الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 299الرجوع إلى "الثقافة"

سياست نامه، ٥ - النساء وشئون الدولة

Share

عند ما اعتنق الغز الإسلام ودخلوا في دين الله أفواجاً ، واستقلوا بالدولة الغزنوية ثم بالدولة السلجوقية ، وجد سلاطينهم من حسن السياسة أن يوطدوا صلتهم برؤساء العشائر القوية في أطراف البلاد ؛ وكانت المصاهرة وسيلة لبلوغ هذا الغرض . وكثيراً ما كان السلطان يتزوج في آخر سني حياته ، في السن التي يكون الرجل فيها ، دون أن يشعر ، فريسة لأطماع زوجه وشهواتها ، فتسيطر المرأة الشابة على الرجل الشيخ سيطرة لا يستطيع التحلل منها . وقد كانت الفكرة السائدة في القرون الوسطى أن السلطان يستمد سلطته من الله ، وأنه ولي العرش ليقيم العدل بين الناس ، فكان بذلك حاكما مطلقاً لا مرد لحكمه ، ولا محاسب له من الشعب ؛ ولذا كانت السياسة الرشيدة أن يتولي العرش أكبر أبناء السلطان أو من تتوافر فيه صفات السلطنة منهم . ولكن السلطان كان يقع تحت سيطرة زوجه الشابة ، فيؤيد رأيها في أن بلي ابنها ، وقد يكون طفلا ، العرش بعد أبيه ، وكثيراً ما كانت تجد الزوج من يؤيدها في البلاط . وقد تضل بصيرة السلطان الشيخ ، فلا يأبه لنصح وزير مخلص يري تنصيب الابن الأكبر لأنه أقدر على تحمل تبعات الملك من الطفل الصغير . وأبصر نظام الملك في آخر حياته أن ملكشاء يريد أن يوصي بالعرش لطفله محمود من زوجه تركان خانون . وكان الوزير يري أن بركيارق ، الابن الأكبر من زوج متوفاة ، أقدر على ولاية العرش وأحق بها . وكان نظام الملك بين أمرين ، إما أن يجاري تركان خانون في سياستها ، فيكسب رضاها ويأمن غضب

السلطان أو ضعفه فيترك الأمور تسير في أعنتها ويلي العرش طفل لا يميز ؛ وإما أن يعلن الرأي الذي براء حقاً وتسخط عليه زوج السلطان القوية ويعرض نفسه للموت أو للتنحي عن السلطة . وكان يعلم أن تركان خانون ، قد اختارت أبا الغنائم مستشاراً لها ، وكانت تهيؤه ليلى الوزارة إذا ما عارض نظام الملك سياستها ، فأبعدته عن طريقها . وكان أبو الغنائم يدس عند السلطان ، ونظام الملك يعلم بهذا كله ، ولكنه لم يحد عن رأيه ، وآثر أن ينصح السلطان غير مبال في سبيل مصلحة الدولة بما قد يتعرض له من محن . وقد نجحت تركان خانون في إيغار صدر السلطان عليه ، كما أفلحت الدسائس في إعلاء شأن الى الغنائم ؛ ولكن شيئاً لم يحمل نظام الملك علي العدول عن رأيه الذي ساد آخر الأمر ، فقتل أبو الغنائم بعد مقتل نظام الملك ، وفشلت الجهود التي بذلت لتنصيب محمود الطفل وولى بركيارقى ، مرشح نظام الملك ، عرش أبيه .

يقول نظام الملك للسلطان ملكشاء :

قد سمعت أن السيدات المتحجبات اللاتي لا ذكاء لهن يتدخلن في شئون الدولة ، وهن لا دخل لهن فيها والذي أعرفه يا مولاي ، أن كل ما نطلبه إلى النساء هو أن ينجين لنا الأبناء ليبقى النسل الطيب ، وكلما علا أصل السيدة زاد تقدر السلطان لها ، وما تشددت في الحجاب طلب الثناء عليها . وليعلم الملك أن نصائح سيدات القصر مبنية على ما يسمعن ممن لم يخلص تبيانهم ، وأنهن لا يرين ما يجري في الخارج ، فيتخذن من هؤلاء ، المفسدين عيوناً ، ويستقين من الصاحبة أو الخادمة أو الخادم الانباء ! ولذا فإن ما يصدر به من الاوامر يكون بعيداً عن العدل والحق ، وهكذا يتفنن في الدولة الفساد ! وفي هذا يا مولاي مساس بنفوذك ، وفيه مضرة للشعب ، إذ أن به تختل أمور الدنيا

