الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 51الرجوع إلى "الثقافة"

سلطان العوامل النفسية

Share

كثرت الاشارة فى هذه الأيام إلى سلطان القوى المادية فى الشعوب ، حتى كاد يغفل الناس عن سلطان القوى النفسية ؛ ففي كل مجلس من مجالسنا نسمع هذه النغمة : أى ضمان  لفكرة الحرية أو لمبدأ الاستقلال بعد اليوم إذا كانوا يكتسحون أمة تبلغ خمسة و ثلاثين مليونا فى خلال ثمانية أيام ؟ فما هى قيمة المبادىء السامية إلى جنب عوامل القوة .، كعامل الطيارات فى السماء ، والجيوش فى الأرض والغواصات فى البحار ؟

هذه خطرات تظهر أول وهلة فى صورة الحقائق الثابتة التى ليس إلى ردها من سبيل ؛ ولكنها إذا عرضت على التمييز فانها لا تلبث أن نضعف بعض الضعف ، لأن الأمم لا تخضع للقوى المادية وحدها . ولقد عنى الفلاسفة الجرمانيون بهذه القوى العناية كلها، فكانت لهم فيها آراء تختلف عن آراء غيرهم من الفلاسفة الأوربيين ؛ فالقوي المادية فى نظرهم إنما هى المصدر الوحيد الذى يصدر الحق عنه ، ولا نستطيع ان تدل على مواضع الحق إلا عواقب الحروب وحدها !

لا شك فى أن للقوى المادية أثرا بليغا فى حياة الأمم ، فقد قلبت وجه الحضارات ، ففى أقل من قرن كان للبخار وللكهرباء من الآثار ما لم يكن لغيرهما فى عصور التاريخ كلها ، فان حياة الأمم السياسية أصبحت فى بعض نواحيها متوقفة على ما ولده العلم من الفحم ؛ وكان الفحم من قرن مادة لا قيمة لها ، ولكن من هذه المادة خرجت اليوم عناصر الحضارة الحديثة ، كما خرجت منها عناصر التخريب .

غير أنا إلى جنب الفحم والبترول والكهرباء وغيرها من القوي المادية التى كان لها شأن عظيم فى تاريخ الشعوب ،

نجد قوي غير مادية كان لها فى بعض العصور شأن أعظم .  ولقد تبسط الدكتور (( غستاف لوبون )) فى توضيح سلطان هذه القوى النفسية فى كثير من كتبه ، ولا سيما فى كتابيه : روح العصور الحديثة ، وتطور هذا العالم ، فقد بين أن العالم على الرغم من الاهتداء إلى حقائق مادية ثابتة استنبطها أهلها من ظلال المخابر ، لا يزال خاضعا لطائفة من القوى الصوفية ، تارة تكون فى صورة معتقدات دينية ، وتارة فى صورة معتقدات سياسية لا سبيل إلى مجادلة أصحابها فيها ، ولقد خضع العالم لهذه القوى من مبدأ التاريخ ، ولم يتغير منها إلا الشكل وحده . ونشأت عن إيمان بعض الأمم بهذه القوى - كإيمان اليونانيين والرومانيين بإله الآلهة (( جوبيتر )) وإيمان البوذيين ببوذا_ حضارات بارعة ، سواء أتضاءل ظل هذه الحضارات أم تقلص ، فقد ملأت العالم من مصر إلى الهند بآلهة عظيمة ، وأخرجت من العدم أهرام مصر ، ومعابد الشرقى الأقصي ، والكنائس ، وطائفة من عجائب الفن التى جعلت زينة هذه الحياة ؛ ولولا سيطرة العوامل النفسية على البشر لبقى الناس فى ظلمات الكهوف والغيران ، ينازعون ما يحيط بهم من ضروب الحيوان حتي يظفروا بأكلهم وشربهم ولباسهم .

