الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 14الرجوع إلى "الثقافة"

سيد ربيعة، كليب التغلبي

Share

كان اليوم من تلك الأيام المطيرة التي يقل وقوعها في شتاء الصحراء ، وقد اسفر وجه السماء بعد هطول المطر الغزير ، وصفا الجو ، ورق النسيم البارد ، وسطعت الشمس رقيقة دفيئة  ، تكسو أديم الرمال النظيف الزاهي فيبدو في ضوئها لامعا كأنه التبر .

ونظر وائل التغلبى من جانب الوادى الذي ضربت فيه خيامه ، وجال ببصره في التلال المحيطة ، فاهتز قلبه لجمال المنظر ، وامتلأت نفسه بنشوة الحياة. ورأى على بعد جدولا يترقرق ماؤه من تلمة عالية ، وينساب متلألئاً في الضياء إلى بطن الوادى المجاور ، ثم يغيب فى روضة ملتفة الأغصان، يتماوج عشها الأخضر مع ريح الشمال وتتراقص أعوادها في هوادة ورفق ، وتتلامس أوراقها في وداعة وهدوء.

فتبسم البدوى للمنظر الفائق ، وتنفس أنفاساً عميقة من الهواء الصافى، وسار نحو الروضة بخطي قصيرة ثابتة. وكان على مقربة منه عبد أسود ، قد وقف يترقب حركاته فى خشوع ، فأشار إليه إشارة خفيفة ، فأسرع العبد إليه ، ووقف على خطوتين منه وهو صامت مطرق ينتظر أمره..

فقال وائل : ( جهز طعاماً وشراباً ، واتبعنى إلى هناك ) وأشار بيده نحو الروضة من غير أن ينظر إلى العبد فحنى هذا رأسه في ذلة ، ولم يرفع بصره نحو سيده ، ثم سار مسرعا نحو البيوت وقد فهم ما يقصده سيده ، فلقد كانت عادة وائل أن يذهب إلى الروضة ليقضى بها يوما في

عزلة وسكون كما صفا الجو واعتدل الهواء ، ولا سيما في مثل هذا اليوم المطير

وسار السيد بخطاه البطيئة نحو البقعة الخضراء، وسار وراءه كلب صغير يشم آثار أقدامه في خضوع وذلة وقد وضع ذيله بين رجليه ، وتعتريه رجفة بين حين وحين كلما خفق ثوب سيده في الهواء ، أو انحدر نحوه حجر خبطه البدوى بخفقة في أثناء صعوده جوانب الربي.

ولما بلغ وائل أول الروضة وقف هنيهة ، ثم أشار إلى الكلب الصغير بطرف سيفه المدلى من حمائله حول عنقه، ففهم الكلب الإشارة ، ووقف حيث كان وهو يعوى عواء خفيفاً كأنه يجيب مولاه صادعا بالأمر

ودخل الرجل الروضة فجاس خلالها ، ينظر ما بها من آثار، ويقف عند ما بها من زهور فيتأملها مليا ، ثم يمضى عنها متباطئا ، ويمد يده إلى الأغصان المتدنية عابثاً بأوراقها حيناً ونازعاً بعض أعوادها حينا .

واقترب من غصن كثيف الأوراق متعرج الفروع ، فمد يده إليه ، وهزه بغير اكثرات، فاذا بقنبرة تطير من فوقه فزعة، وتنتقل إلى شجرة مجاورة، وتنظر إلى الزائر المفاجئ في ذعر واضطراب، وهي مترددة بين البقاء والهرب ؛ فوقف يرقبها لحظة ، ثم تبسم وعاد إلى الغصن فرفع أطرافه المتدلية الملتفة ، فاذا به عش القنبرة وفيه فرخان صغيران لا يغطى جسميهما إلا الزغب الأخضر ، فرجع مسرعاً خوف أن يؤذيهما ، ثم نظر إلى القنبرة وقال كانه يخاطبها :

ايتها القنبرة عودي إلى عشك فأنت في حمى وائل بن ربيعة )

ثم أوغل في الروضة حتى بلغ مكاناً عالياً قد ظللت عليه أشجار ملتفة فحمته من بلل المطر، وسقطت عليه الأوراق فكسته فراشاً وثيراً ، فجلس هناك واضطجع يتأمل السماء من خلال الغصون ويتلقى شعاع الشمس المائل داخلاً إليه من بين الجذوع.

