( كتب الكاتب يرتنا كس " مقالا في بعض صحف أمريكا زعم فيه أن لفرنسا حقا في مركز خاص في سوريا ولبنان لأنها الأرض التي غزاها جودفري بويون ! ( هكذا ) .
أما السيد الأول فهو الأمير ( جود فري دي بويون ) . ولفظ السيد كما هو معروف يطلق عادة على الرجل الذي يخضع له الرجال طوعا أو كرها ، وكانت العصور الوسطى بغير شك تمتاز بطائفة من الرجال لهم من الشجاعة وشرف النسب ووفرة المال ما يجعلهم سادة يخضع لهم الرجال
وكان ( جودفري دي بويون ) من أماثل هؤلاء السادة بغير نزاع . كان يحكم إقليم ( لونارجيا ) ويسميه الفرنجة اليوم اقليم اللورين .
وكان ذلك الاقليم عند ذلك جرمانيا يسكنه الجرمان ويخضع حاكمه لامبراطور الجرمان ، يدين له بالولاء على النظام الإقطاعي المتبع عند ذلك
وكان ذلك الامبراطور يحكم الدولة الرومانية المقدسة كلها وتنطوى تحت علمه أكثر أقطار أوربا .
وكان السيد ( جودفري ) يعيش في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي ، أي منذ ثمانية قرون ونصف ، أو يقول آخر ، كان يعيش في منتصف المسافة الزمنية التي تفصل بين عصرنا هذا وبين ميلاد السيد المسيح عليه الصلاة والسلام . فما أقوى ذاكرة من يذكرون السيد ( جودفري ) في هذا العصر البعيد ؟ .
وأما السيد الآخر فهو ( يرتناكس ) وهو رجل من آحاد الناس مثلي ومثل القارئ . وقد كتب مقالا منذ حين في بعض صحف أمريكا يطالب فيه أن تكون فرنسا صاحبة مكانة ممتازة في سوريا ولبنان ، بحجة ان السيد ( جودفري ) كان فرنسيا وكان له الفضل في فتح بيت المقدس منذ قرون .
ولسنا نظن أن السيد برتناكس من سادة القرون الوسطى ، أو أنه يتحمس لإخوانه سادة تلك العصور لمجرد التعصب . ومهما يكن من الأمر فامريكا لا تعترف بالعصور الوسطى ولابسادتها ، لأنها دولة حديثة فيها أمة شابة لم تعاشر في يوم من الأيام سادة عهد الإقطاع . فالسيد برتنا كس إذ يكتب في صحف أمريكا إنما يتغني بأغنية ( ناشزة ) لا تنسجم مع نفسية الأمريكيين ، ولعله رجل فرنسي من نسل السادة القدماء ، فهذا يفسر حماسته لأمراء القرون الوسطى ، لأن فرنسا من أعرق امم الأرض نسبا ، ولا عجب إذا كان من أبنائها من لا يزال يقدس أيام ( جودفري دي بويون ) .
ولكن العجيب أن إعجاب ذلك السيد بالأمير الاقطاعي القديم يحمله اليوم على المطالبة لفرنسا بمكانة ممتازة في بلاد سوريا ولبنان إكراما لذكراه ! ويزيد الأمر عجبا أن السيد برتناكس بنى مطالبته على أساس وهم وقع فيه في فهم حقائق التاريخ فقد زعم أن ( جودفري ) فرنسي وأنه قاد الصليبييين إلى الشام وانه فتح تلك البلاد وملكها لفرنسا ، مع أن الحقيقة تخالف كل هذا . ونحن نتطوع بأن نرده إلى الصواب . هداه الله وإيانا إلى الصواب .
( فالسيد ) جودفري ( لم يكن في يوم من الآيام فرنسيا ، بل كان جرمانيا قحا خالص الدم . ولو سمع وهو في جدته بأن رجلا من أهل القرن العشرين يدعوه فرنسيا لما رضي بذلك ، بل لغضب له غضبة شديدة لا ندري ماذا يكون أثرها
وكان ( جود فري ) أميرا متحمسا للدين ، مثله في ذلك مثل سائر أمراء أوربا في تلك العصور فلما سمع الدعوة إلي حرب المسلمين لانتزاع بيت المقدس من أيديهم سارع بجيشه الجرماني إلى الانطواء تحت علم الصليب وسار مع جموع أمم أوربا نحو الشرق يضرب في سهول أوربا والمجر حتى بلغوا القسطنطينية أخيرا عاصمة الدولة الرومانية الشرقية ، وكان امبراطورها رجلا صاحب حيلة واسعة وهو
الكسيس . وكان هذا الامبراطور سبب الدعوة إلى الحرب الصليبية وقد اثارها لغرض في نفسه لأنه كان داهية في السياسة ، فلما رأي المسلمين يهددون ملكه ويوشكون ان ينزعوا منه القسطنطينية العظمي لبس مسوح الرهبان وأعلن ان المسيحية في خطر وان واجب المسيحيين يدعوهم إلي حرب المسلمين ، فلبي دعوته امراء اوربا المتحمسون وسارعوا بجيوشهم نحو الشرق . ولما نزل السيد ( جودفري ) وجنوده بالقسطنطينية ونزل بها سائر الامراء والجنود من مختلف الشعوب ، وجد الكسيس أن المسلمين مع عنفهم في حرنه وشدة خطرهم على دولته أهون عليه من أعوانه المتحمسين . وما كان أشد سروره عندما رآهم أخيرا يغادرون بلاده ذاهبين نحو الشرق لحرب المسلمين
وسارت الجيوش الصليبية بأمرائها وجنودها إلى أسيا الصغري ثم إلى الشام وفتحوا بلادها مدينة مدينة حتى دخلوا بيت المقدس وكان قائدهم الأعلى سيدا جرمانيا آخر اسمه ( يوهمند ) ولم يكن السيد ( جودفري ) سوى واحد من مئات الأمراء
وأراد الحظ أن يكون السيد ( جودفري ) في طليعة الموكب الذي دخل إلى بيت المقدس يوم الفتح فلتسدل هناك الستار على القرن الحادي عشر
ثم مر الزمان ومضي عام بعد عام حتى تم قرن كامل ثم عاد المسلمون فطردوا الصليبيين من بيت المقدس ، وكان قائد المسلمين عند ذلك صلاح الدين الأيوبي العظيم . ولا ينسى التاريخ يوم وقف يواسى المساكين من حفدة جنود السيد ( جودفري ) ويحقن دماءهم ويبذل المال الكثير ليفتدي منهم الضعفاء الذين كانوا لا يملكون المال المطلوب معهم للفداء فالتاريخ ذاكره نعي الحوادث وتقرن آخراها وأولاها
ومهما يكن من الأمر فقد آلت بلاد الشام ولبنان بعد حين لحكم أهلها وعادت الحقيقة الخالدة إلى نصابها . تلك الحقيقة التي يكررها التاريخ ولا يمل ترديدها ، وهي أن
أهل كل بلاد يجب أن يكونوا أصحاب المكانة الممتازة فيها .
ولو صح أن يكون لدولة من الدول حق في مكانة ممتازة من بلد آخر غير بلادها إكراما لذكرى حوادث التاريخ الماضية لصح لنا معاشر أبناء الدول الإسلامية أن نطالب بمكانات ممتازة في كثير من أقطار الأرض . فقد غزا المسلمون فسيح الأقطار حتى بلغوا فرنسا وأقاموا بها مدة من الزمان
ومهما يكن من الأمر فإن السيد برتناكس قد أخطأ في أمور كثيرة دفعته إليها حماسته ، فإن ( جودفري ) لم يكن فرنسيا ولم يكن قائدا عاما ولم يكن في يوم من الأيام ملكا على بيت المقدس ، بل لم يقض في جوار المسجد الأقصى أكثر من عام واحد ثم مضى إلى رحمة الله .
على أننا لا نفرض على السيد الكاتب بالتماس المعاذير . فان اسم ( جودفري ) من الأسماء التي نسجت حولها الأساطير العجيبة منذ القرون الوسطى وطالما تغني باسمه الشعراء ، وكثيرا ما ألف فيه القصصيون غرائب القصص . فاسمه في الأساطير شبيه باسم هارون الرشيد في قصص ألف ليلة وليلة ، وله في الخيال صور جعلته لا يزال قريبا إلى الألسنة والقلوب .
ومن الأغاني الرنانة التي نسجت حول اسمه ( أغنية انطاكيه ) ومنها ( أغنية أورشليم ) بل لقد خلع اسمه نورا سحريا علي آبائه الأولين ، فهناك قصة ) البجعات السبع ) وفيها ذكر جده الأعلى ( هلياس ) الذي كان لا يرضى أن يسأل عن أبيه .
فالسيد يرتناكس معذور في أنه يتغني اليوم باسم ( جودفري ) ويخطئ في حقائق تاريخه ، ويتحمس له تحمسا يحمله على المطالبة لفرنسا بالمكانة الممتازة في الدول الأخرى حفظا لذكراه لأن الأساطير كانت منذ القدم ذات أثر عظيم في نفوس أصحاب الخيال .
ولكننا مع ذلك واثقون من أن فرنسا وهي البلاد
التي كانت مهدا للحرية والديمقراطية والتي عرفت مرارة الطغيان وقسوته ، لن يكون تفكيرها مثل تفكير السيد ( يرتناكس ) ونحن واثقون كذلك من أن فرنسا التي كانت في طليعة موكب المدنية والتقدم لن ترضى لنفسها أن تسير في موكب متقهقر إلى الوراء ، وتسعى الى أيام القرون الوسطى كما يريد لها الكاتب المتحمس إكراما لذكري السيد ( جودفري دي بويون )

