الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 316 الرجوع إلى "الرسالة"

سمو المعنى في سمو الذات، أو أشعة من حياة الحسين، تأليف الأستاذ عبد الله العلا على

Share

تفضل الأستاذ عبد الله العلايلي فأهدى إلى كتابه الذي سماه ( سمو المعنى في سمو الذات ) ، وجعله الحلقة الأولى من سيرة الحسين بن على بن أبي طالب، فطالعت أكثره والقلم في يدى فكنت أكتب بعض التعليقات على ما أنكر منه فاجتمع لي في نقده مسائل ( مهمة جداً ) أحببت أن أنشرها ، وما أشك في أن الأستاذ يتقبلها بقبول حسن ، فيقرها إذا رآها حقاً، ويناقشني فيها إذا رآها غير ذلك . ولست أعرض في هذا النقد للخلاف بين السنة والشيعة ، أو أثير غبار النزاع على القضايا المذهبية ، وإنما أنقده من الناحية التاريخية العلمية ، للوصول إلى الحقيقة التي أنشأ الأستاذ العلايلي كتابه للبحث عنها

والملاحظة العامة على هذا الكتاب هو أنه يدرس خلافاً بين فئتين ، فيسبغ على إحداهما ثوب التقديس والإجلال ، ويكتب عنها بروح إكبار واحترام ، وينزل بالثانية إلى حيث يتمكن من النزول بها ، ويلصق بها الهم والعيوب، ويتكلم عنها بلغة لا تخلو أحياناً من كلمات وعبارات لا يليق بالمؤرخ المنصف المهذب أن يقولها . وقد تكون هذه التهم صادرة عن ( الخيال ... ) وحده ، ليس لها سند من رواية أو نص ؛ وقد يعترف بذلك المؤلف ، ولكنه لا يمتنع عن ذكرها . كقوله وهو يتكلم عن الأمويين

صفحة ( ۳۳ ) : ( الحزب الأموى كاد للنبي ولدعوته ، وعرفتا كيف أسلم زعيم الأموية أبو سفيان ، وعرفنا كيف لم يبق للأمويين أى مقام اعتباري في محيط الإسلام الذي كان ظهوره فوزاً وغلبة الهاشميين ... ووجدوا في ولاية يزيد بن أبي سفيان وولاية معاوية من بعده فرصة سانحة للقيام بعمل خطير ، ففكروا في اغتيال عمر بن الخطاب (!) وكذلك اغتالوه بيد فارسي ... » إلى أن قال : وإنما أقول في جملة ما أود إثباته إن قتل عمر لم يكن وليد فكرة فارسية مديرة ، وإنما كان وليد فكرة موضعية خالصة وأموية بحتة . هذا رأيي وعسى أن أجد (انتبه) في منثور الروايات والأخبار ما يوضح الواقع » 1

فإذا كان المؤلف يستند في تاريخ الماني إلى ( رأيه ... ) ويضع النتيجة قبل أن يجد المقدمات ، أى أنه إذا كان يرتجل التاريخ ارتجالاً فليس عجيباً أن يكون في الكتاب تقول عن المسعودى في الطعن على بني أمية والمسعودى لا ينقل عنه (وحده) في هذا الباب كما هو معروف ، وأن يكون فيه نقول عن مثل الأب لامنس عدو العرب والإسلام ، المتعصب الذي يضعفه كثير من المستشرقين ولا يرون الأخذ عنه

والمؤلف يقول في صفحة ( ۱۳ ) : ( والحق أنا لا نزال من فهم عصر الحسين على غموض وخفاء ، وذلك لأن الأقلام التي تناولته منذ أول عهد الحرب بكتابة التاريخ لم تكن بريئة على إطلاق القول، بل دارت على خدمة أغراض شتى بين النزعة المذهبية ، والزلق من السلطة الغالبة ) . ثم يأتي في صفحة ( ٤٩ ) فيقول في عنوان مكتوب بحروف كبيرة : أسباب فشل سياسة على عليه السلام ونجاح السياسة المعادية (1) ، وبصف الأمويين بأنهم أداة