ووقف الكلب الصغير عند مدخل الروضة ولم يدخل وراء سيده ، فقد اعتاد كلما ذهب سيده إليها أن يقف هناك كالحارس الأمين ، فإذا رأى قادماً من بعيد نبحه ، فيعرف القادم أن وائل بن ربيعة هناك ، وتعود الناس كلما رأوا الكليب واقفاً عند مدخل الروضة ، أن يعرفوا أن الأمير العظيم جالس بها . فيتيامنون عنها أو يتياسرون ، مراعاة لحرمته ، وإكباراً لشأنه، ووبل لمن يتجرأ فيتعدى حدود الروضة ، ولا يرعوى بنباح الكليب

وسرت تلك العادة في قبائل ربيعة كلها ، واعتاد الناس أن يخاطب أحدهم الآخر فيقول :

" عرج بنا عن مكان الكليب " .

فيرد الآخر قائلا :

" أبعد بنا إلي الوادي المجاور فالكليب هناك "

وأصبح اسم الكليب في لغتهم واصطلاحهم علماً على الأمير الكبير ، حتى صارت عادتهم فى القول أن يذكروا زعيمهم المبجل باسم الكليب، وصار الأمير إذا تكلم عن نفسه لم يتسم إلا باسم الكليب. ذلك هو كليب التغلبي البطل المشهور

كان كليب التغلبي سيد قبائل ربيعة الذي قاد عرب الشمال إلى النصر ، وجمع كلمتهم ، وأعلى شأنهم ، وهزم بهم قبائل المين التي كانت تبسط سلطانها من قبل على كل البلاد العرب من جنوبها إلى شمالها ، فأوقع بأهل اليمين وقعة عظيمة عند جبل حزاز ، فأزاح نيرهم عن كاهل قومة

وأزال عنهم معرة الذل والهوان ، بعد أن ذاقوا مرارتهما زمناً طويلاً. ومنذ ذلك الحين أصبحت قبائل ربيعة سيدة بلاد تهامة ونجد ، تحل في أطيب مراعيها ، وتشرب من أعذب عيونها ، وتضرب خيامها فى أنضر رياضها .

وكانت أعظم قبائل ربيعة ، وأعظمها شأناً قبيلتان هما : بكر وتغلب المنحدرتان من جد واحد، وهو وائل بن قاسط ، وهاتان القبيلتان هما إخوة كليب، وبنو عمومته، يلتفون حوله ، ويأتمرون بأمره ، ويسلمون له قيادهم من طاعة واختيار ، لأن عزهم مستمد من عزه ، وسيادتهم مشتقة من سيادته . فكانوا يجلونه أعظم الاجلال ، ويخصونه بأكبر الاكرام ، إذا جلسوا في حضرته جلسوا مع الاحتشام والهيبة ، وإذا نطقوا في مخاطبته تكلموا مع الاذعان والرهبة. وداخل ذلك الزعيم الزهو والكبر وأخذ من قومه ما أعطوه على أنه حق ، وعد نفسه فيهم السيد الذي لا ينبغي لأحد أن يعصيه ، حتى بلغ من أمره أنه كان إذا دخل الروضة ، كما فعل في ذلك اليوم المطير اكتفى بأن يجعل كلبه عند مدخلها ، فلا يجسر أحد على الاقتراب منها ، ما دام ذلك الكتاب واقفاً بدل الناس على أنه فيها.

اضطجع كليب في مجلسه ذات ساعة ، وجعل يتذكر ما مر به من حوادث نضاله القديم، ويداعب كبرياءه ، لما بلغه من مجد وسلطان في قومه، وفيما هو في ذلك سمع ضجة تقترب من مكانه ، فقام من مضجعه ليرى مبعث ذلك الصوت، وأشرف على الوادى من جانب التلمة ، فرأى إبلا تهوى إليه ، وتملاً مجراه ، وهى تهدر وتضطرب.

