أين سلة نفاياتك ؟ اجعلها - مشكوراً - على حبل ذراعك ، لأن ختام السنة ، هو الموسم الذي يحتم على كل منا ، القيام بعملية التنظيف الدقيق ، في بيت حياتنا ، وتعهد قماطره . ومحازنه، ومخادعه ، وأركانه التي طال إغضاؤنا عن تعهدها ولعمري ! كم تتجمع الأتربة والنفايات هناك ! .
وإنك لتعلم ، أن النفايات والأتربة لا قيمة لها . . ومن أجل هذا كله نكون في أمس حاجة إلى إعداد سلة للنفابات والجزازات .
إنك تحني ضلوعك على تلك الإساءة البالغة ، التي صدرت نحوك من فلان ، منذ شهور عدة . فهيا بادر إلى إلقائها في قرارة سلة المهملات ، ودع الماضيات تمضي .. وهب أن الصديق الذي خالصته الود ، كان اثراً جافياً مغلق النفس ، فما عليك إلا أن تنسى ما نالك منه ، والبدار البدار إلي ملاقاته بهشاشة . ابسم له وانت تحييه في مطلع العام الحديد الأزف ، واجذل له في تهنئتك به ، أصدق تمنياتك بأن يحمل الله أيامه كلها صفواً ، وغبطة ورخاء
واعلم أن مثل هذا الموقف الكريم ، كفيل بأن يحدث في نفسه العجائب ويجري المعجزات - أما ما يتم لك من جرائه فسيبدع دونه الوصف !! .
روى : أن زنجيا مسناً حكيماً قال مرة : " إن غالبية الناس ، يتمنون أن تكون حافظتهم قوية . أما أنا فأتمنى ان تكون لي ناسية قوية . أتوجه إلي إلهي الصالح لينعم على بها !! " .
وقد قرأت لشاعر غربي مجهول ، قصيدة في هذا المعنى أترجمها على النحو الآني :
اللهم أعنا لكي ننسي جميع الإساءات الماضية ، وساعدنا لكيلا نعود نفكر في الآلام الفادحة التي ضيقت الاحتمال . لقد اعترف المسيء بعدوانه ، تائباً منيباً . وقد صفحنا عنه .
فساعدنا لكي نوفر على ذواتنا الذكريات الموجعة فتزدد بالنسيان - حياتنا ثروة لأننا نصفح ونسامح
وقد قال مزارع مسن : " إننا لن نفيد شيئاً إن كنا ندفن الفأس ، ونترك مقبضها بارزا فوق الأرض ، بحيث تصدم أقدامنا كلما مررنا بها " .
ويقول معاوية : " من عفا ساد ، ومن حلم عظم ، ومن تجاوز استمال إليه القلوب " .
وعليه ينبغي أن نلقى كل إحنة وضغينة في سلة المهملات ، في هذا الموسم البهيج ، الذي يوشك ان يطالعنا بالعام الجديد ، لكي يمكن إحراقها مع سائر النفايات .
هذا ولنذكر أن سلة المهملات خير مكان للمواجع الصغيرة ، والمزعجات الطفيفة ، التى يجذبها لنا حياتنا اليومية . وهي حين تأتينا فرادى لا تساوي شيئاً يذكر . لكن الويل لنا منها حين تتجمع وتتراكم .
وأكبر الاعتقاد أن الناس الذين آلمونا وجرحونا لم يقصدوا ذلك فعلا في غالب الأحيان ، بل إن الذي صدر منهم ، إنما كان نتيجة عدم التروية . أو لا نجري نحن معهم في مثل هذا العنان ، ونضارعهم في كثير من اشباهه ، دون ان نقف مرة ، لنقدر كيف يكون وقع أقوالنا ، أو كيف يبدو تصرفنا في نظر الآخرين وسمعهم .
أو لا يجدر بنا حين نطرح هذه الإساءات النزقة ، أن نوجب على أنفسنا بذل كل مجهود في جميع الحالات لكى نقول أرقي الأقوال ونعامل الغير على ألطف وجه ممكن " ومن المكارم عفو المقتدر وجود المغتفر " .
