه من الطول بحيث تقتضي مثل هذه التحية البالغة عند اللقاء ، ولكنه لم يسعه إلا أن جامل صديقه ، فقابل عناقه بعناق مثله . ولو أن
ابن سهيل نظر في عيني عبد الرحمن إذ ذاك لرأي فيهما دلائل الاستغراب والتساؤل ، ولكنه كان من الشوق واللهفة للقاء عبد الرحمن بحيث لم تكن له معهما فرصة لملاحظة ما تتركه تحيته من الأثر في صديقه ، فقد اندفع في ذلك اندفاع الشقيق لفي شقيقه بعد غيبة حلت في في أثنائها كارثة بأحد من يعز عليهما ، فاعتنقا متواسيين !
فأجابه عبد الرحمن قائلا : - كنت مشغولا يا ابن سهيل فسأله ابن سهيل سؤال العائب : - أي شغل يا عبد الرحمن ؟
فقال له :
- بعت مالي الذي ورثته عن أبي بالوادي . فعجب ابن سهيل ولم يفهم ماذا حمل صديقه على بيع ضيعته التى يعيش منها ، فقال وقد أخذته الدهشة : بعته ؟
فقال عبد الرحمن والخجل يعقد لسانه :
- نعم . . وهذا ثمنه أتيتك به ( وأشار إلي صرة وضعها امامه ) ، فهل لك أن تبيعني سلامة يا ابن سهيل ؟
فشعر ابن سهيل كأن خنجرا شك في صدره ، فتحامل على نفسه من الألم ، فقد أحس في تلك اللحظة بعظم المحنة التي نزلت به من الحجر على أمواله ، حين رأي عبد الرحمن وقد باع ماله وأتاه يستعين به في سلامة ، فلم بقدر على أن يحقق له أمله ؛ ولكنه تجلد ، واصطنع الهدوء وقال :
- أبيعك سلامة ؟ كيف يا عبد الرحمن إنها قد بيعت أمس لرجل من المدينة من آل رمانة وسيتسلمها عشية غد
فانتفض عبد الرحمن وقال غاضبا - وكأنه لم يصدق ما سمع :
- أو قد فعلتها يا ابن سهيل ؟ فأجابه ابن سهيل بلهجة تسيل حنانا ورقة : - لست أنا الذي بعتها يا ابن أبي عمار ، وإنما باعها على القاضي . . لعلك لم تعلم انهم حجروا علي حجر تفليس ، وقوموا كل ما املك ، حتى هذا القصر الذي أسكنه ، ليقسم على دائني .
وتوقف هنيهة ثم قال : - ولقد توسلت إليهم أن يتركوا لي سلامة ، فلم يفعلوا .
فوجم عبد الرحمن لحظة ذهب فيها فكره كل مذهب ، ثم قال : - أليس في وسعك أن تحمل القاضي على أن يبيعها لي ؟
فقال ابن سهيل :
- لا أحسب الرجل المدني يا عبد الرحمن يتنازل عن صفقته ، فهو من عشاق الغناء ، وقد سمع بأنها تجيده فأغلي ثمنها حتى دفع فيها تسعمائة دينار ، فكم عندك من المال ؟
فأجابه عبد الرحمن بصوت خافض : - مائتان وخمسون دينارا .
فتنهد ابن سهيل قائلا : - ياليتك ياعبد الرحمن قبلت هبتي إذ عرضتها عليك . فقال عبد الرحمن :
- ياليت ذلك كان . والله ما منعنى من قبول ذلك إلا أنك كريم ، وقد بلغني أنك قد وقعت في ضيق ، فلم أشأ أن أرزأك في مالك . والله إني لأحبها حبا فالقا كبدي ؛ وما منعنى أن أشكو بثي إليك إلا حيائي منك .
فاغرورقت عينا ابن سهيل بالدمع وقال : - إن لهذه الجارية نفاسة عندي ، وقد رأيت كلفك بها وكلفها بك ، فأحببت أن أوثرك بها على نفسي ، ولا اكتمك يا عبد الرحمن أني قد كنت أشعر أنهم سيحجرون على يوما ما ، ولكني ما كنت أظن أن الحجر سيمضي علي بهذه السرعة ، ولو قد علمت ذلك لأعتقت رقبتها فلا يجدون إليها سبيلا .