إفساد وفى طبيعتهم بعث الحياة الجاهلية صفحة ( ۲۸ ) . ويقول في صفحة (٤٢) : « على بن أبي طالب مظهر فذ من مظاهر التكامل الإنسانى ، ونموذج بارع من نماذج التفوق البشرى ، ومثال لبلوغ الاستعداد الكامن في النسم الخ ، في صفحة كاملة كلوا خطابيات ومبالغات على هذا النمط . وحينما يتكلم من الخلفاء الأربعة يتكلم عنهم ص (۱۲) بما نصه: «الخليفة الأول والثاني والثالث ثم على عليه السلام »

ولنأت الآن إلى عرض نماذج من المسائل التي أنكرتها في الكتاب بقصد التمثيل لا الاستقصاء

يقرر في صفحة ( ۱۰ ) أن نظام الحكم فى عـ الأمويين لم يكن إلا ما نسميه في لغة العصر بالأحكام العرفية ، هذا النظام الذى يهدر الدماء ، ويرفع التعارف على المنطق القانوني (كذا ) ويهدد كل امرىء في وجوده. وفي هذا العصر إذا كان يتخذ في ظروف استثنائية والحالات خاصة فقد كان في العيد الأموى هو النظام السائد ، وكان هذا في رأيه ( وضعاً احتكم في كل التاريخ الأموى وصبغه بصبغة وييلة ، فتنافى مع المبادىء الدينية والمدنية وكل ما أورد المؤلف من الأدلة على هذه الدعوى التي لا يدعيها أشد الغلاة من أعداء التاريخ الإسلاى وخصومه ، كل أدلته أنه أشار إلى ( المرسوم الملكي أو المذكرة الإيضاحية (كذا) الصادرة في بيان الأسباب التي بورت قتل أبي جعفر الشلمغاني) وذكر أنها في الجزء الأول ص (۲۳۸) من معجم الأدباء وهكذا ثبتت هذه التهمة الخطيرة ، وسودت صفحة من أنصع صفحات التاريخ العربي ، وانتهى الأمر بسلام ، وقيل الحمد لله رب العالمين

ورحمة الله على العدل أيام بني أمية ، ورحمة الله على التحقيق التاريخي في أيامنا هذه

٢ - يقرر فى ص (۱۲) أن معاوية اقتبس النظام البيز على ( وانفعل به إلى أبعد حد، فانتقل طفرة واحدة إلى نظام يبعد كثيراً عن النظام التبوى من كل الأطراف إلى أن قال: « إلى حد نتمكن معه من القول بأنها حالت دون أزكى ثمار الإسلام ، وحالت دون حكومة القرآن ، ومسخت تعاليم النبي ، وشوهت تقاليد حكومة الخلفاء . اهـ والذى نفهمه أن موضوع اقتباس الأمويين النظام

البيزنطى يحتاج إلى درس شامل لكلا النظامين ، وأدلة ثابتة ولا يمكن شرحه فيها دون الرسالة الكبيرة أو الكتاب المستقل أما مجرد الادعاء وإرسال النظريات فلا يقدم في التاريخ ولا يؤخر ولا يكون له قيمة علمية

٣ - ذكر في صفحة (١٧) أن من الأسباب و التي يظن أنها مهدت إلى عمل الاضطراب (كذا) وإثارة الخواطر و قدمت مادة الانقلاب الكبير ، الاختلاف على البيعة يوم السقيفة وامتناع فاطمة منها وآل هاشم عموماً ، وذكر أن هذا الخلاف كان له صدى عكسى - كذا - ولد عند البعيدين شيئاً من الشعور بالاستهانة وجرأهم على الانتقاض والخروج والتمرد » وجعل المؤلف هذا الخلاف من الأسباب المؤدية إلى ارتداد العرب مع أن انتخاب الرئيس فى أى بلد من البلدان الجمهورية يتقدمه في عصرنا نزاع وخلاف لا يقاس به اختلاف أهل السقيفة ، ولا يؤدى إلى خروج ولا تمرد . ثم إن خلافة أبي بكر كانت إجماعية فلم يشذ عن بيعته الارجل واحد هو سعد بن عبادة، وتأخر على ومن معه لأسباب أخرى ذكروا أن منها اشتغاله بكتابة المصحف. وعلى كل فقد بايع أخيراً . أما ارتداد من ارتد فقد كانت له أسباب معروفة (غير ما ذكر)

