أمرت يامولاي أن أكتب لك هذا الدستور فلم يسعني إلا أن أصدع بالأمر ، وكم كانت مهمتي يسيرة عند ما استلهمت سيرتك ، وتدبوت سياستك ، وأنت يا مولاي من أتاح الله تعالى له كل أسباب المجد ووسائل الخلود ، وقد أراد الله بهذه الدولة خيرا فنصبك عليها ملكا ، ولم يكن الملك عليك جديدا ، وجدودك يملكون العروش منذ عهد جدك العظيم افراسياب . وقد وهبك ربك من الصفات الجميلة والطلعة البهية ، والطبع المعتدل ، والعدل والشجاعة ، والعلم ، والشفقة والرحمة ، والوفاء والتمسك بالدين القويم ، وطاعة الله وتقدير العلماء وأهل الحكمة ، ما يجعل ملكك سعيدا قوي البنيان وارف الظلال .
والركن الأول في الحكم الصالح أن يكون الملك عادلا يامولاي ، وقد قيل : " الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم " ؟ فعلى الملك ان يرضي ربه في حكم رعيته . واعلم ان الملك الذي يستمد قوته وجاهه من حب شعبه له ، لهو صاحب العرش المكين . وقد حكى ان يوسف عليه السلام أوصي أن يدفن بجوار جده إبراهيم ، فلما مات هموا بدفنه حسب وصيته ، فنزل جبريل من السماء وقال : ليس هنا مكانه ، فان الله سوف يحاسبه عن حكمه يوم القيامة . فإذا كان هذا حال يوسف الصديق فكيف بالملوك من الناس ! وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ما معناه : إن الحاكم يحضر يوم القيامة وقد غلت يده في عنقه ، فإذا كان عادلا حلت عقدته وسار إلي الجنة ، وإذا كان ظالما ظلت عقدته مستحكمة والقي به في النار . وحكوا عن عبد الله
ابن عمر أنه حين اقتربت المنية من أبيه ، سأله متى يراه بعد موته ؟ فقال عمر : أراك يوم القيامة إن شاء الله . فقال عبد الله : وددت لو أراك قبل ذلك ! فقال عمر : إذا تراني في الحلم بعد ليلتين أو ثلاث من موتى . ومضت الليالي الثلاث ولم ير عبد الله أباه . وبعد اثني عشر عاما جاءه في المنام ، فسأله عبد الله الم تقل يا أبت إني أراك بعد ثلاث ليال من موتى ؟ فقال عمر : لم يتح إلي الوقت ياولدي ، فقد كنت أحاسب عن جسر تهدم أثناء فتح العراق ولم يصلحه العمال ، وقد عثرت به شاة فكسر ساقها ! فاعلم يامولاي أن الله محاسبك يوم القيامة عن حكمك الناس ، فعليك ألا تفوض أمر الرعية ، التي اختارك الله لرعايتها ، لغيرك . وعليك أن تعرف ما يجري بين الناس ، حكاما ومحكومين ، سرا وجهرا ، وان تضرب على يد المعتدين منهم ، وألا تظلم منهم أحدا . يرعاك ربك ويؤيدك ويسدد خطاك .
وإذا كان القضاء يصدر أحكامه باسمك لانك تستمد سلطتك من الله الذي هو العدل ، فعليك ان تكون على رأس القضاة . وان تعقد محكمتك مرتين في الأسبوع لتسمع شكاوي الرعية ، فتدفع الظلم عمن يتظلم ، ولكي يتم ذلك على الوجه الامثل ، ينبغى ان يستمع الملك بنفسه إلي الشاكين من رعيته ، وان ترفع إليه جميع التحقيقات الخاصة بالقضايا المعروضة ، فيدرسها بنفسه ، ثم يصدر الحكم الذي يري ، متبعا قواعد العدل والإنصاف . وكم يقل الظلم ، ويتضاءل النزاع ، إذا ما علم الكافة ان الملك يرأس محكمته الخاصة مرتين في الأسبوع لسماع المظالم والقضاء فيها بنفسه ، فان هذا يرجع المعتدي عن عدوانه كما يرد من غوي عن غيه . وقد كان ملوك الساسانيين يامولاي يحرصون على هذا التقليد اشد الحرص ، وكان الملك يأمر بفتح أبواب قصره في أيام معلومة ؛ ومن الجرائم
الكبيرة أن يمنع أحد رجال القصر متظلما من تقديم شكايته للملك في هذه الآيام . وقد سمعت ان ملكا منهم ، كان اصم ، وكان يخشى ألا ينقل إليه رجاله ظلمات الناس نقلا امينا فيحكم بينهم بغير العدل ، فأمر ان يلبس المتظلمون من الرعية ثيابا حمراء ، والا يلبث غيرهم ثيابا من هذا اللون ، وذلك ليعرفهم الملك ؟ فإذا كان يوم الفصل في الشكاوي امتطي فيلا ووقف في الميدان وجمع حوله ذوي الثياب الحمر ، ثم أخذهم فرادي في مكان قصى ، وأمر كلا منهم ان يرفع صوته عاليا حتى يسمع شكواه ، ويفصل في قضيته
ولم يقتصر الاكاسرة على هذا التقليد الحميد ، بل إنهم كانوا يخرجون إلي الميدان في عيدي النوروز والمهرجان في يومين منهما ، للفصل في القضايا والشكاوي . وكان المتظلمون من الملك أول من ينظر في أمرهم ، كان ينادي عليهم ، فإذا امتازوا عن الناس ، نزل كسري عن عرشه ، وسجد أمام كبير الموابذة وقال له : " إن الله قد وكل إليك أمانة الفصل بيني وبين خصمي في هذه القضية ، فإن أنت مالأتني عليه أرضيتني وأغضبت ربك . وإن أنت حكمت بيننا بالعدل أرضيته . فاعمل بما يجعلك أهلا لهذا الموقف العظيم " . فيجيبه كبير الموابذة - موبد موبدان - " إن الله إذا رضي عن أمة ولي عليها ملكا يعرف حق الشعب معرفتك إياه ، وإني حاكم بينكما بالعدل بإذن الله " ولم يكن كسري ليتواني عن إصلاح خطئه وتعويض خصمه إذا ظهر أن الحق بجانبه . وإذا فرغ الموبذ من قضايا المتظلمين من الملك ، نهض هذا واستوي على عرشه ، وأخذ في نظر الشكاوي من تصرفات الوزير وحكام الأقالم وسأحدثك عن هذا في فصل خاص يا مولاي . ثم ينظر في شكاوي الناس بعضهم من بعض . وعلي هذا النحو كان الأكاسرة يحرصون على نشر العدالة بين الناس ، وكذلك كانت سيرة أجدادك وأبائك بامولاي . ولعلك
قرأت فيما قرأت شيئا عن سيرة كسري أنو شروان وما يروي عن عدله ؛ وانا اذكرك بقصة رويتها لك من قبل في حياة والدك العظيم رحمه الله ، قصة أنو شروان الذي أمر بأن يوضع في غرفته الخاصة ناقوس ، وان يتصل بهذا الناقوس حبل طويل يوضع طرفه بجوار سور القصر ، وذلك ليشده من يتظلم في أي وقت يشاء فيدق الناقوس ، فإذا دق علم أنوشروان أن متظلما بالباب فأمر بإدخاله القصر في الحال . ودق الناقوس ذات يوم ، وخرج امناء القصر لاستصحاب الشاكي ، فإذا بحمار آجرب يحك جلده في الحدار ، ويمس جنبه الحبل فيدق الناقوس . فلما علم انشروان بهذا أمر بالتقصي لمعرفة صاحب الحمار ، فلما عرف اتوا به أمامه ، فأمره برعاية الحيوان الشاكي ! وليس في هذا مغالاة أو غلو يامولاي ، فإن الله نصب الملك على العرش ليرعي الناس وليوفر لهم أسباب السعادة والهناء ، فينشر العدل والرحمة بينهم .
ولينتبه الملك إلي تقلب الأيام وغدر الزمان . ألم تر إلي عمرو بن ليث الصفار ، وقد امتلأت بالمال خزائنه ، وقويت بالحدثش دولته ، فشق على خليفة الله عصا الطاعة ، ومضي في سياسة أخيه ، مؤثرا العدوان على الوئام ، والحرب على السلم ، وكلما حاول الخليفة ان يهدىء من ثورنه استغشي ثيابه واستكبر استكبارا ! ساق الجيوش الجرارة وأعمل في الناس المال الذي تفيض به الخزائن العامرة ، ومضي يقاتل امير المؤمنين الذي استنجد بإسماعيل الساماني ، فسار هذا لنصرته في جيش قل عدده وعدته . وشاء ربك ان تغلب قلة الساماني كثرة الصفاري ، وان يؤسر فلم ينفعه ماله الوفير ولا جنده الكثير . وقد كان عمرو ملكا مترفا ، يلتف حوله الكتاب والشعراء والعلماء ، وكانت مائدته تتسع لمئات منهم كل يوم ، وكان مطبخه يحمل على اربعمائة
جمل حين يرتحل ؛ فلما وقع في الأسر وعضه الجوع طلب من أحد الجنود أن يبحث له عما يسد به رمقه ، فسارع الجندي واشتري قليلا من اللحم واستعار موقدا ، وقبل ان يتم نضج اللحم اغرت رائحته كليا فأتي وكشف عن الإناء الغطاء ، ولما مد فمه ليأخذ منه قطعة أوذي بحرارته فجري وقد علق الإناء برقبته ؛ فلما رآه عمرو ندم وقال : أرأيت من أصبح أميرا وأمسى أسيرا ! فعلى الملك أن يتبصر لما تخبئه الأيام ، وان يعمل لغده كما يعمل ليومه ، وان ينظر إلي تاريخ الملوك ليتخذ منه العظة والعبرة . وقاك الله يا مولاي شر الزمان ، وأمنك غيلة الأيام

