الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 50 الرجوع إلى "الثقافة"

سياسة الحياد !

Share

خاضت غمار الحرب دول ، وآثرت الأخرى أن تلتزم الحياد . لكن قليلا من التفكير يرينا أن ظاهرة الحياد هذه ليست بالأمر البسيط ، بل هى ظاهرة شديدة التعقيد . فحياد سويسره غير حياد إيطاليا ؛ وبريطانيا محايدة بالنسبة إلى روسيا وفنلنده ؛ ومحاربة بالنسبة إلى ألمانيا . ويوشك أن يكون حياد كل دولة نوعا خاصا بها . ولهذا جاز لنا اليوم أن نقف لحظة لننظر إلى ظاهرة الحياد هذه ، وكيف تأثرت فى كل قطر بمؤثرات صاغتها صياغة خاصة ، وألبستها ثوبا ممتازا . بحيث أصبحنا اليوم وليس أمامنا لون بل ألوان من الحياد .

ازدادت ويلات الحرب أضعافا مضاعفة بفضل مبتكرات التدمير الحديثة ، فخافت دول على شعوبها أن

تنالها الحرب بالويل والخراب ، فظنت أن موقف الحياد سيعصمها ، ويدرأ عنها كل شر ، فأهملت وسائل الاحتياط ولم تدخر للحرب عدة . وبلغ الأمر بواحدة منها - وهى دانمارك - أن تجردت من السلاح تماما ، وظلت مجردة منه إلى آخر عام ١٩٣٦ .

وكثير من هذه الدول كان مؤمنا بأن حروب أوربا ستكون دائما حروب الدول الكبرى ، وأنه لن يكون لها فيها " ناقة ولا جمل " . وأن من الخيانة لشعوبها أن تزج بهم فى حروب لا تعنيها من قريب ولا من بعيد ... وأن العقل والوطنية يقضيان عليها أن تقف بمعزل عن تلك المنازعات المدمرة المخربة ... وكان بعضها - بل كلها - يهمس أحيانا بأن فى موقف الحياد ربحا طائلا وغنما عظيما

للمحايد ، الذى يبيع للمتحاربين سلعا وتجارة تدر عليه الربح الوفير والكسب الكثير ( ومصائب قوم عند قوم فوائد ! ) إذن فالخير كل الخير فى الحياد ؛ فهو السبيل إلى السلامة من ناحية ، والربح الجزيل من ناحية أخرى .

وفى نفوس أكثر هذه الدول أن هذا الحياد سيحترم ، ولن يعتدى عليه اعتداء صارخا . ولهذا لم يحاول إلا القليل منها أن يعد للدفاع عن هذا الحياد عدته المادية والسياسية .

وجارات روسيا بوجه عام ، ودول البلطيق بوجه خاص أهملت فى اتخاذ عدة الحرب إهمالا شديدا . وربما كان لها فى هذا بعض العذر ؛ لأن روسيا البلشفية كانت تمشى فى طريق ظاهرها المسالمة والموادعة ، وإظهار الصداقة ، و " عدم الاعتداء " لجاراتها ؛ وانتهى بها الأمر إلى الانضواء تحت راية عصبة الأمم لكى تثبت أنها حمل وديع كسائر الحملان الودعاء !

وقد أثرت سياسة الحياد هذه حتى فى بولونيا ، التى خيل لساستها أن من الظلم لشعبها أن يخدم المصالح الفرنسية بمعاداة ألمانيا ، فعقدت معها معاهدة ومع روسيا معاهدة .

وظلت فى موقفها هذا حتى بعد يوم " مونيخ " الشهير ؛ ولم تحاول أن تبدل منه إلا بعد أن أعلنت ألمانيا حمايتها على بوهيميا فى شهر مارس الماضى .

إذا أردنا أن نعرض لحياد المحايدين ، ومظاهره التى تختلف فى كل قطر عنها فى قطر آخر ، وجب علينا أولا أن نفرق بين حياد الدول الصغيرة ، وحياد الدول الكبيرة . وقد طالما رددنا فى هذه الصفحات أن الكتاب قد اصطلحوا على هذا التمييز بين الدول ، وعلى أن الدول الكبرى سبع لا ثامن لها : وهى اليابان ، وأمريكا ( الولايات المتحدة ) ، وروسيا ، وألمانيا ، وفرنسا ، وبريطانيا ، وإيطاليا . هذه الفكرة تستند من غير شك إلى حقائق لا مجال لانكارها ، وهى تمثل لنا ظاهرة لعلها أهم الظاهرات السياسية فى وقتنا هذا . ويجب

ألا ننسى أن حياد الصغير صغير مثله ؛ فلنبدأ حديثنا بالكلام على حياد الدول الأربع الكبرى .

حياد روسيا : أعلنت روسيا حيادها عند بدء الحرب ، وحشدت جيشا عرمرما ، قوامه أربعة ملايين من الجند ! فأما موقف الحياد ، فقيل فى تفسيره إنه يعبر عن رغبة روسيا فى أن يضعف القتال من قوة الفريقين المتحاربين ، وهو ما تتمناه روسيا ؛ ولئن كان أحد الفريقين أضعف من الآخر ، فلا بد من مساعدته ومناصرته جهد الطاقة ، حتى يستطيع المقاومة زمنا طويلا ، وبهذا تطول الحرب وتشتد . أما الجيش العظيم الذى حشد ، فلكى تمضى به روسيا سياسة جديدة ، ترمى إلى انتهاز الفرصة السانحة اليوم لاسترداد الأقطار التى كانت من قبل جزءا من دولة روسيا ؛ وهكذا أخذت تبسط يدها على دول البحر البلطى ، وشنت الحرب على فنلندة ، وفى جعبتها من غير شك سهام أخرى لأغراض أخر سيكشف عنها المستقبل القريب .

فالحياد الروسى إذن حياد بالنسبة للحرب الكبرى ، مشرب بروح المساعدة لألمانيا ، والتنكر لفرنسا وبريطانيا ، وهو حياد مصحوب بالضغط على الدول الصغيرة وإرهابها ، والاعتداء عليها .

بريطانيا وفرنسا : لم تعلن الدولتان الغربيتان الحرب على روسيا لاعتدائها على بولندة ، أو لاعتدائها على فنلندة ؛ ولا يعبر هذا الموقف السلبى عن عدم اكتراث كل من الدولتين لمصير بولندة أو فنلندة ، ولكن الدافع إليه فيما يظهر أن ليس من الحزم فى الوقت الحاضر أن تتسع دائرة الحرب والعدوان من غير جدوى ؛ فان موقع الدولة الروسية من المنعة بحيث لا يكون من السهل مصارحتها العداء . ولئن تناول العدوان الروسى تركيا أو دول البلقان ، فقد يكون للدول الغربية إزاءها موقف غير هذا الموقف .

حياد ايطاليا : دهش الناس حين أعلنت إيطاليا أنها لن تدخل الحرب إلا إذا اعتدى عليها ؛ فقد كان لمحور برلين وروما من مظهر القوة ، ما يبعث على اليقين بأن إيطاليا واقفة حتما إلى جانب حليفتها ؛ ولهذا كثر التساؤل : أليس من الجائز أن موقف الحياد هذا قد أتخذته إيطاليا حرصا على مصلحة ألمانيا ؟ ومن الغريب أن كثيرا من الناس قد اعتقدوا صحة هذا الرأى ، مع ما فيه من الحط من قيمة إيطاليا الحربية ، ومن اعترافها بأنها لن تستطيع الثبات أمام الجنود الفرنسية . .

على أن الناس قد نبذوا هذا الرأى بالتدريج ؛ وقيل فى تعليل حياد إيطاليا أقوال منها أن إيطاليا لم تكن بعد مستعدة لحرب عنيفة طويلة ؛ ومنها أن إيطاليا كانت تعطف حقا على بولونيا ، ولم تكن راضية كل الرضى عن الإغارة عليها ؛ ومنها أن تحالف ألمانيا وروسيا قد أضعف من تحمس  إيطاليا ، وحملها على أن تتريث حتى ترى عواقب هذا التحالف . وقد حاولت حكومة إيطاليا ألا تظهر عطفا شديدا على أحد الفريقين المتحاربين ، فلم تقل كلمة تنصر بها ألمانيا ، أو تحط بها من شأن الدول الغربية . ولم يظهر أى أثر إيجابى يشم منه أن محور برلين روما قد تلاشى أو ضعف ؛ اللهم إلا فى هذه الإيام الأخيرة ؛ فإن حكومة روما سمحت لشعبها أن يبدى نفوره من خطة روسيا فى فنلنده ، مع أن ألمانيا أظهرت عطفها الرسمى على هذه الخطة .