والدين ، وقد تتلف ، إذا استمع الحاكم إلي قول امرأته ، أموال الناس ، وتسفك دماء عظمائهم . وإن انت امعنت  النظر في التاريخ يا مولاي ، وجدت أنه ما من مرة وقع السلطان فيها محت تأثير المرأة إلا حل في دولته الفساد والفتنة وصنوف الشر . وان أطيل عليك في حديثي عن سوء أثر تدخل المرأة في الشئون العامة ؛ فإن هذه القضية مشهورة والشواهد عليها كثيرة ، وهي قديمة قدم الإنسان منذ مس آدم الضر حين استمع إلي قول امنا حواء ! ومنذ أجيال لقيت المملكة التى تحكمها ألواناً من الشر زهقت فيها أرواح الألوف من الترك والفرس ، لأن كيكاوس الملك خضع لامرأته حوذ به ؟ فكان ما كان من شر أعوذ بالله من أن توقعنا النساء فيه ، في هذه الأيام التى اتسعت فيها مملكتنا ، وأصبحت كعبة القصاد .

كانت معوذ به شابة جميلة ، وقد وقع كيكاوس في حبائلها ، لأنه زوج شيخ ولأنها زوج فاتنة ، فسيطرت عليه حتى أصبح لا يعمل بغير مشورتها . وكان له ابن من زوجه الأولى ، اسمه سياوخش ، عهد بتربته إلى رستم القائد المشهور ، وكان إذ ذاك وإلى سبستان . وشب سياوخش بطلاً ذاع صيته وتحدثت بفتونه الناس ؛ وبلغ مسامع سوذبه أنه ذو جمال رائع فمالت إليه واشتاقت إلي لقياء ، فأوحت إلي كيكاوس أن يستدعي ابنه لحواره ليساعده في عمله وليمتع نفسه بالنظر إليه ؛ فأطاعها الملك واستدعاء فحضر إلي المدائن ، ثم طلبت إليه أن يأمره بالدخول في " الحريم " ليري إخوته . وأحس سياوخش أن أمراً يدبر له في الخفاء ، وكانت أحبار سوديه قد سارت في الناس ، فقال الملك إنه من الخير أن يبقى في القاعة الكبرى ، وأن يحضر إليه أخواته فيأمن عليه . ولكن الملك أمره بالدخول عملا برأي زوجه ، فامتثل ... ولم يكد سياوخش يدخل حتى احتضنته سوذيه وراودته عن

نفسه فدفعها عن نفسه مستعصما وخرج . . ودخل الملك عند زوجه فاتهمت ابنه بأنه ضمها إليه فدفعته وطردته . . وغضب الملك وخرج إلي حيث ابنه ، وسأله عما كان ، فقال : هي راودتني عن نفسي فدفعتها عني وخرجت ! فقال الملك : النار تحكم بيننا يا بني ، فإن هي أحرقتك فأنت كاذب وهي من الصادقين ، وإن كانت عليك برداً وسلاماً فأنت صادق وهي من الكاذبين . وأقاموا حقل الابتهال وأشعلوا النار في الميدان وعلا لهيبها إلي قمم الجبال ، وجاء سيارخش راكبا ًفرسه " شبرنك " فاقتحم به النار ، وبعد زمن خرج من غير سوء ؛ فصلي الناس وجمع الموايذة الحطب المتخلف وبعثوا به إلي بيوت النار في أطراف إيران ، وأدرك الملك براءة ولده ، ولكنه سامح زوجه الكاذبة ، وأسند إلي ابنه إمارة بلخ ترضية له . ولم يستطع سياوخش بعد هذا البقاء في مملكة أبيه . واتصل به ويران وزير الملك الثوراني افراسياب ، وحبب إليه الانتقال إلي بلاد الترك فهاجر ، وهناك استقبله افراسياب أجمل استقبال وزوجه من ابنته واختصه بحبه ، وأصبح لا يعقد في بلاده أمراً من غير مشورته ؛ فأثار هذا حقد كرسفز ابن الملك ، قدير له تهمة خطيرة فأمر الملك بقتله ، وهكذا أريق دم ولي عهد إيران في بلاد الترك . ووصلت الأنباء إلي فارس فغضب أرواح الأبطال ودوي اللحن الحزين في الأسماع . وبلغ رستم الخبر فغضب وامتطي حصانه وسار إلي العاصمة ، ودخل قصر الملك غير مستأذن " الحريم " حيث كانت سوذبه ، فجذبها من شعرها وأخرجها إلي ساحة القصر فقطعها بسيفه إربا ، ثم حمل العلم الكاوياني وتقدم الجيش الحارية ملك توران . ودامت الحرب بين الشعبين سنوات قتل فيها آلاف من الترك والفرس . كل هذا لأن كيكاوس ضعف أمام زوجه سوذبه فأسلمها زمام نفسه !