فالصوفية لا تزال قائمة فى عصرنا هذا ؛ ولم يعن الدكتور (( غستاف لوبون )) ، بالصوفية فى هذا المقال ما نعنى بها معاشر المسلمين ، وإنما أطلق الصوفية من باب المجاز على الإيمان بسلطان فوق الطبيعة ، تتمتع به مرة آلهة الشعوب ، ومرة المعتقدات والمذاهب ، ومرة النصوص وحدها ؛ فالرجل الخاضع لمعتقد دينى إنما هو صوفى ، و (( روبسيير )) الذى كان يقطع الرؤس فى الثورة الفرنسية

لإقامة رسم الفضيلة كان صوفيا ؛ والشيوعى الذى يعتقد أن انجيل (( كارل ماركس )) يجعل من هذا العالم فردوسا إنما هو صوفى ؛ ومتى استولى على قلب الرجل معتقد صوفى أصبحت لهذا الرجل قوة عظيمة ، حتى إنه ليضحى بماله وبحياته فى سبيل معتقده ؛ فلا يزال فى روسية بعض شيع تقضي على رجالها ونسائها أن يبتروا طائفة من أعضائهم على صورة شنيعة ؛ فالعالم لا تنقطع حاجته إلى توجيه حياته نحو سلطان عال يعتقد الناس أنه معصوم ؛ وقد بلغ من اشتداد هذه الحاجة أن الأمة ما تكاد تطرح آلهتها التى كانت تؤمن بها حتى تفتش لها عن آلهة آخرين ؛ فالاشتراكية فى بعض الأمم والشيوعية لهما السلطان الصوفى الذى كان لآلهة المتقدمين ، فالصوفية مسيطرة على تاريخ الشعوب .

وإلى جنب السلطان الصوفى الذى يقود البشر ، سلطان آخر يقود العواطف والأهواء ، يضعف معه سلطان العقل مهما يعظم شأنه ، لأن القوي العقلية عاجزة عن توجيه الشعوب . ولقد شهدت البشرية ميلاد عقول راجحة استطاعت أن تحسب ثقل الكواكب ، ولكنها فى أفياء الحياة الاجتماعية لم تشهد إلا عددا قليلا من العقول التى تستطيع أن توجه الشعوب وجهة صالحة ؛ فالرجال يسيرون فى الحياة عادة بأخلاقهم لا بعقولهم ، وليس بين هاتين الناحيتين : ناحية الخلق وناحية العقل شىء من التساوى ؛ ولو كنا نعرف هذه الحقيقة فى بدء الحرب العظمى وفى الحرب التى يمارسونها اليوم لما كنا نعجب من إقدام شعب ذي حضارة كبيرة على تهديم المدن ، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز .

قد يتوقف مستقبل الأمم على عوامل مادية ، ولكن العوامل النفسية تظل أقوى منها ؛ فإن نسيج الأمم مؤلف من أخلاق أفرادها ومن صفات نفوسهم ؛ ومهما يكن لطيارات السماء ، ولجيوش الأرض ، ولغواصات البحار

أثر فى هذا النسيج ، فإن للأخلاق وللنفوس أثرا آخر فيه ليس بقليل الشأن ؛ وإذا كان الناس لا يلمسون سلطان العوامل النفسية لمسهم لسلطان العوامل المادية ، فهذا ناشئ بعض سببه عن أن النتيجة التى وصل إليها علم النفس من بعد أرسطاطاليس وأفلاطون لا تزال واهية .

لقد كانت حرب سنة ١٩١٤ بمثابة مخبر متسع جربت فيه العوامل النفسية ؛ فقد بينت لنا هذه الحرب شأن هذه العوامل فى الأمم ، كما أنها بينت فساد الأساليب المتبعة فى التدريس للوصول إلى معرفة أخلاق الأمم وسيرها ؛ فلم يعرف الفرنسيون شيئا عن الروح الجرمانية او عن الروح الروسية ، ولم يعرف الجرمانيون شيئا عن الروح الفرنسية أو عن الروح الإنكليزية ، ونشأت عن جهل الجرمانيين بهذين الروحين غلطات شتى ؛ فقد كانوا مثلا يظنون ان فرنسة عرضة لمنازعات دينية واجتماعية ، فكان يسهل عليهم اجتياحها ، ولم يعرفوا ان روح الآباء والأجداد تؤلف مجامع القلوب الفرنسية فى وجه العدو .

