الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 644الرجوع إلى "الثقافة"

سليمان الحكيم، وزوجه بنت فرعون مصر

Share

لعل أول ما يبادر إلى الذهن . فمن استعراض الملك سليمان " أنه كان خليقاً بأن تتجه "أيجايل" الفطنة . ذات اللب الرصين ، والعقل الأصيل ، لا أن يكون ابن " بششبع " الفاتنة التى جمعت إلى براعة محاسنها - تخاذل العزم ، و ضعف النفس وبذل المقادة . .

ولقد مد سليمان في وجه الجد غرراً ، وبلغ منزلة لا يتعلق بها درك ، كما بلغ بجاه أبيه مكانة يتقاصر عنها الأكفاء ، ويتراجع الأقران . وأفلح فى تكثير ثروته الشخصية ، عن طريق جزية طائلة . قدمتها له الأمم التى

دانت لجبروته ، وعن طريق الأموال الأميرية ، التى كانت تدرها عليه أملاكه الواسعة ، وعن طريق أرباحه التجارية مع البلاد القاصية - وقد روى أن سفنه جاءت دفعة واحدة ، باربعمائة وعشرين وزنة من ذهب أوفيد . وكان له أسطول تجارى فى بحر الهند . وآخر فى البحر الأبيض المتوسط . وكانت سفنه وقوافله تأتيه بالفضة والنحاس والعاج والأبنوس والبوص والخيل والمركبات والتوابل والأقاويه والطواويس والقرود . وجعل الفضة في أورشليم مثل الحجارة ، وجعل الارز مثل الجميز . بل إنه فاق والده

العظيم ، فى زيادة منازل " الحريم " . وإننا وإن كنا لا نعرف على وجه التحقيق عدد الزوجات اللواتى اتخذهن الملك داود ، إلا أننا نقرأ فى الكتاب المقدس أسماء سبع منهن بالذات غير " الزوجات الأخريات والسرارى " .

أما عن سليمان فإن الكتاب المقدس والمؤرخ يوسيفوس يحدثاننا بأنه قد كانت له سبعمائة من النساء السيدات المحصنات ، وثلثمائة من السرارى ، وقد اصطفى كثيرات منهن لأغراض سياسية بحتة ، وتذرع بهن لتوثيق عرى التحالف بينه وبين الصيدونيين والحثيين والعمونيين والآدوميين .

ولقد كان فى أول ملكه سعيداً جداً ، وتجلت آيات حكمته وتقواه للأقطار كافة ، وكان مقدار علمه عظيماً باذخاً ، وبرع فى الطبيعيات ، ولعله درسها فى بستان إيثام ( وادي قرطاس ) حيث كان يتردد محفوفاً بالفرسان والضباط الرافلين فى الملابس المزخرفة ، والذين رشت شعورهم بمسحوق الذهب ونطق بثلاثة آلاف مثل ، وألف وخمس نشائد ، وذاعت أنباء عبقريته فى جميع الأمصار ، حتى تقاطر أناس من الأباعد ليشاهدوها ، وكانوا يمتحنونه فى مسائل شتى عسرة .

ولكنه استكثر من الزوجات ، فأغرينه فى آخر ملكه بعبادة الأوثان وما إليها من الجرائر والآثام ، فهبط من أعلى الحكمة إلى أحط دركات الحماقة ، وهد كيان الأسرة للوحدة وأضعف روابط الدم والرحم ؛ ولو ان صفراً واحداً أضيف إلي يمين الزوجات والسرارى اللواتى كن له . . بل لو انهن جميعا لم يجاوزن المائة عداً - فإننا لا نتعجب ، بل إننا لا نستطيع أن نسأل فى تعجبنا : لماذا جاء فى الكتاب المقدس " إن نساء سليمان فى شيخوخته ، أملن قلبه وراء آلها أخرى " . ولكن الذى يدهشنا فى أمره . ويثير حيرتنا إلى أقصى حد ، تمكنه من الاحتفاظ بسلامة عقله وبدنه مدة حتى حكمه الأربعين فى ١٠٢١-٩٨١ قبل الميلاد !! على أن هذا " الاجهاد الصاعق ، أو الانغماس المسرف

الهدام " على حد التعبير الدقيق الذى وصفه به " الاسقف هرار " - كان فى أيام سليمال ، لا يوجب مثل هذه الدهشة ، التى تشغل أذهان الناس فى زماننا الحاضر . ولكنه مع ذلك صار موضع سخط الكتاب العبرانيين من المحدثين منذ ذلك الحين !

