قال نظام الملك مجدد نظام الإقطاع :
وعلي أصحاب الإقطاع ألا يأخذوا من الشعب غير الضرائب المقررة ، وعليهم جبايتها بالحسنبي . وإذا دفع الحراثون ما عليهم من الضريبة وجب ان يأمنوا علي انفسهم وعيالهم وأموالهم ، فلا تغتصب أموالهم ولا يعتدي عليهم . ولكي يتوفر للشعب الضمان من رعاية السلطان له يجب على أصحاب الإقطاع الا يمنعوا أحدا من دخول قصورهم ليرفع مظلمته ، أو ليطلب إثبات حالة حدثت له او لما يملك ؟ ويجب عليهم ان يعالجوا هذه المظالم ، وان يرفعوا للسلطان منها ما ينبغي ان يرفع إليه . فإذا خالف صاحب الإقطاع هذه الاصول نزع منه إقطاعه ، وناله عقاب شديد ليكون مثلا لغيره . وعلى الناس ان يعلموا ان الإقطاع وما كتبه ملك للسلطان ، وان صاحب الإقطاع والولاة حراس عليهما من قبله . وعلى السلطان ان يقيم صلته بالشعب علي المحبة والتعاون ليرضى الله عنه ويهديه ويسعد دولته
وأنا أحدثك يا مولاي عن أنوشروان - الروح الخالد وسيرته في رعيته ويقظته في محاسبة اصحاب الإقطاع فقد ولي انوشروان العرش فتي في الثامنة عشرة من عمره ، وكان ابوه قياد متساهلا مع الحكام ، منغمسا في اللهو ، حتى فشت في ايامه آراء مزدك التي قلبت الأوضاع في إيران وبنت الفساد فيها . وقد جمع انوشروان اصحاب الإقطاعات والولاة ، بعد ان قتل عمه الذي نازعه العرش ، واوصاهم بالإيرانيين خيرا ، وتوعد بالشر من ينحرف عن هذه النصيحة . . وعاد هؤلاء إلى بلادهم فساروا سيرتهم الأولى ، يظلمون الشعب ولا يرعون ما قطعوه على انفسهم
من عهد ؛ وكان انوشروان يقف على أحوالهم وسوء سيرتهم ، فيتدرع بالصبر انتظارا لفرصة تحين ليلقي عليهم درسا ، وليعلمهم بالعمل ما لم تعه قلوبهم بالحسني . . وكان أكبر أصحاب الإقطاعات وأعظمهم ثراء حاكم آذربيجان ، فأراد أن ينشئ لنفسه متنزها خارج المدينة التي يقيم بها ؛ وكان جزء من الجهة التي أرادها متنزها مملوكا لعجوز بائسة . . كانت تملك قطعة من الأرض تدفع من غلتها ضريبة السلطان ، وأجر الحراث الذي يفلحها ، ويتبقى لها بعد ذلك ما تشتري منه أربعة أرغفة كل يوم ، تستبدل قليلا من اللبن والخضر بأحدها ، والزيت الذي تضيء به سراجها برغيف آخر ، ثم تأكل الثالث في غدائها والرابع في عشائها . . أما ملابسها فكانت تأتيها صدقة من جيرانها ، وكانت تؤثر الوحدة فتظل حبيسة كوخها لا تخرج منه إلا لحاجة ماسة . فأراد حاكم آذربيجان أن يأخذ مزرعتها ، فأرسل رجاله يقولون للعجوز إن الوالي يسره أن يستولي على كوخها والمزرعة ، فأجابت بأنها تسر بهما أكثر منه وتريد ألا تبيعهما ، فإنها تسكن الكوخ ، وقوتها من المزرعة . قالوا : إذا نعطيك مزرعة بدلا منها . فقالت : هذه المزرعة هي كل ما بقي من ميراثي ، وهي قريبة من الري ، وأنا سعيدة بجيراني فهم يحترمون بؤسي ؛ والحق أني سعيدة بمزرعتي ، فهي متصلة بآلامي ، وعزيز على كل ما يتصل بهذه الآلام ! فنظر إليها رجال الوالي شزرا وولوا ظهورهم وساروا إلي سيدهم غاضبين . . ولم يتورع حاكم آذربيجان عن أخذ المزرعة عنوة . فهدم الكوخ وأقام السور على الحديقة الغناء . أما العجوز فألفت نفسها ولا بيت ولا مزرعة ، ولا حام ولا راع . وكلما مر الحاكم في الطريق رفعت صوتها باكية متضرعة ، فكان في آذانه وقرا ، لا يسأل فيم شكواها ! وكلما التمست من ضباطه أن يبلغوه أمرها قالوا إنا فاعلون بإذن الله !
ومضي على ذلك سنتان والعجوز في فقر مدقع ، تأكل من فتات الناس وتعيش على عطفهم ، وكادت تيأس من رحمة الله ؛ إلى أن مر بخاطرها أن في " المدائن " ملكا هو ملك الملوك ، وهو فوق حاكم اذربيجان ، وهو قادر على ان يرد إليها مزرعتها والكوح إذا هي اسمعته شكواها . . فسارت إليه . . ولم تطلع على عزمها أحدا . . يضنيها بعد الشقة ، ويشد ازرها الأمل ، حتى بلغت المدائن ووقفت أمام القصر . ولكن كيف تدخل قصر " الشاهنشاه " ، وهي التي لم يتح لها أن تقف على عتبة قصر احد من ولاته ؟ فلجأت إلي خادم بالقصر وسألته عن موعد خروج الملك للصيد ، ثم سارت إلي حيث ينزل الملك عن حصانه واختبأت وراء شجرة كبيرة
دعا المك أصحاب الإقطاعات والحكام إلي الصيد . فتقدموه جميعا ليقفوا في انتظاره ؛ وسار الملك ، حتى إذا بلع المكان المعد لنزوله نزل عن جواده ، فالتفت وراءه فإذا صوت ضعيف لسيدة بقول : " إذا كنت حقا ملك الملوك فارحم التى جاءت تشكو إليك ظلم واليك فأدرك الملك ان أمرا ذا بال حملها على أن تلجأ إليه ، فاقترب منها وسمع شكواها ، ثم بكي وقال : " خففي عنك يا اماه إن قضيتك بالأمس هي اليوم قضيتي وأمر حاجبه ان ينزل عن حماه وان يركب في العجوز مكانه ، وان يذهب بها إلى رئيس القرية لتستريح إلى ان ينتهي من الصيد فيصحبها إلي بيته . . وأمره أن يعطيها كل يوم عشرة أمنان من الخبز ومنا من اللحم ، وخمس قطع من الذهب كل شهر . .
وعاد الملك من الصيد ومعه الولاة وأصحاب الإقطاعات ، فأرسل غلاما من الاذ كياء ليحقق بنفسه شكوى العجوز في آذربيجان ، وأفهم الحضور في البلاط بأنه موفده ليتحري أحوال البلاد وأما كن الصيد وتقدير ما في الأرض من غلات . . وعاد الغلام يقص على ملكه قصة العجوز
النبيلة التى مات زوجها وبنوها ، والتي اناخ عليها الدهر ومستها الفاقة . . ولم يبق لها إلا مزرعة تأكل منها رغيفين في اليوم ، وتدفع بها ضريبة الملك في انتظام وبلا تذمر . . وكوخ حقير . ثم قص عليه ما كان من أمر الوالي معها .
ودعا الملك ولاته وحكامه ، وأمر بأن ينتظر والى اذربيجان حتى نهاية الجلسة في غرفة وحده ، وسألهم الملك أن يجيبوه في صراحة عما يسألهم فيه . فقالوا : سمعا وطاعة . قال : ماذا يملك حاكم آذربيجان من النقد ؟ قالوا : ألفي ألف من الدنانير فوق حاجته ! ومن الآنية والمتاع ؟ قالوا : ما يساوي خمسمائة ألف دينار ، وهي من الذهب والفضة ! ومن الجواهر الكريمة ؟ قالوا : ما قيمته ستمائة ألف دينار ! ومن الأراضي والعقارات ؟ قالوا : ليس في خراسان والعراق وفارس وآذربيجان مدينة أو ناحية إلا وله فيها القصور والأربطة ) جمع رباط ( والأملاك المستغلة . فسأل الملك : بم يعاقب رجل هذه ثروته ، وعلي مائدته عشرون صنفا من الطعام ، عدا الخراف والحلوي ، إذ اغتصب رغيفين من الخبز القفر هما قوت عجوز ضعيفة من عباد الله الصالحات ، فحرمها من رزقها ؟ فأجابوا جميعا إنه يستحق أشد عقوبة . فأمر أنوشروان بأن يسلخ حاكم آذربيجان حيا ، وأن يعطي لحمه للكلاب وأن يحشي جلده بالتبن ليعلق على باب القصر ! ثم أمر بأن ينادي المنادون سبعة أيام ، في إيران كلها ، بأن من يغتصب مال غيره ، ولو كان تافها ، يلقي ما لقيه هذا الحاكم الطاغية من عقاب . والتفت الملك إلي الحكام وأصحاب الإقطاعات وقال : " لأحمين الحمل من الذئب ، ولأقطعن الأيدي التي تمتد بالعدوان ، ولأقضين على المفسدين في الأرض ، ولأعمرنها بالعدل والأمن ، فهذه رسالتي التي ولاني ربي عرش البلاد لأنشرها . ولو أن للقوي مطلق الحرية فيما يؤذي به الضعيف لما أمد الله الملوك بسلطان من عنده .
فضعوا نصب اعينكم ان تؤمنوا الشعب على حياته وأمواله ، والأتطمعوا في القليل الذي عنده ، فان في حرمانه من قليله حرمان من كل شئ ، ولن يزيد قليله كثيركم شيئا ، فإن سرتم في الناس السيرة الى أوصي بها رضيت عنكم ، ورفعت من قدركم ؛ وإن سرتم سيرة والي اذربيجان أذقتكم ما ذاق من عذاب اليم " . ثم امر انوشروان بأن تأخذ العجوز مزرعتها وما عليها من قصر وما فيها من خدم ، وما يتبعها من بساتين . وقال لها اذكريني عند ربك .
ثم نادى الملك حاجبه وسأله : لماذا اوصد باب قصره في وجه العجوز ، وكيف بفتح الباب لقادة الجيش ويوصده دون أفراد الشعب ؟ والشعب يدفع الضرائب والجيش ينفقها ! والمعطي خير ممن يأخذ . ولكي يتدارك الملك
ما يلقي الشعب من صعوبة في الاتصال به ، أمر بعمل السلسلة التى تتصل بناقوس في غرقته ، ويدها بجوار الباب على جدار القصر . وقد حدثتك يا مولاي عنها في حديثي الماضي .
فعليك يا مولاي ان ترعي الرعية التي انت مسئول أمام الله عنها ؛ وان تراقب من تنصبهم لحكمها نيابة عنك ؛ وان تحقق لشعبك العدل الذي هو اساس الملك ، تزدهر دولتك كما ازدهرت دولة انوشروان . فكان الشعب في اطمئنانه يعمل لمجد إيران ، وكان الجيش مهيب الجانب من الأعداء ، وكان العلماء من الإيرانيين يشتغلون بالعلم والبحث ، فشهر الملك بعدله الذي ضربت به الأمثال

