لم يظهر القمر فى تلك الليلة ، فقد أخفته سحابة داكنة جاءت من بلاد بعيدة ، فحجبت ضوءه وحرمت الأعراب من نعمة ذلك النور الشقوق الذى اعتاد أن يرسله إلى الخيام فيظهر بياضها الناصع ويبعث الأنس فى قلوب الغادين إليها من مختلف الأمجاد . وفرح الأعراب بهده السحابة الداكنة ، شأنهم دائما فى تلك الحالات ، وأحسوا بأن خيرا كثيرا يوشك أن يعمهم وان شرا كبيرا يوشك أن ينقشع عنهم . فقد أحزنتهم تلك الفتنة التى كادت تقع بين قبيلتين من أكبر قبائل البدو فى ذلك الجزء البعيد الأمن من جزيرة العرب ، أحزنتهم إلى حد أن اقتلت من نفوسهم معالم الرضا وعمت من قلوبهم طعوم البهجة ، وقضت عليهم بحياة رتيبة خالية من معانى الفرح والسرور . وما من شئ يحزن أبناء البدو قدر ما تحزنهم الحياة الرئيسية الخالية من دواعى البهجة والأنس ، وما من شئ يسوءهم قدر ما يسوءهم الحرمان من تلك السهرة البريئة الممتعة التى يجتمع فيها الشبان والشابات والكهول حول النار يتسامرون ويلهون إلى أن يطرق مسامعهم أذان الديكة فينصرفون وهم أشد ما يكونون ألما للفراق ، وأقوي ما يكونون أملا فى عودة اللقاء إذا ما أقبل الليل من اليوم التالي . ففي ذلك المجتمع الساذج وحول تلك النار المشتعلة ينفض أبناء الصحراء عن أكتافهم هموما لم يعرفها أبناء المدينة ، وينفثون متاعب الرحلة والرعي والسعى الحثيث إلى لقمة العيش ، ويلقون مع الحطب بأعباء الحياة التى لا تنى عن تهديدهم والإثقال عليهم . فإذا حرمتهم من تلك السهرة وحكمت عليهم بالابتعاد عن تلك الندوة ، كما حصل فى تلك الأيام التى أوشكت الفتنة أن تقع إبانها ، فقد حرمتهم من كل معانى الفرح وحكمت عليهم أن يظلوا بالهموم على أكتافهم وبالمتاعب فى صدورهم وبالأعباء فوق هاماتهم .
وكانت الريح شديدة والجو عاصفا ، ولكنهم لم يفرحوا
لشئ وهم منطوون فى خيامهم قدر ما فرحوا لهذا الصدى الذى امتزج بصرصرة الريح وبصفير العواصف وهو يعلن إليهم خافتا مرة ، واضحا مرة أخرى ، أن الزياد بن سليمان قد هبط إلى الحى منذ الليلة ليفصل فى دواعى الفتنة التى أوشكت أن تقع بين أبناء هذا الوادى الذى رفرفت عليه المحبة جيلين متوالىين وزانته الأخوة والألفة منذ زمن غابر فلم تعرف لهم خصومة ولم تؤثر لهم ضغينة ، ولم ينشأ الفتى والفتاة منهم إلا على المحبة والوئام . ولعل ذلك كله قد ساعدهم - كما يقول المؤرخون - على أن يتعهدوا كلا من بناتهم وأولادهم بالرعاية الحسنة والتربية الفاضلة ، وأن يسعوا بهم إلى العلم والمعرفة ما وسعهم ذلك ، وأن يهيئوا لبناتهم من بارا عليهن فى خدورهن أبواب الأدب المأثور والحكم المروية ، وان يدبروا لهن من ينشدهن الشعر ويحكى لهن الأقاصيص ويشرح لهن أصول دينهن الحنيف . والزياد بن سليمان رجل حكيم واسع المعرفة ، اشتهر بين القبائل بحبه للخير وإقباله على النصح ، وشخصيته الأليفة المحببة التى تجمع بين الصرامة فى نصرة الحق والعدالة فى الحكم بين الناس والظرف فى مجالسة الصغار والكبار . ولم يكن الناس فى هذا الرهط قد أحسوا بمقدمه لأنه لم يعتد الإعلان عن نفسه ، ولأنهم لو عرفوا بأنه قد حل منهم ضيفا لاعتبطوا من أجله التوق ونحروا لمقدمه النجاح وسارعوا إلى خدمته وتحيته ، ولم يمنعهم عن ذلك ريح صرصر أو سحاب معتم . ولكنه كان حريصا على ألا يشعر الناس بأنه قد نزل فيهم ضيفا ، واعتاد ألا يأكل شيئا أو يشرب شيئا عند قوم استقدموه للفصل فيما بينهم حتى يتسنى له أن يستخلص الحق من أفواههم وأن يتبين مواضع الظلم فى أعمالهم وأن يستقرئ حكمه البريء الخالص فيما نشب بينهم .