فحياد إيطاليا إذن فى جملته حياد صحيح المظهر ، لا يشوبه عطف شديد على ألمانيا ، ولا نفور شديد من فرنسا وبريطانيا ، ولكنه مشفوع بشئ كثير من سوء الظن بروسيا وسياستها . وإذا أتخذ هذا الحياد صورة عدوانية ، فالأقرب إلى العقل اليوم أن تتغلب فيه هذه النزعة العدائية لروسيا ، رغم ما تسمع احيانا من الصيحات الخاصة بتونس وقناة السويس وجيبوتى . وهى صيحات لابد من الاعتراف بأنها خفت قليلا عما كانت عليه من قبل .

حياد الولايات الأمريكية المتحدة: فى الولايات المتحدة الأمريكية وسائل غير رسمية تتبع أحيانا لاستطلاع اتجاهات الرأى العام من آن لآن. وقبيل هذه الحرب بأسابيع أظهرت هذه الاستفتاءات أن نصف سكان الولايات تقريبا ينادى بأن تقف أمريكا إلى جانب الدول الديمقراطية فى حربها مع ألمانيا . غير أن النصف الآخر كانت له الغلبة ، واكتفت أمريكا بأن تمد الحليفتين القريبتين بالمساعدة المادية والأدمية . حقا أنها اليوم تتقاضى ثمن كل سلعة تقدمها لبريطانيا أو فرنسا ؛ غير أنه ما من شك فى أنها ستمضى فى هذه المساعدة إلى أبعد مدى ، وإذا طال أمد الحرب فانها قد تفسح للحلفاء فى أمر الدفع ما وسعها ذلك .

فحياد  الولايات المتحدة بالنسبة لدول الغرب ، يشبه حياد روسيا بالنسبة إلى ألمانيا . أى حياد مشرب بروح العطف الشديد على الدول الديمقراطية ؛ وقد ازداد هذا العطف أخيرا حين اعتدت روسيا على استقلال فنلنده ، حتى أوشك هذا الحادث أن يؤدى إلى قطع العلاقات السياسية بين الدولتين .

حياد  اليابان : لم يبد من ساسة اليابان اهتمام بشئون أوربا ومشاكلها فى يوم من الأيام ، وشغلهم الشاغل شئون الشرق الأقصى ، حيث الحرب الصينية تدور رحاها أكثر من عامين . ولئن كانت اليابان غاضبة على بريطانيا لسياستها الصينية ، فليس هنالك ما يبعثها على الرضى عن روسيا وسياستها الصينية ؛ ولهذا ليس فى الجو اليوم دليل يستحق الذكر ، بأن اليابان ستميل فى وقت قريب إلى أحد الفريقين وتؤثره بالمعاونة والمساعدة .

حياد الدول الصغيرة : نلتفت الآن إلى حياد الدول الصغيرة ؛ وهذه تنقسم إلى مجموعات ، بعضها غير مرتبط بمعاهدة أو حلف مثل دويلات البحر البلطى ، وبعضها مرتبط بمحالفة ضعيفة ناقصة مثل دول البلقان ،

والبعض مثل دول اسكندناوة بينها تفاهم وتعاون يوشك أن يكون تحالفا . وبعضها منفرد بنفسه مثل سويسرة وبلجيكا وهولنده .

فأما سويسره فهى الدولة الوحيدة التى كان الحياد دائما شعارها المقدس ، لم تخرج عنه يوما قيد الشعرة . وقد بذلت دائما جهدا جبارا فى المحافظة على هذا الحياد ، وأنفقت فى سبيله من العدة والمال ما لا يقل عما تبذله الدول المحاربة . والحق أن حياد سويسره كان دائما ذا فائدة للمتحاربين ؛ ولعل أكثرهم ليس شديد الحرص على أن يغامر بخرق هذا الحياد ؛ فمن مصلحة الجميع أن تبقى هذه الجزيرة الآمنة المسالمة وسط هذا البحر الصاخب من الحرب والقتال .

