الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 321 الرجوع إلى "الثقافة"

سم لابد منه، مشتقات السلفانا ناميد

Share

ويل للإنسان إذا أعطي في يده سلاحا ذاحدين ، وويل للجاهل أو نصف المتعلم إذا أساء استعماله ضد عائلة ما فهو حائر أو جاهل لا يدري أيهما الحد الذي يشطر به عدوه . وأيهما الذي ينقلب عليه ويحز فيه بلا تمييز أو رحمة حتى بقطر دما . والويل للجمهور الذي تجذبه مباهج الإعلان عن دواء جديد ، فيفرط في استعماله غير عابئ بتهديد او إنذار ، فهو في سبيل الوصول إلي غرضه والتخفيف من آلامه لايهمه أن يجتاز حقلا بل حقولا كلها ألغام  ومصايد قد يتردى في واحدة منها .

ظهرت مشتقات السلفاناميد في السنين الأخيرة وحولها هالة رائعة ، لم يسبق أن شاهدنا مثلها حول اكتشاف طبى . وأضفي علي هذا النجم الجديد في عالم الجاذبيات كل ما يتصوره العقل من صفات الإعجاز . وهي وإن كانت الحقيقة كاملة ، إلا أنها أعمت رجل الشارع عن الأحراش المظلمة الخطرة في أفق هذا العالم الجديد . فظن في سذاجة قليل العلم أن مركبات السلفاناميد كالبرونتوزيل والسلفانا والسلفانيلاميد والسيبازول والداجينان وبقية أخوائها ، لا تختلف عن الأسبرين وأخواته في مفعولها وأمانها ، فأصبح وجودها في صيدلية المنزل حادثا عاديا . وتنافست السيدات كعادتهن في التعلق بكل جديد في اقتناء مشتقاته والنطق بأسمائها في رطانة أفرنجية طريفة ، قد تطرب أذن السامع المحايد ، ولكنها تقلق بال العالم بما خفي وما بطن من ألاعيب هذا الدواء .

تري من هم هؤلاء الرسل والملائكة الذين بعثهم الله حتى أخرجوا لأبناء آدم هذه المعجزة الرائعة التي خففت نصف آلام الإنسانية علي الأقل ؟ ألا يستحقون منا سطرا

أو سطرين نسجل فيهما أسماءهم من باب عرفان الجميل ، لا أكثر ولا أقل ، أم نكون كالأ كول النهم الذي يلتهم لذيذ الطعام دون أن يشكر - ولو في سره - الطاهي ومساعديه . كان فورستر أول من أعلن للملأ في عام ١٩٣٣ ، استعمال البرونتوزيل في شفاء طفل مصاب بالتهاب البريتون . وفي فبراير من عام ١٩٣٥ ، نشر دوماك بحثا مستفيضا عن مفعول هذا الدواء في علاج مختلف الأمراض ، فأحدث ضجة هائلة في الأوساط العلمية وتحولت أنوار المسرح فجأة نحو هذا المولود الجديد ، فما لبث أن كبر وتضخم حتى ملأ الأسماع والأبصار . وهناك جنود مجهولون شاء التاريخ ألاتلمع أسماؤهم ، وكان لهم الفضل في اكتشاف السلفاناميد دون أن يدركوا أهميته العلمية.

كان ذلك بين عامي ١٩٠٨ و ١٩١٨ ، وكانوا خليطا من البحاثين الأمريكيين والألمانيين أجروا تجاربهم على الحيوانات وعلى الجراثيم خارج الجسم ، فلم يصلوا إلي نتائج مشجعة ، فتركوا خميرة أبحاثهم وديعة في أيدى من جاءوا بعدهم وكان لهم الحظ في إتمام الرسالة .

وقد استنبط الباحثون حوالى ألف مركب من هذه السلسلة ، ولكن التي أخرجت للناس بلسما وشفاء حفنة قليلة لا تتعدي عدد الأصابع ، فهناك السلفانيلاميد وهو أكثر مفعولا في الإصابات المسببة عن الميكروب السبحى ( الستربتوكوك ) والقولونبي ، وبفضله انخفضت نسبة الوفيات من حمى النفاس إلي ٥ / أو أقل ، وكانت قبلا لا تقل عن ٢٥ % ، واستعمل بنجاح كبير في علاج الحمرة  والتهاب اللوزتين الحاد ومضاعفات الحصبة والحمى القرمزية كالتهاب الأذن والالتهابات الرئوية الحادة .

