السفير هوه شيه أحد رجلين يعتبران مسؤولين إلي درجة بعيدة عن وجود الصين الديموقراطية الحديثة . فقد كان صن يات - سين منشئها السياسي ، في حين كان " هوه شيه " عميد كلية الآداب بجامعة بكين في ذلك الحين واضع الأسس الفكرية التى ما كان للصين ان تنهض بدونها وتوجد كيانها الاصيل . ولسوف تدعوه القرون القادمة " أبا النهضة الصينية "
//مج// فلاسفة الغرب في أخريات القرن التاسع عشر روح الغرب المادية ، واظهروا امتعاضهم منها وامتدحوا ) حكمة الشرق " واعتبرت نظم الحياة التي كانت تسود الصين منذ ألفي سنة سابقة - بأشواط بعيدة - أية مدنية من المدنيات السائدة خارج القارة الأسيوية . ولقد جاهد هوه شيه أكثر من سواه لترويج تلك الفكرة
وأشار إلي أن نظام العمل الصيني ومستوي المعيشة المنحط ليسا من اثار الروح المثالية العالية ، وإنما هما من نتائج الانحطاط وفقدان الجدارة . وكذلك رأي هوه شيه أن الصين تحتاج - أول ما تحتاج - إلي لغة جديدة . واسمه في عالم الإصلاح اللغوي يسطع إلي جانب اسمى دانتي وشوسر ؛ وهو - مثلهما - مجد الحوار الدارج في عصره وبين قومه ، وجعل منه ادبا رفيعا . ولقد ظلت الكتابة الصينية تعتبر لغة مصورة يعز فهمها إلا على الأدباء وكان لابد لمن يريد الإلمام بها إلماما عاديا ان يعرف زهاء ٤٠٠٠ حرف .
وتحقق هوه شيه منذ بدء تعلمه الكتابة أن اللغة الصينية في حاجة إلى تلقيح وتجديد . فبدأ حملته في عام ١٩١٦ عند ما تخرج في جامعة كولمبيا . وحدث أن انطلق
طائفة من اصدقائه في نزهة بحرية يجذفون ، فهبت زوبعة قلت الزوارق ، وسقط افراد الجماعة في الماء . وتخليدا لهذا الحادث نظم احد افراد الجماعة قصيدة باللغة الصينية القديمة ، وبعث بها إلي هوه شيه لنقدها . ولقد كان الاختلاف بين موضوع القصيدة وطريقة عرضها ، داعيا إلي ان يكتب مقالا جعل عنوانه المتواضع ، " طائفة من المقترحات التجريبية لتجديد الاداب الصينية" ولقد اثار نشر ذلك المقال في إحدي المجلات الصينية المتطرفة تعليقات كثيرة .
وغالبا ما كان كتاب الصين القدماء يستخدمون اللغة المصورة لإخفاء ما يقصدون إليه من معنى لا لإظهاره وجلائه . مثال ذلك ما أثر عن كونفوشياس إذ قال :
" تجهل الحياة فكيف تعرف الموت ؟ " واستخدم هوه شيه حروف الكتابة القديمة نفسها ، ولكنه قال في جرأة : " إذا انت لم تعرف شيئا عن الحياة ، فكيف تستطيع ان تفهم معنى الموت ؟ " وطعم لغة الكتابة بثروة من العبارات العامية الدارجة . وكانت النتيجة ان ظهرت لغة جديدة اسمها باي - هويا " ومعناها " الحديث الواضح ".
وعند ما عاد هوه شيه إلي الصين التحق بالجامعة الوطنية مدرسا وهو في السادسة والعشرين من عمره ، ولقد ايده في حماسته اساتذتها الاذكياء المجددون . ولم يأت عام ١٩٢٨ حتى كانت لغة " باي - هويا " الجديدة قد راجت في الصين من أقصاها إلي اقصاها .
وهكذا قضت حركة هوه شيه على روح الاحتكار الفكري لطائفة قليلة من الصفوة الممتازين ، الذين راحوا يستخدمون معلوماتهم لتضليل اربعمائة مليون من اهل الصين الذين اخني عليهم الدهر ؛ وراحت الصحف - التي يحررها رسل لغة " بأي - هويا " الجديدة - تطالب ببعث الصين ونهوضها . وطبعت الكتب باللغة الجديدة ،
واعترف بكثير من القصص الشعبية العظيمة مثل "جميع الناس إخوة " وقد كان الأدباء لا يقدرونها كنماذج من الأدب الرفيع . واخيرا طالبت الحكومة الجديدة بطبع الكتب المدرسية بلغة "باي - هويا " .
ولد هوه شيه منذ خمسين عاما في بيت أجداده بمقاطعة آنهوي . وكان ابوه موظفا صغيرا في الحكومة توفي وولده في الرابعة من عمره وكان هوه شيه من ذلك الطراز من الناس الذي ينضج قبل الأوان . ولقد أخذت أمه الطموح على عائقها مهمة صقل ذهنه وتكوين خلقه ، ولقد كان وهو في الثالثة من عمره يعرف ٨٠٠ حرف من الحروف الصينية ، ولم يكن يرغب في اللعب مع سواه من اطفال القرية وكانوا يصيحون كلما مر مهم متأبطا كتبه - ها هو ذا المعلم القادم " وسافر إلي شنغهاي عندما بلغ الثالثة عشرة لتلقي العلم فيها ؛ وفي ذلك الميناء " البابلي" تكشفت له دنيا جديدة باعثة على الحيرة والارتباك ، دنيا " غريبة " ثم يرد ما تناهي إلي سمعه عنها - وهو في قريته - عن إشاعات وأوهام.
وتعلم في تلك المدينة اللغة الإنجليزية والتاريخ والفلسفة؛ وكتب مقالات هدامة حارب فيها الخرافات والتعصب . ولقد كابد في بعض الاوقات غصص الحرمان والفاقة حتي لقد اضطر إلي قطع حبل دراسته ، وتعليم مبادئ اللغة الإنجليزية مرسلا كل ما كان يربحه من مال لوالدته ؛ وكان يسهر الليل بطوله متحدثا إلي اصدقائه ، ومقامرا في سبيل أرباح خرافية . وكان يسكر من احتساء بعض المشروبات الرخيصة ، وهبط " هوه " الشاب ضيفا على السجن في إحدي سكراته المعربدة ؛ وفي صبيحة اليوم التالي رحل إلى بكين حيث جاز امتحانا قاسيا مهد له الظفر بدراسة مجانية في إحدي الجامعات الاميركية . وقبل سفره إلي أميركا اتخذ لنفسه اسم الرجولة جريا علي العادة الصينية
ولقد اختار اسم شيه " ومعناه بالصينية " صالح " وذلك
جريا علي مبدأ داروين القائل بأن البقاء للاصلح . واسم " هوه " معناه "البربري الملتحي" وهو لقب الأسرة ونطق الاسم بأكمله "هوه شيه " .
والتحق هوه شيه بجامعة كورنيل في عام ١٩١٠ ، وواظب على كتابة يومياته طوال عهد الدراسة ولقد نشرها في أربعة أجزاء ، ولا تزال حتى اليوم ! أكثر المطبوعات رواجا في الصين . ولما ظهر نبوغه في الفلسفة عمل بعد تخرجه في الجامعة مساعدا للعلامة جون ديوي الأستاذ بجامعة كولومبيا . وهو يقول إن ديوي قد خلق منه رجلا من الناحية الفكرية . ومهدت له بحوثه الفكرية في عمله ذلك الحصول على درجة الدكتوراه العلمية ، أما ، درجات " الدكتوراه " السبع عشرة الأخرى فقد كانت جميعها فخرية .
وفي عام ١٩٣٠ تحقق مطمح هوه شيه الذي ظل يصبو إليه طوال عمره عندما اختير عميدا لكلية الاداب بجامعة بكين ، وبذلك اصبح زعيما للأدب في الصين كلها - وهو مركز يسر له ان يصبح سفير بلاده في الولايات المتحدة.
وعند ما قدم الدكتور هوه شيه أوراق اعتماده في واشنطون منذ ثلاثة أعوام كان اسمه انبه الاسماء الصينية وأبعدها صيتا في هذا الجانب من المحيط الهادي . وهو معروف بأدبه اكثر مما هو معروف كرجل من رجال الدبلوماسية ، حتى ان إحدي الجامعات كتبت إلي السفير الصيني في الربيع المنصرم تقول :
" ترجو لو تمكن سعادتكم من إلقاء خطاب الجامعة الافتتاحي . فإذا كان ذلك مستحيلا فهلا تكرمت علينا فأخبرتنا كيف نستطيع الاتصال بالعالم الصيني العظيم الدكتور هوه شيه؟
ولقد عرضت على "الجنراليزمو" تشانج كاي تشيك قائمة طويلة بأسماء الدبلوماسيين القادرين ، ليختار من
بينها من يستطيع ملء منصب سفير الصين في واشنطون . ولكن الصين المتعبة المتألمة كانت في حاجة إلي رجل يستطيع أن ينفذ بسحر شخصيته إلي قلوب أفراد الشعب الأمريكي ومن أجل هذا كان هوه شيه النحيل الجسد ، الاشيب الشعر ، خير مرشح لذلك المنصب . ويؤثر عنه أنه قال لشيانج كاي تشيك : " لا تنتظر مني ان استجدي مالا او اقوم بدعاوة ما" ولقد احتفظ إلي حد ما بتلك الخطة حتى الآن مما يثير دهشة حكومته في بعض الاحيان . وحدث ذات مرة ان بعثت إليه وزارة خارجية بلاده مبلغ ستين ألف دولار لتنفق في أغراض الدعاوة ، فأعاد الحوالة إلي الوزارة مغضبا ، وكتب يشرح السبب في إرجاع المال ، قال : " إن في خطبي ما يكفي للدعاية وهي لا تكلفكم شيئا ولما كان غير خبير بمسائل القروض والتسليح بعث الصينيون بالإخصائيين لتدبير أمورها .
وراجت إشاعة باطلة إبان المفاوضات المشؤومة مع اليابان ، مؤداها ان الاتفاق قد يتم بين امريكا واليابان على حساب الصين . ولأول مرة في حياته الدبلوماسية تلاشى هدوء الأديب اللين العبارة ، وفقد رباطة جأشه ، وتوجه إلى البيت الابيض حيث ذكر الرئيس روزفلت بعهوده الكثيرة التي قطعها على نفسه للصين . وعلي إثر تلك الزيارة قضي روزفلت وكورديل هل على تلك الإشاعة الخطرة بأن أخبر اليابانيين صراحة بأن الولايات المتحدة ثابتة على موقفها .
ومن عجب أن يكون هوه شيه الثائر محافظا في حياته الخاصة . وعلى الرغم من أنه وجد رفيقا ساحرا في شخص طالبة صينية حسناء في فاسار (وكانت قد الفت زيارته في كورنيل حيث كان يجذف معها في زورق عبر البحيرة متحدثا إليها في شؤون الفلسفة) فقد اطاع والدته وتزوج الفتاة التي اختارتها له عند ما كان في الحادية عشرة . ولقد ترعرت في تونج - هنسيو كافة الفضائل المأثورة عن الزوجة
الصينية ، فهي طاهية ماهرة ، ويتحدث معارفها ببراعتها في إعداد الفطائر المحشوة باللحم ؟ وهي تحب زوجها وتعجب به ، فهو الذي علمها القراءة والكتابة ، ولكنها تراه بعيد المطامح . ولقد انفق شهورا طويلة في سبيل إقناعها بأنه لا غبار عليه ان يصبح سفيرا ، ولما كانت مسز " هوه " لا تتكلم الإنجليزية فهي تعمدة غالبا إلى دفن وجهها في كميها الفضفاضين ، مرسلة ضحكات الخجل في حضرة الضيوف الآجانب.
وانفق هوه شيه اسعد أيام حياته في منزله العصري الطراز بمدينة بكين ، أما اليوم فهو يحس بحرمانه من " المسرات البيتية . وعلى الرغم من ان ولديه يدرسان في بعض الكليات الامريكية الان ، فإن مسز هوه بقيت في الصين اعتقادا منها ان وجودها في واشنطون قد يكون مدعاة لارتباك زوجها وقلقه .
ويستقبل هوه شيه في دار السفارة أفواجا لا نهاية لها من الوافدين ، بينهم كثير من الأدباء الممتازين . وحدث ذات مرة ان وجهت إحدي الشابات إلي هوه شيه السؤال التالي : " ما هي أعمالك يا سيدي السفير ؟ " فأجاب هوه شيه خمسة وتسعون في المائة منها متصل بالشؤون الاجتماعية ، فأعادت الفتاة الكرة سائلة " وماذا عن الخمسة في المائة المتبقية ؟ " فقال السفير " دعيني أفكر في ذلك . . إنها تتعلق بالمسائل الاجتماعية كذلك " ومن مظاهر نشاطه الاجتماعي ان يخطب في جمعية تجار نيويورك ونادي الاتحاد الرياضي ، ويحاضر في جامعة " بيل وعشرات غيرها من الجامعات ، وعلى الرغم من تعلق هوه شيه بالأدب فقد احرز خبرة وثيقة بالشؤون الفنية ، ويكفي أن يسمعه المرء متحدثا عن مزايا " القلاع الطائرة ، - وهي من اطرزة الطائرات التى تستطيع الصين ان تغير بها علي بلاد اليابان - ليعلم ان الحرب لا تواجه بالفلسفة المندفعة وحدها.
ونشر هوه شيه مؤلفات بينها كتاب " تاريخ الآداب الحية " ومختارات للأغاني الصينية " وطائفة كبيرة من الموضوعات ومئات من القصائد الدارجة . وحرر مجلات مختلفة أدبية وسياسية ، واعان على ترجمة كثير من روائع الآداب الغربية إلي اللغة الصينية وقد جعل اثار كونفوشياس قريبة من متناول يده ، وسائلة مع مداد قلمه.
وكان من آثار تعلقه الشديد بالسلام فيما مضي أن حمل عليه بعض المتطرفين الصينيين ونادوا به خائنا وقد ناهضته حكومة تشانج كاي تشيك المؤلفة من حزب واحد سنوات عديدة فحمل عليها حملات لاذعة بيد انه عندما صارت الحرب ضد اليابان أمرا لا مفر منه - وكان تشانج كاي تشيك قد ساوره الشك في افراد حزبه الذين لا يعرفون سوى الموافقة على طول الخط - جمع حوله فجأة أشد منتقديه صراحة ليرى ما إذا كان من الواجب المساومة أو المقاومة ؛ ودفن الجندي والأديب احقادهما القديمة ، ومع ذلك فغالبا ما ينتقد هوه شيه السفير حكومته . ولقد ابي حتى اليوم الإنضمام إلي حزب " الكومنتانج " قائلا : إنه إذا كانت عضوية الحزب لابد منها في سبيل قيامه بأي واجب سياسي فإن الصين لن تكون بلدا ديموقراطية.
وعلى الرغم من أن هوه شيه رجل انيس ، إلا أنه ليس من المغرمين //المدلمين// بالمجتمعات ، وهو لا يختلط كثيرا بالجالية الصينية في امريكا ، وهم يواظبون على دعوته إلي حفلاتهم ، ولكنه ينيب عنه دائما سكرتير السفارة . ولما كانت أسرة هوه شيه من ولاية انهوي ومعظم الجالية الصينية في أمريكا من مقاطعة كانتون فالسفير في اعتبارهم غريب عنهم.
ولقد كف هوه شيه عن بحوثه وكتاباته بعد أربع سنوات امضاها في جو السياسة . وهو يتوق إلى الهدوء مرة اخرى للقيام بجولة واسعة في البحث العلمي ، ينجز فيها كتابه عن " تاريخ الآداب الصينية " غير انه لا مناص لأديب الصين الأعظم من مواصلة القيام بوظيفة
السفير ما دامت هذه المحنة . والذين يقابلون ذلك الرجل القوي اللبيب الواثق ، يعرفون السر في امتناع هزيمة أهل الصين البالغ عددهم . ٤٠٠ مليون نسمة . ويقول هوه شيه في تواضع : إن وحدة امته القومية التي عمل على تكوينها واحد وعشرون قرنا لا يمكن ان تعصف بها سنوات دموية قليلة.