أما هولنده وبلجيكا فحيادهما معرض تعرضا شديدا للعبث ، وللضغط الشديد من المتحاربين ، ولقد رأيناهما فى المدة الأخيرة تحاولان التفاهم على خطة مشتركة تسلكانها حالة الاعتداء على واحدة منهما ، ولكن هذا التفاهم إذا درأ عنهما بالأمس خطر الاغارة الصريحة ، فانه لم يدرأ عنهما الطائرات المحلقة تخترق جوهما . أو الغواصات والألغام تدمر سفنهما وتفتك برجالهما ، ولقد اختطف من أرض هولنده ثلاثة من الرجال ونقلوا عنوة إلى ألمانيا ، دون أن تستطيع حكومة هولنده أن تفعل شيئا سوى الاحتجاج الهادىء الرزين ؛ والحقيقة أن حياد كثير من المحايدين فى المدة الأخيرة لم يكن سوى سلسلة من الاحتجاجات الهادئة الفاترة القليلة الأثر .

أما دول اسكندناوة الأربع فقد اعتزمت الحياد منذ عهد بعيد ، ولكن مقدرتها على الدفاع عن هذا الحياد محدودة ؛ وليس من بينها دولة قد اتخذت للدفاع عن حيادها ما يتطلبه من العدة الحربية ؛ وقد اعتدت روسيا على فنلنده ، وربع سكانها من السويد ، فلم تر أحوج تبادر إلى نصرتها والوقوف إلى جانبها ؛ ولو شاءت ألمانيا أن تغير على دانماركه

فان هذه لن تستطيع للعدو دفعا ولاردا . ولعل خير ما يقال فى وصف حياد هذه الدول أنه حياد المستسلم للقضاء والقدر ، الذى ينتظر لعل عاصفة الحرب أن تتجنبه ، فينجو من شرها ، لا بفضل سياسة حكيمة قد اتبعها أو عدة حربية أعدها ، بل لأن المحاربين قد آثروا أن يبقوا عليه ويتجنبوه .

ودول البلقان هى أيضا متمسكة بالحياد وهى عالمة علم اليقين أنها لن تترك لشأنها ولحيادها ، ولكنها مشغولة بخصوماتها الصغيرة ، وما بينها من ثأر قديم ، وحزازات فى النفوس ، تشغلها عن التفكير فى ذلك الحياد وما يتطلبه من وسائل للدفاع عنه ؛ ولو أن هذه الدول تعقل ما لهذا الحياد من الخطر فى حياتها وما يستدعيه من التضافر والتعاون المؤقت لنحت خصوماتها جانبا ، وضحت ببعض مصالحها مؤقتا للدفاع عن هذا الحياد الثمين .

هذا العرض السريع لموقف الحياد فى مختلف الأقطار ، يرينا فى وضوح أن الحياد الصحيح قليل نادر ، وتوشك سويسره أن تكون الدولة الوحيدة التى عرفت قيمة الحياد واستمسكت به ، وأعدت للدفاع عنه عدة قوية . أما سائر المحايدين فحيادهم مشرب بالعطف على أحد الفريقين ، أو حياد المغلوب على أمره ، المعرض فى كل لحظة لأن يغار على أرضه ، وأن تخترق حرمة حياده . ومن المآسى العجيبة ما نراه اليوم من انتظار الدول الصغيرة ، حتى يأتى دور كل منها فتتعرض لأشد ضروب الذل والعدوان . فاما أن تذعن صاغرة للمحارب القوى ، أو تتعرض لحرب طاحنة ضروس .

ليس من شك فى أن هذه الدول يوم اعتنقت سياسة الحياد ، لم تكن تحسب أنها ستكون عرضة لكل هذا الهوان ؛ ولو علمت لكان لها فى هذه الحرب شأن غير هذا الشأن ، وخطة سوى هذه الخطة .

اشترك في نشرتنا البريدية