وكان الليل طويلا من شدة ما صار يتعجلها القوم بالرواح ؛ فبعضهم من الشيوخ يريد أن يقدم على الزياد فيؤدى له التحية
الواجبة ، وقد خشى أن يزعجه بالزيارة أثناء الليل بعد ذلك السفر الطويل ، وبعضهم من الرجال والشبان يود لو حظى بلقاء ذلك الرجل المشهور بالبركة ، وقد مضى وقت بعيد على زيارته لأرضهم ونزوله فيهم ، أما الصبيان فلعل هذه هى المرة الأولى التى ستقع أعينهم عليه وتتطهر نفوسهم بقبلة يطبعها على جبينهم وقبلة يطبعونها على يديه .
واستيقظت الشمس فى الصباح متعثرة تريد أن تشق لها طريقا وسط السحاب إلى ذلك الوادى الغريب ، ولم يكد أذان الظهر يعان على الناس حتى كانت قد توسطت السماء وانتصرت على هذه السحب المتراكة فأقلتها إلى جانب الجبل . وامتزج الدعاء عقب الصلاة التى أتها الزياد بدموع المصلين وجلسوا بعد ذلك بين يديه وكلهم خاشع راهب يتمني لهذا الجو الثقيل أن يزول ولتلك المحنة البغضة أن تولى وصار الناس يتكاثرون حول الزياد ، وأخذت النساء تتوافد فتقبل يديه وتتراجع من ثم إلى ركن متأخر فتضع فيه . وأمر الزياد بإحضار أم عمر زوجة فاسط . فهب على التو شاب كان يجاوره فى المجلس وسار مسرعا حتى غاب بين الخيام . وعاد الفتى بعد قليل وهو مطاطئ الرأس ووقف بين يدي الزباد فسأله : ما الخبر ؟ قال الفتى : إنها لا تريد أن تحضر إلا إذا سمحت لها بأن تأتي بقاسط فى حاله ذاك الذي نعرفه قعرت الناس دهشة وسرت بينهم الكلمات مكتومة ، فلا هي معبرة عن الرضا ولا هى دالة على السخط ، وضحك الزياد بصوت عطوف رنان غلب على هذه الهمهمة السوداء التى شاعت بين الناس ، وقال للفتى : قل لها أن تحضر وهي حرة من أمرها .
ولم تمض غير دقائق حتى كانت أم عمر وزوجها فاسط فى وسط المجلس ، وكاد الضحك يغلب على القوم لولا جموح طبع ، ولولا سوء وقع النظر فى نفوسهم . . فما كان لرجالهم أن يقبلوا هذه الأوضاع وما اعتادوا أن يروا الرجل في بيته إلا ربا وسيدا . . فهذه أجيال العرب كلها تشهد بأن المرأة لم تكن يوما قادرة على أن تواجه بعلها أو بنى حولتها مواجهة الأنداد ، فضلا عن أن تسودهم وتعلو عليهم وتسخر منهم . فإذا يزوجة فاسط تخرج على هذه السنن الموروثة ، وإذا بها تتمرد على طبيعة الحياة عندهم ، وترفض
أن تكون عبدة ذليلة لفاسط ، وتثور فى وجه مجتمع بأسره جرت فيه هذه الأمور مجري العادة وخضعت شئون معاشهم لها خضوعا تاما . . وأغلب الظن انهم ما صاروا يشعرون بأن هذه الأمور لها ضرورة أو أنها تسرى عليهم رغم أنوفهم ، وإنما هى فى عرفهم طباع تحفظ لهم الكرامة وتحقق لهم الراحة ، وتحمي ظهورهم من الخزى والمعابة .
وتجهم وجه الزياد . . وكيف لا يتجهم ، وقد كاد ألا يصدق ما تشهده عيناه ، فقد تقدمت إليه أم عمر فى غير ما اعتاد النساء هنالك من الحياء والحفر ، وكشفت عن وجهها وذراعها وتهدل شعرها على جبينها ، وبدت كما لو كانت قد تصدت للأسد الضوارى منذ وقت قصير . أما هو ، أما قاسط ، فقد كان مشهده يبعث على الضحك قبل أن يبعث على الأسى ، وكان منظره يدفع إلى السخرية قبل أن يدفع إلى الأسف . . كان مسحوبا من حبل غليظ شدته أم عمر إلى كتفيه بعد أن أوثقت يديه ورجليه . وكان رأسه عاريا وساقه مكشوفة وعيناه جاحظنين وقد اغرورقنا بالدموع . وكان قاسط فى الحلقة الخامسة من عمره ، بينما تمتعت أم عمر بشباب لم تندنر معامله بعد ولم تغب عن وجهها دلائل البأس والحصافة ، وكان مرآها يشيع فى النفس لونا من الإعجاب والحب والخوف جميعا .
وكاد الغضب لمشهد فاسط يوقع فتنتة بين الجالسين لولا أن ارتفع صوت الزياد : أقبلى يا ابنتى أقبلى فلن يتدخل أحد فيما تعنين به قبل أن نسمع ونعرف . فاطمأنت قليلا وأغمدت سكينا كان بيدها اليمنى وأقبلت على يد الشيخ تبلله بدموعها وتمسحه بشعرها وتغمره بقبلانها ، وتراجعت بعد أن رفعت رأسيا بهدوء وبدأت تقول : إنك يا سيدي تعلم من أمر هذا الرهط الشئ الكثير ، وأن أسرد لك أقوالا تبرر مسلكى بقدر ما سوف أعنى بأن ألفت نظر قومى إلى أشياء غابت عنهم لطول ما عهدوا من البلادة والخمول فى حياتهم . ليس قاسط من قبيلتى ولكنه من قبيلة أخرى شاركت قبيلتنا الحياة فى هذا الوادى دون أن تتفق معها فى الصفات والعادات وإن اتفقت معها في كرم الأصل وجمال الطبع .
قال الزياد : إننا نعلم بذلك ، ولكن ماذا تراه دهاك حتى يقع بينكما ما وقع ؟
قالت أم عمر : لم يقع بيننا ما يسوء المرأة ، ولكن وقع بيننا ما يحدث الكرامة وبذل العتق .
قال الزياد : إذا هات .
قالت أم عمر : كان فاسط راعيا فلم يشارك فى تجارة ولم يسع إلى رزق من غير طريق الرحى ، ورزقه الله منى بأولاد وبنات لم يئن الوقت جسد لرحلتهم فى سبيل الرزق ولم يشبوا عن الطوق . فهم يمرحون بجانب أبيهم وهو بسبيل الرعي ، أو يجلسون بين يدي ، وأنا أعد العجين وأنفخ فى النار .
قال الزياد : فمن أين أنا كم السوء ؟
قالت أم عمر : أتانا من حيث لا يخطر على بال واحد من أبناء بعولتنا . . أتانا من هذا الضمير الحى فى أبداننا . . أتانا من الروح التواقة إلى الكرامة فينا . . إن بنات حينا جميعا قد تربين فى ظل الحياة الكريمة وبلغن من الثقافة حدا يجعلهن قادرات على معرفة أشياء غابت عن الكثيرين فى معاشنا المحدود بهذه البقعة من الأرض .
قال الزياد : فما أوحشك من معاملة قاسط ؟
قالت والدمع يجرى فى مقلتيها : لقد كان يعامل أهل بيته كما يعامل النعاج التى يرعاها فوق سفح الحبل .
وهنا ضحك الجمع الحاضر ضحكا مرتفعا وشهقت أم عمر بالبكاء ، وابتسم الزياد ابتسامة طويلة غائبها بصعوبة . وتهامست النساء والشابات همسا رقيقا يوشك أن يحدث نغما .
قال الزياد : أو هذا ما يضجرك يا أم عمر ؟
قالت أم عمر : نعم . . فما كان لمثلنا من بنات الحى أن يساوين النعاج .
قال الزياد : وكيف عرفت ذلك ؟
قالت أم عمر : عرفته من هذه العصا التى طالما ألهبت ظهور النعاج وهو يسوقها إلى الرعى الخصب ، وعرفته من تلك اللعنات التى كان يصدرها من فيه كلما باعدت النعاج عن عيون الماء . فلا يكاد يعود إلى البيت حتى ينظر إلى وإلى بيته نفس النظرة وحتى يلهو بنا ويصرخ فينا ، شأنه تماما فى رعاية النعاج ، فإلى أى ساعة من العمر ترانى ساظل فى بيته
نعجة ، ومتى أشعر بين يديه أننى إنسانة لها كرامة يجب أن تحفظ ولها مشاعي يجب أن تعرف ولها عقل وروح تمتاز به على هذه النعاج . . متى يفرق زوجى بينى وبين الأرزاق ومتى يدرك هذا الفاصل بين الأشياء التى يبيع فيها ويشترى وبين أشياء لا تباع ولا تشترآ ؟ متى يعرف إذا ما حلت الظهيرة أن وقت سوق النعاج قد آذن على القوات وأن وقت الرعاية والمعاطفة والرفق قد جاء ؟
قال الزياد : أو هذا يسول لك أن تفعلى بالرجل كما فعلت ؟
قالت أم عمر : نعم ، فإن حق فى أن أعيش يقابله حقه فى أن يعيش . فإما هو وإما أنا . .