ولو تتبعت يا مولاي تاريخ العظماء لوجدت أن أحداً منهم لم يستودع امرأة سراً ولم يتخذها مشيرة . وانظر يا مولاي إلي الإسكندري وقد هزم دارا واستولي على ملكه ، فأراد بعض رجاله أن يزوجوه من ابنة الملك المهزوم ، فأشاروا عليه بدخول " الحريم " حيث ابنة دارا التي ذاع صيت جمالها وعذوبتها ، وبجانبها بنات الأشراف وكلهن على جانب عظيم من الجمال ، فقال الإسكندر : لقد هزمنا رجالهم فلا يجوز أن تسيطر علينا نساؤهم ! ومضي في الغزو نحو الهند ولم يدخل " حريم " دارا

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : "شاوروهن وخالفوهن" . وجاء في التاريخ أنه حين اشتدت على الرسول (ص) وطأة المرض كان بجواره السيدتان  عائشة وحفصة عليهما السلام ، فسألتاه عمن يصلي بالناس أثناء مرضه ، فقال : أبو بكر . فأعادتا سؤالهما ، فقال : أبو بكر . قالت عائشة لحفصة : قولى له إن أبا بكر رجل ضعيف رقيق القلب ، وإنه أقرب الصحابة إليك ، فإذا  رأي مكانك من الناس شاغراً غلبه البكاء فتضيع صلاته وصلاة الناس ، فالأجدر بإمامتهم عمر فإنه قوي رابط الجأش ! فغضب النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال ما معناه : مثلكما كمثل يوسف وكرسيف ، وإنى لن اسمع لكما رأياً ، وقد أمرت بما فيه خير المسلمين . أذهبا إلي أبي بكر وقولا له يؤم الناس في الصلاة . هذا مع ما كان لعائشة من رأي وعلم ، فما بالك يا مولاي بسائر النساء !

قال ملكشاه : وما قصة يوسف وكرسف هذه يا أبا الحسن ؟

فقال نظام الملك :

كان ذلك ايام بني إسرائيل ، وقد قيل إن الله تعالى

يستجيب ثلاث دعوات لمن يقضي أربعين سنة يعبد الله ولا يرتكب كبيرة أو صغيرة . وكان يوسف رجلاً متعبدًا زاهداً يخشي الله ولا يسيء إلي أحد ، وكان يعيش مع زوجه كرسف وأولاده في قناعة وسعادة ؛ وقد آن ليوسف أن يدعو ربه ثلاث دعوات ، ولم يجد غير زوجه مشيراً بالذي يدعوه فإن صلاحها من صلاحه ، وليس أصدق منها ناصحاً. فلما سألها قالت له : ليس لي في هذه الدنيا سواك ، وأنت مني نور العين ، ويطيب بصحبتي عيشك ، فادع ربك أن يجعل لي جمالا ليس مثله جمال حتى أدخل على نفسك السرور كلما وقع نظرك علي . فدعا يوسف ربه أن يمنح كرسف جمالا ليس لواحدة من بنات حواء ، فصارت ، وأبصرت كرسف وجهها ذات يوم في الرآة فإذا هي كالملاك الكريم جمالا ورقة ، وألفت نفسها زوجاً لهذا الزاهد المتعبد القانع الذي لا تجد عنده غير خبز قفار ، والذي لا يعرف إلي كسب الحياة سبيلا ؛ ورأت أن جمالها جدير يملك عظيم يوفر لها أسباب السعادة الحقة ، ويغدق عليها من النعم والخيرات ، ويهبها من اللآلئ والجواهر ما يزدان به جمالها . هكذا وسوس لها الشيطان فأخذت تؤنب زوجها على فقره وتقاعده عن الكسب وأهملت أطفالها ... وأحس يوسف ما في زوجه من صلف وغرور ، ورآها تهمل أولادها وبينها ولا تستمع لنصحه ، فرفع رأسه إلي السماء ودعا ربه أن يعاقب كرسف فيجعلها دبة تهيم على وجهها ، فصارت . وأخذت الدية تحوم حول البيت وتلتصق بجدرانه والدمع من عينيها بنهمر ؛ واضطر يوسف أن يرعي أولاده وبيته بنفسه ، وأصبح لا يقدر على تأدية الصلاة في وقتها ، ورأي أطفاله وقد امتلأت قلوبهم حزنا لفقد أمهم ، فرفع رأسه إلي السماء مرة ثالثة ، ودعا ربه أن يعيد كرسف كما كانت من قبل ،

فعادت إلي حالتها الأولى ، وانتهت الدعوات الثلاث . وأصبح يوسف وقد ضاع عليه نسك اربعين سنة ؛ كل هذا ، لأنه اتخذ من زوجه مشيراً.

وأختتم حديثي بأن أذكر الآية الشريفة : " الرجال قوامون على النساء " . فلا تستمع لمشورتهن يا مولاي ، واجعل من ابنك بركيارق خلفاً لك يحافظ على دولتك ، ويخلد اسمك ، فإن له من كبر سنه ووفرة تجاربة ومرانه  في فن الحكم ما يؤهله لوراثة ملكك العظيم .

اشترك في نشرتنا البريدية