فبكى عبد الرحمن وقال بصوت تخنقه العبرة : - ما أدري والله يا ابن سهيل أبكي لمصابي أم أبكي لمصابك ؟
فقال ابن سهيل وقد مسح دمعة كبيرة تدحرجت على خده ، وتظاهر بالجلد والشدة :
- خفض عليك يا عبد الرحمن فسيجعل الله لك من العسر يسرا ، إني أكبر سنا منك ، وقد بلوت من هذا ما بلوت ، فوجدت أن لكل شئ نهاية . . حتى هذا الحب الذي يقلق الكبد ويحرق حجاب القلب نهايته السلوان .
فقال عبد الرحمن وقد ظهرت عليه ولائل العزم : - لقد علمت أني لن أسلوها ما حييت ، ولكني سأعتصم بالصبر حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا . فهل لك أن تجيبيني إلي رجاء لا يثقل عليك إن شاء الله .
قال ابن سهيل : - اطلب ماشئت ، فوالله لا امنعك شيئا أقدر عليه . فتناول عبد الرحمن الصرة فقدمها إليه قائلا : - اقبل هذه مني لتستعين بها على بعض شؤونك ، حتى يجعل الله لك من ضيقك مخرجا .
قال ابن سهيل بلهجة حازمة : - أما هذا يا عبد الرحمن فلا ، إنك لأحوج إليها مني
- كلا يا ابن سهيل ، إني في غني منها ، فإني أكسب من عملي في السوق ما يزيد على حاجتي - منذ كم عملت في السوق يا عبد الرحمن ؟ - منذ عرفتكم يا آل سهيل
فابتسم ابن سهيل ابتسامة يخالطها الأسي وقال: - إنك لأكرم مني يا عبد الرحمن . عرضت عليك بعض مالي فامتنعت ، أفلا أمتنع أنا وقد عرضت على كل مالك ؟
فتنهد عبد الرحمن قائلا : - إن الدنيا كلها لا تساوي سلامة في عيني !
قال ابن سهيل : - فما الذي منعك من قبولها إذ عرضت عليك ؟ فقال عبد الرحمن ، وكأنما أقتطعمها من قلبه : - الشقوة التي غلبت على
سكت ابن سهيل لحظة ، كأنه يفكر فيما عرضه عليه عبد الرحمن ، ثم قال :
- لا يا ابن أبي عمار . . أمسك عليك مالك ، فلو قبضته منك لاستحقه الدائنون . . وبعد فاني أشكرك وأعرف لك فضلك .
فتأوه عبد الرحمن وقال : وا رحمتاه لك يا ابن سهيل ؛ كان لهذه الكلمة وقعها عند ابن سهيل ، فعادت له رقته وغلب عليه البكاء وهو يقول :
- الله لي ولك يا عبد الرحمن إني والله ما آسف على شيء فاتني من هذه الدنيا إلا أن في مكة بيوتا لأرامل ويتامي لا عائل لهم وكدت أنفق عليهم ، فما أدري والله ماذا يكون حالهم بعدي
فقال عبد الرحمن - ما أكرمك يا ابن سهيل . . ما ينبغي لكريم مثلك أن لا يكون عنده مال ينفق منه
وأحب ابن سهيل ان يصرف الكلام عن نفسه ، وتذكر سلامة ، وقدر في نفسه أن عبد الرحمن كان يريد السؤال عنها فمنعه الحياء وحال الموقف دون ذلك ، فابتدأ الحديث عنها قائلا :
- ألا تحب أن تري سلامة قبل رحيلها يا عبد الرحمن ؟ فخفق قلب عبد الرحمن ، وقال والحياء يعقد لسانه : - بل يا ابن سهيل . - إذا فأننا غدا في الصباح لنتغدي معا ونقضي يوما سعيدا .
وكأن عبد الرحمن استبعد هذا الموعد ، فهو يريد أن يراها في تلك الساعة ، وليس في وسعه أن ينتظر إلي الغد ، وخيل إليه أن غدا جد بعيد ، وخشي أن تجد أمور تحول دون رؤيتها ، فقال :
- شكرا لك يا ابن سهيل ، سآتي غدا إن شاء الله ، ولكن أين سلامة الآن ؟
فأجابه ابن سهيل : - أحسبها ذهبت لتودع صواحبها ومعارفها . . أتحب أن تنتظرها حتى تعود ؟
فاستحيا عبد الرحمن أن يقول له نعم - وكان بوده ذلك - وتذكر صلاة المغرب ، فقال : - لا يا ابن سهيل ؛ بل تأذن لي بالإنصراف .
قال ابن سهيل : على أن تأتينا غدا .
قال عبد الرحمن : إن شاء الله .

