الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 300الرجوع إلى "الثقافة"

سياست نامه، ٦ - الألقاب

Share

بلغت الدولة السلجوقية أوجها في عهد الملكين إلب أرسلان وملكشاء اللذين وزر لهما نظام الملك . وقد ساهم الأمراء من حكام الأقاليم ، والوزراء والعلماء ، وكبار الموظفين ، وبعض غلمان القصر ، وغيرهم في مجد الدولة والنهوض بها ؛ وساهم السلطان السلجوقي نفسه بأوفي نصيب في الجهاد ( الديني) وإدخال أفواج من الترك في الإسلام ، وبهذا استحق السلطان ان يشرفه الخليفة العباسى بلقب يتفق ورسالته ، كما استحق كل من ساهم في إعلاء شأن الدولة لقبا من السلطان . وقد اسرف بعضهم السلاطين في طلب الألقاب من الخليفة ، كما اسرف بعضهم في منحها لرجاله ، حتى كادت تفقد معناها . ولذا فإن نظام الملك ينصح السلطان الا يسرف في طلبها لنفسه من الخليفة ، وان يتريث في خلعها على الممتازين من أفراد شعبه ، وهو يضع لها ترتيبا جديرا بالنظر فيه ، يقول :

إن الامتياز الذي تسبقه الألقاب على المنقسم عليه بها هو المثوبة المثلي على الخدمات الجليلة ذات النفع العام . ولذا وجب أن يكون مانح اللقب ، خليفة كان أم سلطانا ، مدققا غاية الدقة في منحه ، حتى يتعادل اللقب وجدارة المنعم عليه ومكانته الاجتماعية . وينبغى عدم الإسراف في المنح ، فإن الشئ إذا كثر وشاع قلت قيمته وبعد عن غايته . والألقاب مراتب تتمشي مع القيم التي تستوجب منحها ، وهي تتفاوت بتفاوت الأشخاص وتباين الأعمال ، فلقب الأمراء غير لقب العلماء ، ولقب قواد الجيش غير لقب الوزراء ، وهكذا . والألقاب يمنحها ولي الأمر ؛ فلا تلتمس ولا تشتري ، لأنها جزاء وفاق على عمل مجيد .

والذي يسعي وراء مكافأته على ما قام به ، مكافأة ادبية ، يضع من شأن ما عمل ، ويجعل نفسه غير جدير مما اتاح الله له من توفيق .

ولخليفة المسلمين أن يمنح السلطان من الألقاب ما يشاء . وليس للسلطان أن يطمع في المزيد من الخليفة ، فإن الألقاب العظيمة التي تمنح للسلاطين قليلة ، والإكثار منها - وخاصة إذا كان منحها من الخليفة على كره منه لخوفه السلطان أو لإلحاح هذا في طلبها - يقلل من هيبتها ، وبالتالي لا تعبر عن منطوقها . فلا يجوز لسلطان أن يعمل ما عمل محمود الغزنوي مع الخليفة القادر بالله ، فإنه لم يكد يرتقي العرش حتي النمس من الخليفة لقبا ! فلقبه عين الدولة . وفتح محمود تيمروز (سجستان ) وخراسان والهند حتى سمنات والعراق ، فأرسل للخليفة يلتمس لقبا جديدا ، وبعث مع رسوله من الهدايا والتحف ما لا يقدر بثمن ، ولكن الخليفة لم يجب ملتمسه . وفي ذلك الوقت خلع الخليفة على خاقان سمرقند ثلاثة ألقاب : ظهير الدولة ، ومعين خليفة الله ، وملك المشرق والصين ؛ فأثار هذا الإنعام حسد محمود ، فكتب إلي الخليفة يقول : " إني فتحت باسمك بلاد الكفار وأدخلت أهلها في دين الله ، وها أنت تهب خاقان سمرقند ، وهو من ولاني ثلاثة ألقاب ، وتتفضل على مع فضلي العظيم بلقب واحد ! " فأجابه الخليفة مهدئا من روعه ، وملطفا من حدته ، وقال له : إن الألقاب ترفع قدر حامليها ، وانت برفعة قدرك في غني عنها ؛ وأما والى سمرقند ، فتركي جاهل تحلو له الألقاب ، ويظنها تعلي قدره عند نفسه وعند قومه ، وقد يتأثر بها فيعمل بما في منطوقها ويخفف من غلوائه ، ويتقي الله في حكمه الناس ، فلا تطلبن ما هو لمن دونك درجة ، وحسبك أنك يمين الدولة . فلم يرق محمودا هذا الجواب ، وبات وهو للغيظ كظيم . وسألته جارية مثقفة ذكية

في قصره عن سبب ما يعتريه من الهم فيها شكواه . قالت : عجبت للخليفة يمنح اللقب لمن لا يعرف له قدرا ، ويحبسه عمن هو أهل له : واستأذنته في رحلة إلي الخاقان فإذن لها . وبعد زمان بلغت سمرقند ، وأعملت الحيلة حتى وثقت بها الخاتون ، وقربها الخاقان ، واستطاعت بمكرها أن تخدعه وتأخذ من خزانته براءات الألقاب التي أسبقها الخليفة عليه ، ثم عادت بها إلي محمود الغزنوى ؛ فبعث بها إلي الخليفة مع رسالة يقول فيها : كان أحد موظفي الديوان في رحلة بسمرقند ، فدخل مدرسة فوجد هذه البراءات مع طفل يعبث بها ، فأخذها منه ورفعها إلي ، وأنا أبعث بها للخليفة حتى يعلم على أي خلع الألقاب . ولقد كان على وإلى سمرقند أن يحترمها ويتوج رأسه بها ، بدلا من إهمالها ليتخطفها الأطفال ويعبثوا بها ! فلما قدم رسول الغزنوي هذه الرسالة للخليفة ، بعث هذا إلى وإلي سمرقند يعاتبه . وأما الرسول فقد لبث في بغداد ستة أشهر دون أن يظفر ببغية سيده ، فكتب يستفتي قاضي القضاة : أفتني في ملك امتشق الحسام ليعز دين الله حتى أحال دار الكفر دارا للإسلام ، وكان الخليفة بعيدا منه وهو لا يستطيع أن يطلعه على ما يعمل ، أيجوز له أن يقيم على العرش شريفا من بني العباس ليقتدي أو لا يجوز ؟ فأفتي القاضي بالإيجاب . فأرفق الرسول هذه الفتوي بخطاب إلي كبير حجاب الخليفة يقول فيه ؛ طالت إقامتي ببغداد ، ومحمود يلتمس لقبا ويقدم آيات الخضوع والولاء والخليفة عنه معرض ، أفلا يكون محمور محقا إذا عمل بالفتوي التي قال بها قاضى القضاة ؟ فلما اطلع الخليفة على الخطاب والفتوي بعث حاجب الباب إلي رسول محمود ، فأكرم وقادته وأعاده إلي سيده مكرما ، ومعه براءة لقب جديد هو أمين الملة .

مثل هذا اللقب الذي منحه الخليفة مكرها لا يعبر من منطوقه ، ولا يدل على جدارة محمود به . وإنه لمن العار

ان يستغل السلطان ضعف خليفة رسول الله فينتزع منه اللقب انتزاعا . وانا اربأ بك أن تكون كمحمود ، وكفاك ما خلع الخليفة عليك تقديرا لك واعترافا بجهادك وجهدك، فأنت معز الدنيا والدين ، وانت قسيم امير المؤمنين جلال الدولة

قال نظام الملك

وينبغي أن تختص كل طائفة من الشعب بألقاب خاصة بها ، فلا يحمل القاضي لقب الوزير ، ولا الأمير لقب المحتسب ، وإذا أنت نظرت إلي شعبك يا مولاي وجدته عدة طبقات الأمراء وقادة الجيش ، وأصحاب الإقطاع ، والوزراء ، والعلماء ، وكبار الموظفين ، وغلمان القصر ، والحرائون .

فالأمراء يلقبون : حسام الدين ، وسيف الدولة ، وأمين الدولة .

والقواد يلقبون : سيف الدولة ، وحامي الدولة ، وظهير الدولة .

والوزراء يلقبون : الأستاذ الجليل ، والأستاذ الخطير ، وكافي الكفاة ( ولقب به الصاحب بن عباد)، وشمس الكفاة ( ولقب به الميمندى وزير محمود الغزنوي ) ، ونظام الملك ، وقوام الملك . .

والعلماء ومنهم القضاة يلقبون : مجد الدين ، وشرف الإسلام ، وسيف السنة ، وزين الشريعة ، وفخر العلماء .

وكبار موظفي الديوان يلقبون : عميد الدولة ، وكمال الملك ، وعميد الملك

ولا يجوز أن تدخل كلمة الملك إلا في ألقاب الوزير والمحتسب ( رئيس الشرطة ) والمستوفي ، والعارض ( الذي يعرض القضايا الهامة علي السلطان ) ، وعميدي بغداد وخراسان.

أما من هم أقل شأنا من الموظفين فألقابهم : الخواجه

الرشيد ، والمختص ، والسديد ، والنجيب ؛ والأستاذ الأمين والخطير ، والمسكين . ويرقى غلمان القصر حتى يصلوا إلي الحجابة ، ثم الإمارة ، فتخلع عليهم الألقاب كغيرهم .

وإذا قام حراث بعمل يستحق عليه لقبا ، رفعت درجته ثم لقب .

ويعاقب من يدعي لنفسه لقبا ليس صادرا من السلطان ، وتشدد العقوبة لمن يدعي لقبا فيه كلمتا الدين والإسلام .

وهكذا يا مولاي تختص كل طبقة من الشعب بألقاب تليق بها ، وتدل معانيها على امتياز صاحبها ، فتستبين درجة الكبير من الصغير ، والخاص من العام ، ويظهر الديوان بالرونق الذي ينبغي له .

أما القاب السلاطين ، فينبغي ألا تكثر وألا تطول . وقد لقب البويهيون بعضد الدولة ، وركن الدولة ؛ ولقب

السامانيون بشاهنشاء ، والأمير السديد ، والأمير الحميد ، والأمير العادل .

ويمنح خليفة بغداد السلاطين الانتقياء من الألقاب ما يؤهلهم لها جليل أعمالهم وحسن سيرتهم في الناس . وقد كان لك من الأعمال الصالحة للآخرة والأولى ما أهلك لأن تكون رمز الدنيا والدين .

وكما تدخل كلمتا الدنيا والدين في ألقاب السلاطين ، فكذلك يلقب بهما زوجاتهم وأبناؤهم وبناتهم

والملك اليقظ الذي يعرف أصول الحكم ، لا يقدم على منح أحد لقبا قبل التحري والتثبت من أحقية المنعم عليه . وهو بهذا يقدر أعمال النابهين من شعبه قدرها ، ويحفظ للالقاب معناها ، ويسبغ عليها من حكمته وحسن تقديره واختياره آيات الشرف والفخر والجلال .

اشترك في نشرتنا البريدية