٤ - ويذكر في - :جة ( ۲۳ ) أن من هذه الأسباب : ل عدم عناية حكومة الخلفاء بيث الدعوة وغرس التربية الدينية ) وهذا كلام لا يقبله أحد ، لأن المؤلف لم يقم عليه الدليل العلمي أولاً، ولأن هذا الادعاء طعنة موجهة إلى صميم التاريخ الإسلامي. وإذا كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلى لم يعنوا بين الدعوة وغرس التربية الدينية ، فمن ذا الذى عنى بها ؟ ومن ذا الذى بث الدعوة إلى الدين حتى شملت مشارق الأرض و غاربها ؟ ومن غرس التربية الدينية حتى فى صدور الفرس والروم وأهل خراسان وأرمينية حتى صاروا مسلمين ينتقلون بدرس الدين ويتبعون هديه ، وحتى نشأ فيهم علماء فحول وأعة هادون ؟

أترد هذه الحقائق كنها بتسعة أسطر جاء بها المؤلف ، خالية من أي دليل : من نص ثابت أو استنتاج منطقى ؟

ه - وذكر المؤلف أن ( مسحة الحكم إلى عصر على المنزل

خاضعة للنظامات القبلية، وأن حكومة لا تقوم على نظم البداوة لا يرجى لها بقاء ، لأنه ليس بين عناصرها وحدة حقيقية » والرد على هذا الكلام من وجهين : أولها أن الإسلام قد مجا عصبية القبيلة ودعا إلى الأخوة الإسلامية ، وفهم ذلك الصحابة ونشأ عنه وحدة عربية استطاعت أن تعمل أكبر عمل في سبيل الدعوة إلى الله . وثانيهما أن هذه النزعة القبلية إذا كانت قد ظهرت بعض الظهور ، فإنما ظهرت أيام على . واستثناء المؤلف عصر على من الحكم الذى أطلقه وعممه قلب للحقيقة وتبديل للواقع

- ويقول في صفحة (٢٦) : ( إن للأنصار حقاً أكيداً وشبهة قوية في السلطة على أنهم فهموا في آخر الأمر أسهم أنصار الدين وأنصار محمد وأنصار بيته ( كذا ) ولذا ظل ميلهم إلي الداعى القائم من آل البيت ) ... وقرر في حاشية الصفحة أن الأنصار : ( يعتبرون وصول بني أمية إلى الحكم إنما هو انتصار لأعدائهم القداى من مشركي مكة » .

ودليل هذا كله أن « فكرتن" ، ذكره في كتاب ( السيادة العربية » فانظر هذا التحقيق !

- ويقرر في صفحة ( ۲۷ ) أن الأمويين أرادوا « أن يخضدوا من شوكة المدنية ويقضوا على الطبقة الدينية المحترمة ) وأنهم : استأجروا طوائف من الشعراء والمغنين والمخنثين من بينهم عمر بن أبي ربيعة لأجل أن يمسحوا عاصمتى الدين : مكة والمدينة بمسحة لا تليق بهما ...» إلى أن قال : ( ويتمادى بنا الظن إلى أن المروانيين فكروا بصرف الناس عن المقدسات الإسلامية التي تنزل من الإسلام منزلة الشعيرة ، بإنشاء المسجد الأموى بأبهته العظيمة بدمشق . ولقد ظن بعض المستشرقين « كالأب لامنس اليسوعي ) بأن هذه نية عبد الملك بن مروان بأناقته في تشييد المسجد الأقصى . ونحن وإن كنا نظن ونوافق من يظن ترسل ما نقول في محفظ مطلق حتى تتناسب عليه الشواهد والروايات » اهـ وما دام هذا كله ظناً من المؤلف ، وما دام قد أقر بذلك فنحن نعلن أن الظن لا يعنى من الحق شيئاً ، وأن التاريخ لا يكتب على هذا الشكل الذي عمد إليه المؤلف ، وإنما يكتب التاريخ رجل خالى النفس من الهوى لا يبغض ولا يحب ؛ وإنما يدرس المقدمات ويسير