هذا وأين سلة مهملاتك ؟ هيا قربها منك وضع في أبعد أغوارها تلك القطعة المختارة من الثرثرة القاطعة التي تنهش فريستها وتمزق فروتها ، وترميها بالهاجرات ، وتمضغ لحمها وتقطع عرضها . . سارع وتخلص منها في الحال ولا تتوان . وأعلم أن ذكر الناس داء قاطع فتاك . والنبيل لا يذكر
الناس بما يكرهون . والغياب النمام القداح كالنار الآكلة ، يلدغ الصالح والطالح ، كما تحرق النار البر والعصافة
وقد قال أعرابي لرجل يقع في الناس : " قد استدللت على عبويك بكثرة ذكرك لعيوب الناس ، لأن الطالب لها يطلبه بقدر ما فيه منها " ولا تنس الشاعر العربي قد قال :
من نم في الناس لم تؤمن عقاربه
على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
والويل للعهد منه كيف ينقضه
والويل للود منه كيف يفنيه
كالسيل بالليل لا يدري به أحد
من أين جاء ولا من أين يأتيه
وتقول الكاتبة المعروفة " مارجوري ولسن " : أعرف سيدة فاتنة ، ذات ميزات وخواص آسرة - ولعلك تعرف مثيلات لها - ويعجب بها النساء والرجال على السواء ، ولكنهم يخشون جانبها ، لأن من أبرز عاداتها ، التفوه بكلمة سيئة عن كل شخص يذكر في محضرها ، وقد تركت هذه العادة اثرها الواضح على علاقاتها بالناس ، وقد كنت انا شخصياً مولعة بها ، مترتمة بممادحها ، وقد مر حين ، قبل أن أدركت أبى لا أتلهف على لقياها ، وأبى قلما كنت أذكرها أو أفتقدها ، وقد قلت مرة لصديقة جميعة لكلتينا : ما هي أخبار الفاتنة الآنسة " ألين بلانك " ترى . هل تزوجت ، ونزحت إلي القارة الأوربية ؟ فأجابت الصديقة : بالعكس ، إنها لا تزال عانساً ، إن الرجال يرهبونها ، أو لعلهم يتفزعون من لسانها الذي تبسطه في سير الناس ، وهي لا تزال تعيش في هذه المدينة . ولا اكتمك أن الجميع قد يرموا بهذه المساعة ، التى تأخذهم بلسانها ، وما تبرح نفيه على فرطتهم ، وتنحت أنفهم ، وهي والحق يقال . لا تقرب مودة إلا أفسدتها ، ولا عداوة إلا جددتها ، ولا جماعة إلا بددتها ، حقا أن أسوأ الناس حالا ، من لا يثق بأحد لسوء ظنه ولا يثق به أحد لسوء أثره . ومن يصنع الشر لغيره يصنعه لنفسه .
وتابعت الصديقة كلامها فقالت : " إنك لتذكرين ياعزيزتي كيف هاجمت سمعة أفضل سيدة في مجتمعنا ، ولن يمكننا بحال من الأحوال أن ننجو من مقالب هذه الفتاة حالما تغيب الواحدة منا عن ناظريها "
وانا لا نجد بداً من الانقباض عنها . . ."
تقوم في بعض أطراف المدينة كومة عالية من التراب ، الذي خلفته أنقاض العقارات التي أمرت مصلحة التنظيم بإزالتها . وعلى ذروة تلك الكومة علقت لوحة كتبت عليها هذه الكلمات : " انتزاح هذا التراب مباح بالمجان " . وما أدق الدلالة التي تبوح بها هذه الكلمات . أوليست أوضار الحياة أرخص من التراب ؟ وهل لها ثمن . إن أي فرد يستطيع أن يستخرج منها بالحفر والنبش ما يشاء . ولئن كان لا يتكلف فيها نفقة في أول الأمر ، ولكن لا بد له من أن يضطلع بشيء من التكاليف فيما بعد . . فإن أفضل الأشياء في الحياة هي التي تتكلف شيئا في سبيل الحصول عليها والاحتفاظ بها وادخارها . وزيادة على ذلك فإن الذي يتصدى لمعالجة مثل هذه الكومة لا بد أن يلوث يديه بأوضارها وثيابه بأعفارها . . فلتذهب إذاً صنوف الترثرة والاغتياب والنميمة والذم والقيل والقال إلى سلة المهملات حين نعكف على تنظيف بيت حياتنا في مطلع السنة الجديدة .