أما السلفابيريدين ( الداجينان أو م _ ب _693 ) ، فقد أحدثت انقلابا كبيرا في علاج الالتهاب الرئوي والسيلان الحاد والحمي المخية الشوكية . وللسلفاتيازول ( والسيترول أحد مستحضراته المعروفة ) علاوة على ما سبق

أهمية خاصة في التغلب على الالتهابات الناتجة عن الميكروب العنقودي ( الستافيلوكوك ) . وأخذت المشتقات تزداد نقاوة وتقوي في مفعولها ، فظهر السلفاديازين والسلفاميرازين ، ووجدت الدوسنطاريا الباسيلية لها نصبيا من أسلاب المعركة فجاء السفاجوانيدين وفتح فتحا جديدا في علاج هذا المرض والتخفيف من آلامه الحادة ، ولا يزال الدياسون في طور التجربة كعلاج للسل الرئوي

ولا يخلو تعاطي هذه الأدوية من أخطار ومضاعفات ، بعضها خطير والبعض الآخر بسيط ، لا يلبث أن يزول بإيقاف الدواء . ومن النوع الأخير أذكر القىء والغثيان والصداع والدوار وطنين الأذنين وفقد الشهية ، وكلها أعراض طارئة يتحملها المريض بصبر في سبيل الوصول إلي بر السلامة . أما المضاعفات الشديدة ، فقد تطوي المريض طيا ، فإذا به بين عشية وضحاها يعالج السكرات بعد أن لم يكن يشكو إلا من داء خفيف ، دعاه حب الاستطلاع أن يعالجه بأحد مستحضرات السلفاناميد التي طالما سمع عنها وعن مفعولها العجيب . ومن أهم هذه المضاعفات نوع من فقر الدم الحاد تهوي بسببه كريات الدم الحمراء من مستواها العالي البالغ حوالي خمسة ملايين في المليمتر المكعب إلي نحو مليون أو أقل في ساعات أو أيام ، فتنتاب المريض صفرة مخيفة قد تعقبها صفرة الموت ما لم يسعف بعملية نقل الدم ، وهي عملية باهظة التكاليف ولا تخلو من مخاطر . لذلك نري - إذا تمسكنا بالسليم الصحيح من القواعد الفنية العلمية - أن تحليل دم المريض كل يومين على الأقل ضروري أثناء تعاطي هذا الدواء . فإذا لاحظنا أن عدد الكريات الحمراء ونسبة الهيموجلوبين آخذان في النقصان ، أو أن عدد الكريات البيضاء يهبط من مستواه الطبيعي وهو ثمانية آلاف في المليمتر المكعب إلي أربعة آلاف أو أقل ، وجب إيقاف تعاطي الدواء في الحال . وبذلك نستدرك الخطر قبل استفحاله . وغالبا

يكفي هذا الإجراء البسيط في تفادي حدوث فقر الدم الحاد المخيف . أما إذا انحدرت الحالة إلى أسوأ فلا بد من إجراء عملية نقل الدم .

ويجب كذلك أن نلاحظ كمية البول ، وخاصة إذا كان المريض يتعاطي الداجينان او السلفاتيازول او السيبازول ، لأن هذه المركبات ترسب في الكليتين على شكل بلورات دقيقة مدبية ذات اطراف حادة ، كأنها أسنة الحراب تجرح المجاري البولية فتدميها ويتبول المريض دما . او تتحد وتتجمع على هيئة حصوات صغيرة تسد مسالك البول فيقف إفرازه ويقاسي المريض اهوالا ، ويظل مصيره معلقا في ميزان القدر حتي يدركه لطف الله .

وهناك ظاهرة لا تخلو من طرافة ، إذ يحدث أحيانا ان تنتاب المريض زرقة في الوجه والاطراف ، وخاصة في حالات تسمم السلفانيلاميد (كالبرونتوزيل والسلفانا ) ويزعج هذا الحادث المريض ومن حوله ، ولكنه ينتهي دائما بسلام . ومنشأ هذه الزرقة حدوث تحول في صبغة الهيموجلوبين إلى السلفاهيموجلوبين أو المهيموجلوبين . ومن هنا نشأ الاعتقاد السائد بوجوب عدم إعطاء المريض أى غذاء أو دواء يحتوي على عنصر الكبريت كالبيض أو البصل أو سلفات الصودا أو سلفات المانيزيا أثناء تعاطي أحد مستحضرات السلفاناناميد . ولكن حتى هذا الاحتياط أصبح مشكوكا في فائدته كواق من حدوث المضاعفات .

وقد تسبب هذه المستحضرات طفحا جلديا يشبه طفح الحصبة ، وتنتج عنه اغلاط في التشخيص او قد تؤدي إلى استمرار ارتفاع الحرارة حتى بعد شفاء المرض الأصلي الذي أعطي الدواء من أجله . ولا تهبط الحرارة إلى مستواها الطبيعي إلا بعد إيقاف الدواء .

ومن هذا نري أنه لكي تتم الفائدة المرجوة من هذه

المستحضرات لابد من بعض احتياطات لا اري بأسا من  ذكرها وهي :

أولا - يجب تجنب المواد التي تحوي عنصر الكبريت مثل البيض والبصل وشربة السلفات ، وإذا اراد المريض ان يأخذ ملينا فأحسنها زيت البرافين وزيت الخروع والكسكرة وملح الفواكه.

ثانيا - يجب ان يتناول المريض السوائل بكثرة حتى يقل تأثير الدواء على الكليتين كما تجب ملاحظة

كمية البول يوميا فإذا وجدناها آخذة في النقصان أوقفنا الدواء في الحال .

ثالثا _ يجب ألا يستمر إعطاء الدواء أكثر من اسبوع يوقف بعده او يعطي تحت إشراف طبي دقيق . هذه بعض ألاعيب ساحر القرن العشرين ، أردت بذكرها ان أحذر الكبير والصغير من لعبة سامة في صيدلية المنزل .

اشترك في نشرتنا البريدية