فيها بهدى المنطق وينتهى حيث تنتهى به ، وما عدا هذا وجاوزه لم يكن تاريخاً ولا شبه تاريخ

۸ - ومن أعجب ما يأتى به هذا المؤلف الذي يرتجل التاريخ وينشى" من خياله حوادث لم تكن - أنه يجعل في صفحة (٦٦) نشأة يزيد بن معاوية ، نسأة مسيحية ! ويستدل على ذلك بأن أخواله بني كلب كانوا يدينون قبل الإسلام بالمسيحية ! وإلى أنه يعرف طرفاً من الهندسة ! ! وإلى أن يزيد أمر الأخطل ( لمسألة خاصة معروفة ) بهجاء الأنصار . ويقول في صفحة ( ٦٨) بعد سرد هذه الأدلة المضحكة : * إذن كان يقيناً أو يشبه اليقين أن تربية يزيد لم تكن إسلامية خالصة؛ أو بعبارة أخرى كانت مسيحية خالصة، فلم يبق ما يستغرب منه أن يكون مستهتراً مستخفاً بما عليه الجماعة الإسلامية لا يحسب لتقاليدها وعاداتها أي حساب ولا يقيم له وزناً ، بل الذى يستغرب أن يكون على غير ذلك )

هذا قليل جداً من كثير جداً ، مما في هذا الكتاب العجيب من المسائل .

أما لغة الكتاب فلا تخلو مواضع منها كثيرة من ضعف في التأليف، أو استعمال للكلمة على غير وجهها أو في غير معناها . قال امؤلف فى الصفحة (٩) : « ثم هذه الجوانب التي نلمح إليها ليس من السهل استيعابها على وجه الدقة إلا إذا انتشرنا على مسائل الخ... » فافتتح الكلام بقوله : « ثم هذه الجوانب » وكان الأولى أن يقال : ( ثم إن هذه الجوانب » ، واستعمل كلمة انتشر ناعلی » بمعنی «اطلعنا على» وليس لها وجه. وقوله فى ص (۱۱): وكذلك يبدو  الدرس متصعباً غامضاً حتى نقف من تاريخ الحسين موقف الحيرة المطلقة لشدة خفاء الجانب التعليلى (؟) في كل مراحل حياته التى كانت أشبه بالبعثرات » . وقليل من يفهم ما المراد بالجانب التعليلى ، أو يقر كلمة ( البعثرات » في هذا الموضع ، ولذلك أمثال في الكتاب

أما لغة الكتاب فلا تخلو مواضع منها كثيرة من ضعف في التأليف، أو استعمال للكلمة على غير وجهها أو في غير معناها . قال امؤلف فى الصفحة (٩) : « ثم هذه الجوانب التي نلمح إليها ليس من السهل استيعابها على وجه الدقة إلا إذا انتشرنا على مسائل الخ... » فافتتح الكلام بقوله : « ثم هذه الجوانب » وكان الأولى أن يقال : ( ثم إن هذه الجوانب » ، واستعمل كلمة انتشر ناعلی » بمعنی «اطلعنا على» وليس لها وجه. وقوله فى ص (۱۱): وكذلك يبدو  الدرس متصعباً غامضاً حتى نقف من تاريخ الحسين موقف الحيرة المطلقة لشدة خفاء الجانب التعليلى (؟) في كل مراحل حياته التى كانت أشبه بالبعثرات » . وقليل من يفهم ما المراد بالجانب التعليلى ، أو يقر كلمة ( البعثرات » في هذا الموضع ، ولذلك أمثال في الكتاب

اشترك في نشرتنا البريدية