ولنلق في تلك السلة ألوان السخط والتبرم والتظلم . إنك تشعر بأن وظيفتك لا تستوعب لك الترضية الوافية ؟ إنك لا تحصل على الإنصاف الواجب ؛ إنك مطالب بالكدح الباهظ والسعي المرهق المتواصل ؟ إن الراتب الذي تتقاضاه لا يتناسب مع الجهودات التى تبذلها . ولكن ما هو موقف مخدومك لجزاء الخدمة التي تؤديها ؟ هل معك كفاية وغناء ومضاء ونفاذ لها ؟ وهل تستنفد في واجبك وسعك ، وتصرف فيه عنايتك وتحاول إيجازه جهد استطاعتك ؟ هل تشع أضواء البشر من حولك ليطرد في محيطك ماء الرضى والأريحية ؛ هل تهتز للفروض الملقاة عليك وتسترسل إليها بروح طيب ؟ وهل أنت على حمام من نفسك ونشاط من عزمك لمواصلتها ، أما أنت دائم النكره لها والتسخط منها واستكتاف حملها ؟ إن غالبية العمال الدين يحتضنون مثل هذه الأحاسيس ، يتقاضون فوق ما يستحقون من الأجر . لو كشفت حقيقة أمرهم للعيان .
وإذا كنت طالباً فاحرص على أن تضع في سلة المهملات الفكرة التي تهيب بك إلى الاقتصار على الاستذكار الذى يتيح لك النجاح في الامتحانات الدراسية ، ودرجات
البقية على الصفحة التالية
الانتقال في اختبارات الفترات . واعلم أن مثل هذه الفكرة الخاطئة ، تفضي بك إلى مهواة الألم والندم والسم والعدم .
إن الطلبة المتوفقين ينالون درجات الشرف ، لأنهم يكتسبونها بالعمل والجد والاجتهاد . وإذا لم تكدح وتمعن في الدرس وتوغل في البحث وتتقصى في التدقيق والتحقيق ، فلن تستطيع أن تنتظر الحصول على درجات أكثر من تلك التي تنفذك بجهد من الرسوب . وثق أنه ان يوجد في معاهد العلم قاطبة ، ذلك الأستاذ الذي لا يسعده أن يمنح درجات التفوق لتلاميذه لو وجد إلى ذلك السبيل الحق المشروع . وكذلك ضع في سلة المهملات كل محاولة لمخادعة العميد ومراوعته ، وتمويه الباطل عليه ، وتشبيه وجود الرشد أمام ناظرية ، وحذار أن تقتل منه في الذروة والغارب لتعدل
به عن جادة الحزم في إحقاق الحق .
وكذلك احرص على نبذ كل خاطرة تغريك بأن الله تعالى ليس ضرورياً في حياتك اليومية . واعلم أنك معه تستطيع النجاح والفوز والفلاح ، وبدونه لا يمكنك أن تصيب غير الفشل والخيبة والخذلان .
وكيفما تكن وأينما تكن وكيفما يكن العمل الذي تقوم به فاعمل على أن تحله تعالى محل الإ كبار حين تتشمر لتنظيم بيت حياتك وإعداده لسنة جديدة ، تضرع إليه أن يأتي ويمكث معك في ذلك البيت . اسأله أن يعينك على الاستفادة بأكبر قسط من الحياة ، منذ بداية هذا اليوم الذي يشرق عليك بهذه السنة ، وهو جل شأنه ولي التوفيق .