أما الزوج التى كان لها المقام الأول فى النواحى التاريخية والاجتماعية فهى " بنت فرعون ملك مصر " . وقد صاهره سليمان قبل السنة الحادية عشرة لملكه . وكان هذا الفرعون المصرى ، قد صعد إلى " جازو " فى جنوب فلسطين ، فأخذها وقتل الكمانيين الساكنين فيها ، وأعطاها مهراً لابنته امرأة سليمان . وقد أخذ سليمان زوجه باحتفال عظيم ، وأتى بها إلى مدينة داود ، إلى أن " أكمل بناء بيته " الفخم " وبيت الرب " .

ولسنا نعرف شيئاً مفصلاً عن هذه الزوجة ، ولكننا نستطيع أن تجزم بأنها كانت مثقفة كسائر الأميرات المصريات وبأن ثقافتها كانت عالية يشاد بخواصها فى كل مجتمع وناد . وتعلم كذلك أنها احتفظت بمنزلتها ونفوذها وسيادتها طيلة أيام حياتها ، وانها كانت ذات شخصية قوية إلى حد الطغيان ؛ فقد بنى لها سليمان بيتاً يحقق مثلها المألوفة لديها ، ويلائم ذوقها الذى كان يجمع إلى أسباب البهاء والروعة المعنوية القاهرة . الفن السليم الرفيع ، والتنسيق الطريف الدقيق . وفى هذا وأشباهه تتجلى مزية المرأة المهذبة والسيدة المثقفة ، ومعنى الحضارة " الأجنبية " العجيبة . . إذ كان البذخ وحده لا يعز على الناس ، فى بدارات السذاجة الأولى ، ولا يدل على أكثر من الفخامة والضخامة والجسامة . .

بل إننا نعرف أنه قد كان لهذه الزوجة المصرية أثرها القوى فى تكييف حياة سليمان ، وفى تطور سير المجتمع الراقى الإسرائيلى ، وصوغ خلاله وأذواقه ومزاجه . . بل لقد كان لها أثرها البين فى اتجاهات التفكير والدين والآداب والفنون . . إذ جاءت إلى سليمان فى اقتبال شبابه وعنفوان نشاطه وطموحه ، ولم يكن يطمح إلى المجد المادى أو الملك الواسع ، أو السلطان العريض .

وقد كان عدد رعاياه حينئذ لا يحصى من الكثرة ، ولكنه طلب " قلباً فهيماً وقدرة على التمييز بين الخير والشر " ليحكم " شعب الله العظيم " ولقد أشاد الشاعر الإسكتلندى براوتنج بثياب سليمان الفاخرة " ذات الألوان الزاهية ، التى اشتهرت ( صور ) باستخراجها من أصداف البحر " ، ووصف حجرة العرش وصفاً رائعاً فى قصيدته التى ترجم لها باسم " الشهرة " فقال : " إن الشمس تلتمس منها لألاءها وبهاءها ، وإنها فرشت بأراض ، وكأنها قطع من الرياض .

بسط أجاد الرسم صانعها

وزها عليها النقش والشغل

فيكاد يقطف من أزاهرها

ويكاد يسقط فوقها النحل

ثم وصف العرش ذاته وصفاً عجيباً معجزاً وقال : " إنه كان يضوع ويضىء بصاحبه ، كأنما اكتسب ثوره من روحه ، واقتبس بريقه من رونقه . . إن امرأة سليمان كانت تنظر إليه وهو يسطع فى الضياء بجمال بزته الساحرة وثيابه المطرزة الذهبية ، فتترنح به إعجاباً  كما تترنح النحلة التى تقتطف الشهد من الزنبق حين تعود إلى قريتها العامرة "

وأكبر الاعتقاد أن الشاعر يقصد هذه الزوجة المصرية التى أخلصت الحب لسليمان . وكانت تجد فيه سيدها ورجلها ومليكها الذى صافته ودها ، وآثرته بولائها إلى آخر نسمة من حياتها .

وقد ضجت مدينة القدس من أقصاها إلى أقصاها ، لاكتشاف أثر تاريخى عظيم ، طلعت الصحف بأخباره فى أوائل سنة ١٩٢٩ ميلادية . وذلك إذ كان عمال الحفريات ينقبون فى جنوب معالم هيكل سليمان ، فعثروا على مسطح صخرى ، مزدان فسيفساء جميلة الصنع . وفى وسط السطح صفيحة كبيرة من الحجر الصلد ، حليت بنقوش جميلة ، واتصلت بحلقة من الذهب الكز . وبعد أن رفعها العمال جانباً ، انكشفت لهم ثغرة قاموا بتطهيرها من الغازات السامة ،

وأثاروها ببطارية كهربائية فحطت الأبصار على مشهد رائع أخاذ ، هو مشهد حجرة ازدانت من أرضها لسقفها ، برسوم مخططة بالذهب والعاج ، وصفت في جوانبها الكراسى والمراوح التى لا يمكن تقدير ثمنها . وكان فى الحجرة تابوت بديع من الذهب ، يشع منه بريق خاطف ، رغم انقضاء دهر طويل عليه . وبعد أن رفع غطاء التابوت ، وجدت بداخلة جثة بشرية ، مدرجة في لفائف من القماش الثمين ، المرصع بالأحجار الثمينة . وكانت أصابع اليدين محلاة بالخواتم الغالية ، ورف على هامة الجثة تاج تتلألأ فيه أحجار الزمرد والياقوت . وبعد أن نقلت الجثة إلى دار الآثار فى اليوم التالى ، وجدوا فى طيات الثوب الذى يسترها ، وثيقة من رق الغزال . وكانت مكتوبة باللغة العبرية القديمة وهذا نصها :

" ليكن معلوماً لدى الجبل الحاضر ، والأجيال المقبلة ، أنى أنا سليمان ملك أورشليم ، قد دفنت فى السنة السادسة والثلاثين من ملكى ، زوجى المحبوبة المصرية التى من منفيس ، فى الحجرة القائمة تحت قصرها ، بعد أن بذلت نفسها فى سبيل زوجها ومليكها ، فرأيت أن أضع بيدى ، ناجى المقدم لى من شعبى فى السنة الخامسة والعشرين فى ملكى - على جبين محبوبتى اعترافاً بحبها وإخلاصها . وقد زينت حجرتها بكل ما يليق بفتاة من أرض مصر . إنه منذ ثلاثة أشهر قد حضر " بسوقس " والد زوجى ، يحمل هدايا أراد أن يتملقنى بها ، ويغتال حياتى ، ليضم عرشى إلى أرض مصر . وقد اغرى ابنته بأن تصب لى الخمر ونحن على المائدة . ولما دخلت كانت زوجى منمقة اللون ، ولم تحدثنى نفسى بالخيانة . . ولما صبت الخمر فى الكئوس ، لحظت أن والدها لم يمد يده إلى كأسه ، فرفعت كأسى إلى شفتى غير مرتاب . . ولكن زوجى انتزعت الكأس من يدى ، وتجرعته فى سرعة فغضب والدها ، وفر من الغرفة . وبعد بضع دقائق هوت زوجى بين ذراعى ، جثة هامدة . إن بسوقس الأئيم أوشك أن يقتل بالسم . ولكن زوجى اقتدتنى . فتوجتها بتاجى " .

اشترك في نشرتنا البريدية