من هنا يتبين أن علم النفس لا يزال ناقصا ؛ ولو تقدم هذا العلم بعض التقدم ، ووصل إلى حل أخلاق الأمم كما تحل مادة من مواد الكيمياء ، لبقى غير متكامل من مجامع الوجوه ، فإنه لا يتكامل كل التكامل إلا إذا وضح كيف يكون انتكاس الأخلاق إذا ضغطها مصائب جديدة كمصيبة حرب ونحوها ؛ ومع هذا كله فقد اهتدى علم النفس إلى بعض عواقب لا بأس بها ، فإنا نعرف مثلا الآن أن روح الفرد وروح الجماعة تابعان لقوانين متباينة ؛ فقد يكون فرد من الافراد فى أثناء عزلته عن الجماعة موصوفا بالأثرة ، ولكن هذا الفرد إذا لصق بالجماعة تغيرت أثرته إلى تضحية ، فتذوب الأثرة فى الجماعة ، فيضحي بحياته فى سبيل الفكرة التى تناضل عنها الجماعة .

وإنا نعرف الآن أن إلى جنب العوامل المتحركة التى تعمل فى أخلاق الأفراد عوامل ثابتة تنحدر عن الآباء والأجداد ، فإن هذه العوامل توحــد القلوب وتلف الأهواء فى أزمة من الإزم .

فالعوامل النفسية الخاصة بكل أمة هى التى تميز مصير هـــذه الأمة أكثر ممـــا تميزه قوة البترول والــــكهرباء وغيرهما من العوامل المــــادية ؛ وإذا استطاع ستون ألف انكليزي أن يدخلوا فى طاعتهم ثلاثمائة مليون هندى يعادلونهم فى مدى العقل أو يقربون منهم فى هذا المدى ، فالفضل فى هذا كله يرجع إلى أخلاق الإنـــــكليز ؛ وإذا لم يستطع الأسبانيون أن يبسطوا فى أميركة اللاتينية إلا الفوضى ، فهذا سببه عيب فى أخلاقهم ، كما قرره الدكتور " غستاف لوبون " .

للتأثير فى الشعوب أساليب شتى ، منها أساليب مادية يستعين أصحابهـــا بقوى البترول والـــكهرباء وغيرهما من أشكال المادة ، وهى تشتمل على التهديد والشدة والإفساد ، كالأساليب التى استعملت فى " بولونية " أخيرا ، أو التى تستعملها بعض الأمم العظيمة فى الأمم المغلوبة على أمرها ؛ وقد كثرت الإشارة إليها يومنا هذا كما ذكرت فى صدر المقال ؛ فقد تكون هـــذه الأساليب ناجحة ولكن قيمتها غير ثابتة ؛ ومنها أساليب نفسية وهى أضمن ، فإنها خالية من كل شدة ، وقد يحتاج بيانها إلى فصل خاص ؛ فسياسة الأمم ينبغي لهـــا أن تستعين بمعرفة أخلاق هذه الأمم ، وبمعرفة حدود تقلبات هذه الأخلاق ، ومعرفة أساليب التأثير فيها ، أكثر من استعانتها بقوى الفحم والبترول والـــكهرباء وغيرها من العوامل المـــــادية ؛ ولكن تمييز هذه المعرفة أمر صعب ، فان روح الأمم الــكبيرة ، كروح الانــكليز ، وروح الجرمانيين ، وروح الأميركانيين ، كانت مجهولة قبل الحرب العظمى ، حتى إنا لا نعرف

أنفسنا حق المعرفة ، ولا ينبغى لنا أن نستغرب هذا كله ، فان معرفة المرء بنفسه أصعب من معرفته بغيره ، حتى إنه من الصعب أيضا أن نوضح كيف تكون سيرة أمة من الأمم فى حال من الأحوال إذا كنا لا نعرف هذه الحال بعد ؛ ولقد وصل قليل من رجال الدول فى عصور التاريخ إلى تمييز روح أمم شتى ، وكانت معرفتهم بهذه الروح سببا من أسباب نجاحهم ، لأنه على هذه المعرفة تتوقف الأوضاع التى تصلح لهــــا هذه الأمة والأساليب التى تصلح لســياستها .

أحببت فى هذا المقال أن أستميل النظر إلى العوامل النفسية فى الشعوب متوخيا غاية واحـــدة ، وهى أنه قد يغلب شعب فى معركة من المعارك بفضل بعض عوامل مادية ، وقد ينسلخ منـــه جزء من وطنه ، ثم ينتعش هذا الشعب بعد هذه الصائب إذا كانت العوامل النفسية فيه قوية ؛ ولكنه إذا تجرد من المثل الأعلى فقد تجرد من كل شئ ، وأضاع كل شئ ؛ فللعوامل النفسية فى حياة الأمم شأن عظيم ربما كان أعظم من شأن العوامل المادية .

(دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية