هذا هو عنوان الكلمة التي ارتجلها معالي الأستاذ محمد العشماوي باشا بدار نقابة الصحفيين بدعوة من الجامعة الشعبية .
وقد ازدحمت الدار بالحاضرين الذين كان من بينهم لفيف من الأنسات والسيدات لفتت كثرتهن الأنظار . ودقت الأستاذ على عزت الأنصاري المدير العام للجامعة الشعبية أن يخصهن بشكره في كلمته التي قدم بها المحاضر ، وأن يعلل كثرة عددهن بتقدير المرأة لمعالي المتحدث . الذي وقف من قضيتها مواقف التأييد .
وقد استهل معاليه كلمته المضافية ، التي استغرقت الساعة والنصف بإزجاء شكره للجامعة الشعبية أولا ، وللصحافة المصرية ثانيا ، مبينا ما بين الاثنتين من وشائج القربي في نشر الثقافة ، ثم التفت نحو السيدات فأعلمهن أنه لن يستعمل في حديثه نون النسوة ، مكتفيا بواو الجماعة التي تشمل الجنسين اعترافا عمليا منه بمبدأ المساواة الذي تطالب به المرأة ؛ فكان ذلك مثار عاصفة من التصفيق من جانب السيدات . ومضي التحدث في كلامه مستعرضا للراحل التاريخية التي اجتازتها الجامعة الشعبية ، فذكر أنها حدث جديد علي مصر لم تعرفه إلا منذ ست سنوات ، وانه أحد الذين كان لهم شرف المساهمة في فكرة إنشائها ، حيث دعي لإبداء رأيه في الفكرة ؛ فآمن بها وسعي لإخراجها من دور الفكر إلى طور العمل ، منوها بفضل الأستاذ الجليل الدكتور أحمد أمين بك أول المفكرين في إنشاء الجامعة ، وأسبق الداعين إلى نشر الثقافة العامة في مصر ، فكان ذلك تقديما حميدا تود أن يحتذيه أعلام الأدب عندما يعرضون لغيرهم من ذوي الفضل فيعترفون لهم بفضلهم .
وأشار بعد ذلك إلي الشكوك التي ساورته حين علم أن هذا الوليد سيطول عليه زمن الرضاعة ، وتمتد به مرحلة الطفولة نتيجة " للروتين " الحكومي ، ولأن الشعب في
مصر قد ألف أن يلقي علي كاهل الحكومة جميع الأعباء من ناحية اخرى ، مع أن الجامعة الشعبية تتطلب أن يساهم فيها الشعب .
واستطرد من ذلك إلى الحديث عن الصعاب التي اعترضت المشروع والعقبات التي وقفت في طريقه حتى تم مولده ، ثم اصطدامه بعد ذلك بالاعتمادات المالية ، وتأرجحه بين الأعاصير المختلفة إلى أن شاءت الأقدار أن يتولى معاليه وزارة المعارف ، وأن يرنو ببصره نحو الجامعة الشعبية فيجدها كالطفل الذي يحبو ولا يستطيع النهوض فيمنحها القوة ، ويرصد لها الأموال التي تساعدها على السير في مهمتها بخطوات وثيدة .
وانتقل المتحدث بعد ذلك إلي موضوع حديثه ، وهو رسالة الجامعة فقال : ما هي إذا رسالة الجامعة ؟ أقامت الجامعة لتسد نقصا في ثقافة الشعب ، أم هي نوع من الكماليات ! وهل هي تعليم قصد به مكافحة الأمية ، أم هي تعليم أولى أو فنى أو عام ؟ .
والإجابة أن الجامعة شيء من ذلك كله ، وليست شيئا منه . شئ لما توافر لها من وسائل وأهداف ، وليست شيئا منه لأنها لا تستهدف الأغراض المحدودة التي تستهدفها هذه الأنواع . ولا تتقيد بالقيود التي تتقيد بها هذه المعاهد .
هي ضرورة كان يجب أن نفكر فيها منذ نهضة البلاد ، وقيام الحياة الدستورية فيها ، وهي ضرورة حجبتها عنا سياسة المستعمر حين كان يعطينا العلم قطرة قطرة ، ويعمل على إخراج موظفين بقدر الحاجة ، فكان الواجب منذ أن تحررنا أن نفكر أول ما نفكر في وسائل سريعة فعالة تخلق منا شعبا مستنيرا ؛ والجامعة في بلد فيه بضعة آلاف من الجامعيين والجامعيات ، وملايين من الأميين والأميات ، والسائد
في البلاد المتحضرة أن يتمشى التعليم الجامعى مع السياسة العامة للبلاد ، ليجد الجامعيون صدى لرسالتهم في أوساط الشعب ؛ فإذا لم يكن الشعب مستنيرا ، كانت النتيجة أن يكتب الكتاب لغير قارئين ، فيضعف التجاوب بين سواد الشعب ومفكريه . وبضعف أيضا الإقبال على العلم فيؤثر هذا أسوأ التأثير في إقبال المؤلفين على الإنتاج الذي لا يعدو حالة أمرين : تصديره للخارج أو تلافيه . وفي كليهما حرمان للشعب منه .
والمعاهد العلمية بطيئة السير ولها قيود من السن والظروف والمستوي الثقافي ؛ فهي إذا تؤدي رسالتها في نطاق محدود ، وحدود ضيفة ، على حين أن الجامعة الشعبية تؤدي رسالتها في جميع الحدود ولجميع الطبقات ، وتهيئ لكل راغب في المعرفة الفرصة للبحث دون قيود ، وذلك كانت رسالتها مرنة ومتلونة وهي لا نغني عن المعاهد والمعاهد لا تغني عنها ، وهي إذ تواجه طائفة من الناس بين رجال وسيدات إنما تعدهم لحياة تقوم على أساس من العلم والمعرفة . وإذ تتلقي الدارسين في المعاهد إنما تكملهم ، لأن العلم لا يقف عند حد . فرسالة الجامعة تشمل ثلاث نواح : إنشائية وتكميلية وحيوية . ففي الأولى تنشئ فريقا من الشعب الذي لم يتعلم فتزوده بالعلم . وفي الثانية تكمل الدراسة للذين لم يتموها في المعاهد . وفي الثالثة تستقبل الذين أتموا الدراسة في المعاهد لتلائم بين معارفهم المتجددة وظروف الحياة المتجددة . كما أنها أيضا تفجر ينابيع الاستعداد ، وتمهد لبروز الملكات والهوايات حين تضم طوائف من الشعب منوعة الثقافة والإدراك . وفي مصر كنوز من المواهب لو وجدت من يغذيها ويتعهدها لأحدثت المعجزات .
يقال : شارا تطغي الحكومات ؟ فيجاب لأنه لا يوجد رأي عام يردها إلي العدل .
ويقال : لماذا تغلب الأوضاع في مصر ؟ فنري التعليم العالي يلاصق الجهل المطبق ، والغني المترف يحاور الفقر المدفع . ونوعا من السادة حولهم قطعان من العبيد ؟ فيجاب أيضا بأن سبب ذلك افتقار البلاد للشعب المستنير ، ولا أقصد بالاستدارة معرفة القراءة والكتابة ، بل أقصد بها معرفة الشعب ما له من حقوق وما عليه من واجبات ، فلا يقصر في القيام بواجبه ولا ينام عن المطالبة بحقوقه ؟ وهذا الشعب هو
وحده الذي ينكر على الحكومة طغيانها . ويردها إلي الصراط السوي ! والجامعة الشعبية هي التي تتدخل لتحنق هذه الاستنارة .
إن مصر تتمتع بحكم برلماني قائم على أحدث النظم البرلمانية ، وتعمل بدستور مقتبس من أعظم الدساتير ، ويقوم الانتخاب فيه على أساس المساواة بين الجاهل والمتعلم ، وهذا الوضع يتطلب الرأي العام المستنير لأن الذي يتقدم لتأدية حق الانتخاب يجب أن يكون على قسط من المعرفة ، وقد افترض الدستور إدراك الأمة كلها لهذه الأمور . وهنا تبرز رسالة الجامعة الشعبية لأنها تهيئ للشعب الاستنارة والمعرفة ليختار ممثليه الذين يتحكمون في مصايره .