قال الزياد : أنسيت أن المرأة عندنا رزق يبتغى كما تبتغي النعاج والتوق ؟
قالت أم عمر : فقد آن لها إذا ألا يحتفيها راع ظلوم . قال الزياد : وماذا تسوين من ظلمه ؟
قالت أم عمر : هذا الليل يحرمنى من السمر فيه مع بقية بنات الحى بدعوى أن السهر يجلب الضمور . . هذه الكلاب قد أقامها حول البيت ليذود عنى مطامع الفتيان . . هذا الرزق الضئيل الذى يأتينى به وهو يظن أن النعاج لا تحتاج لأكثر من حفنة من الشعير .
قال الزياد : كلنا يحتمل إذا ما نزلت به الشدائد وكلنا يعود نفسه على البأس إذا ما اضطرتنا الظروف .
قالت أم عمر : فما بالك بالشدائد التى لا تنقشع وما بالك بالظروف السيئة التى لا تزول . ما ظنك بليل ليس له صبح وضيق ما له فرج ، وحياة بغير يوم آخر . .
قال الزياد : لعله فقير بائس ولا يملك لك حياة غير هذه الحياة ؟
قالت أم عمر : بل يملك أن يتحرر من حرفة الرعى هذه وأن يشق لنفسه طريقا إلى الرزق . . وأن يدع لى حرية الحياة مع بنات الحى وان أضرب مع الضاربات وألهو مع اللاهيات . . فأتنفس من الهواء الطلق خارج الدار وأعيش مع الناس بإرادتي لا بإرادته ، وأعرف لي حدودا غير هذه الحدود المحصورة بنباح الكلاب .
قال الزياد : لك بعض الحق فيما تزعمين ، ولكننا
لم تألف شيئا اسمه الحرية ولم تعرف لها نقيضا .
قالت أم عمر : فقد آن لكم إذا عرفاته وعرفانها . . لقد عرفت سوق النعاج وذلك عرفت غيره ، وعرفت حياة الدل فاستيقظ فى خاطرى مدلول الكرامة ، واندلعت نار الحرمان فى كيانى بأكمله، وويل لمن يطفئها دون أن يهني ماء العزة ويضمن لي غذاء الروح والبدن جميعا .
وتبادل القوم نظرات غريبة فيما بينهم ، وضحك بعضهم ؟ وأحس الزياد بن سليمان أنه لم يأت لمثل هذا ، وانه لم يقبل لفرض من هذا النوع العجيب . . فما حكم يوما فى قضايا " للروح " قبل اليوم وما اعتاد أن يفصل فى هذه الخلافات التى تنشأ عن مزاج ورغبة ، ولا كان فى ظنه أنه سيواجه بمثل هذا الإشكال . وأقبلت أم عمر على زوجها تفك وثاقه وتحل أوهاقه وتساعده على أن يقف على رجليه
وسط الناس . ثم حدث ما لم يكن فى حسبان أحد . . إذ أكبت أم عمر عند قدمى زوجها قاسط تبلل قدميه الحافيتين بدموعها ورضابها وتقول : إغمر لى يا قاسط . . إغفر لى ما صنعته بك فقد كانت تارمك هذه الهزة الشديدة حتى تفيق نفسك وتعرف أن زوجتك الوفية أم عمر لا تساق سوق النعاج .
وهب الرجال واقفين وفى عيونهم الدمع حائر وفى وجوههم البشر ظاهر ؛ أما النساء والبنات فقد صرن يزغردن ويغنين . وأقبل الجميع على قاسط وزوجته يدعون ويهللون ويكبرون . . وفى وسط هذا الهرج والمرج ارتفع صوت الزياد : هذه الفئة التى أوشكت أن يتدلع لهبها بين القبائل لا تحتاج إلى قاض يحكم وإنما تريد أذنا تصغى ونفوسا تعتبر . إنما قضيتكم للعبرة والعظة ، وليست قضية للاحتكام .