جاءت الإبل تجرى فى ذلك اليوم نحو الوادى العشب تريد الشرب ، فقد مضى عليها أيام لم تذق فيها الماء. فلما نزل المطر في ذلك اليوم ، وشمت رائحة الماء على مقربة منها بادرت تجرى إليه لتروي ظمأها الشديد. وكانت إبل ربيعة مختلطة ، بعضها الكليب التغلبى ، وبعضها لكبار

بني عمه شیوخ قبائل بكر. وتزاحمت الإبل تطا العشب وتلوى الغصون ، حتى أقبلت على بطن الوادى حيث كان الماء مجتمعا ، وجعلت تشرب شرب المحروم الظمآن والرعاة من خلفها يحاولون صدها ولا يستطيعون ، ونظر كليب ، فرأى ناقة ضخمة كانت أشد الإبل خبطا ، وأكثرها عجيجا واضطرابا، جاءت تندفع وتدفع ، وتطأ ما في سبيلها إلى الماء في هياج وصخب ، حتى قربت إلى المكان الذى فيه عش القنيرة المسكينة التي أجارها كليب وجعلها في حماه، فخبطت العش يخفيها فحطمته ، وطارت الفنيرة الوالهة المرتاعة ترفرف وتصفر فوق الغصون البعيدة كأنها تبكي صغارها ، التى وطئتها الناقة الثائرة ... فأسرع كليب نحوها ونظر إليها فأنكرها ، لأنها لم تكن نافته ، ولم يرها ترعى من قبل مع إبله . فقيض على سيفه وهم أن يجرده ليعقرها عقاباً لها على جريمتها في الاعتداء على حماه ، ولكنه سمع عند ذلك صوتاً من ورائه ينادى :

" تمهل يا كليب ! لا تفعل " .

فرفع الأمير يده عن السيف ونظر وراءه فرأى شابا ينظر إليه فى شىء من الغضب والتحدى فعرفه، وكان ذلك الشاب أخا زوجته ، جساس بن مرة من بنى أعمامه من بكر

فقال كليب : لمن هذه الناقة الحمقاء ؟». فقال جساس : ( هی ناقتی ) قال كليب : « ليست ناقتك . فإنى لم أرها من قبل » قال جساس : «هي ناقة ضيف نزل عندى وهى في جوارى " .

فقال كليب وقد عاد إلى القبض على سيفه : " لقد حميت هذه القتبرة التي وطئت الناقة عشها .

فقال جساس متحدة : « وناقة ضيفي فى حماي فصاح به کليب: «أتحمى على ياجساس؟) فقال جساس : إنها ناقة ضيفي )

فترك كليب سيفه مرة أخرى، وقال متساهلا : « لقد هممت أن أقتلها. ولكن احذر أن تعود تلك الناقة إلى الرعى في مرعاى » .

فقال جساس وقد حضحك ساخراً : مرعاك كأننا لا يحق لنا أن نرعي إبلنا في هذه الأرض ! .

فتألم كليب لذلك القول الذى لم يتعود سماع مثله وعلا الدم في وجهه ، ولكنه تذكر أن جساساً صهره أخو امرأته العزيزة جليلة ابنة مرة ، وهو فوق ذلك فتى أخرق وفارس شجاع ، وأبوه مرة بن شيبان شيخ بني بكر جميعاً . فتمهل في الجواب وكظم غيظه ثم قال : «أنصحك أن تبعد هذه الناقة عن إبنك )

فأجاب جساس متحديا : " لن أبعدها ، وسترعي مع إبلي وحق مناة " .

فتقدم كليب نحو الشاب وقال مهددا : " أيها الفتى  ! إنك تكلم كلبيا . وحق الهة وائل لئن عادت هذه الناقة إلي الرعي هنا لأضعن سهمي في ضرعها " .

فضحك جساس مرة اخري ساخرا وقال : " إن وضعت سهمك في ضرعها وضعت رمحي في نحرك " .

ثم مضي مسرعا عنه وهو يخرق الأرض بسنان رمحه وعيناه تقدحان شررا .

فأسرع كليب وراءه حتي أدركه عند طرف الروضة وقبض علي ذراعه وقال : " إلا تعرف أن هذا حمي لي ؟ "

فقال الفتي : " هذه أرض ربيعة " . فقال كليب مشيرا إلي الكلب الصغير : " ألا تنظر هذا الكليب ؟ "

فقال جساس : " أيهما ؟ "

فانتفض كليب كأنما لذعته نار وقال : " أيها الفتي الوقح ! ويل لك : " .

فوقف جساس أمامه رافعا رأسه وقال : " الوقح من يشتمني " .

فقال كليب وهو يهزه هزا عنيفا :" أبهذا تخاطب سيد ربيعة ؟ "

فتخلص جساس من قبضته ، ووثب كالثعبان حتى وقف أمامه وجها لوجه وقال : « نحن الذين سودناك . لم تسدنا بعبيدك بل سدت لأننا عززناك ، حاربنا معاك حتى انتصرت بنا . أتريد أن تجعلنا عبيداً لك ؟ ) .

فخشى كليب أن يخرج الفتي في قوله إلى أكثر من ذلك فاكتفى بأن قال : سأعرف كيف أؤدبك».

ثم مضى عنه راجعاً إلى مجلسه في الروضة . وقد اشتد غضبه، وقضى بها ساعة وهو ثائر النفس مضطرب الفكر ، وتعكر الصفاء الذي خرج ينشده في ذلك اليوم الجميل .

في هذه اللحظة أقبل العبد متردد الخطى يحمل فوق رأسه صحفة واسعة بها طعام أعده لسيده ، فلما وقعت عينه على وجه مولاه وقف وجلاً خوف أن تصيبه بادرة من بوادر غضبه

فقام كليب كالأسد الغاضب نحوه ، ونفس من غيظة الذى ملأ قلبه بأن ضرب الصفحة بطرف سيفه فألقاها عن رأس العبد ، وبعتر ما عليها من أطايب الطعام التي بعثت بها إليه زوجه الوقية جليلة بنت مرة. ولم يطلق البقاء هنالك يومه كما كان يريد عند خروجه فقام عائداً إلى بيته ، ولا يكاد يبصر مواقع أقدامه من الغضب

وكانت جليلة واقفة عند باب البيت عندما أقبل كليب ، فلما وقعت عينها عليه عرفت في وجهه الغضب ، فارتاعت واضطرب فؤادها ، وعلمت أنه لم يعد إلا لأمر عكر عليه صفوه ، فسارت مسرعة نحوه ووجهها يتم عما يثور في نفسها من المخاوف.

ولم يأخذها بين ذراعيه كعادته إذا أقبل . ولم تهم هى  بالاندفاع إليه كعادتها عندما تراه راجعاً ، بل وقفت على خطوة منه ، وجعلت تفرك يديها لتزيل عنهما أثر الدهن الذى أصابهما وهي تعد له الطعام ، ثم قالت : « أراك قد عدت مبكراً يا ابن العم ؟ »

فقال وهو يعلق سيفه في عمود الخيمة في وجوم : شر مستطير وحق مناة ! )

فقالت وهي تمانع نفسها من إظهار الجزع  " هل غضبت لأمر ؟ " .

فقال متجهما وقد نظر إليها : " أترين يا جليلة أحدا من العرب يمنع مني جاره ؟ " .

فقالت : " ومن يجرؤ على ذلك إلا أن يكون عمك مرة . هل حدث بينكما أمر ؟ " .

فقال كليب : " لم أر أباك اليوم " . فقالت جليلة في شئ من الارتياع : " إذن هو جساس اخي " .

فقال كليب بحقد : " وشتمني " . فقالت جليلة وقد اقبلت عليه قطوفته بذراعها : " دع جساسا يا ابن عمي . إنه فتي أخرق " .

فقال كليب ، وهو يتخلص من ذراعيها : " اخرق ؟ أعلى أنا ؟ "

فعادت  جليلة إلي التعلق به وقالت : " أتوسل إليك ياابن عمي أيها الزوج العزيز اتوسل إليك ألا تقطع رحمك " .

فقال كليب : " هو الذي يقطع الرحم . أترضين أن يهان كليب يا جليلة ؟ "

فقالت جليلة وقد أخذت وجهه بين يديها : " اعف عنه من اجلي ، اعف عنه ياكليب ؛ هو اخي فأكرمني بالتجاوز عن خطئه . عدني بحق مناة . أتفعل ؟ " .

فسكت كليب ولم يجب بل حاول أن يتخلص من يديها ولكنها تعلقت به ، واستمرت تتوسل وترجو .

ونظر إليها كليب فرأي دمعة تنحدر على خديها وهي متجهة إليه بعينها المغرورقتين . فتردد لحظة ثم ضمها بين ذراعيه بقوة وقال لها : " لقد عفوت عنه ياجليلة من اجلك " ثم قبلها بين عينيها .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية