الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 168الرجوع إلى "الثقافة"

سيرة أحمد بن طولون

Share

الأستاذ محمد كرد على بك ، رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق ، حركة لانني وعمل لا يفتر . صاحب الدهر ستين عاما ، وما تراه إلا مؤلفا أو محدثا او محاضرا أو مشجعا أو ناشرا كتب السلف باحثا عن جواهر الأجداد : فإذا كتب فصفاء أسلوب وحلاوة سرد ، وإذا حدث فبراعة حديث ولطافة نكتة ، وإذا شجع فقوة تدب في الجسم ونشاط يتغلل في الجوارح ، وإذا نشر كتب السلف أراك معرض مناقب ومحاسن وجواهر .

أراد الأستاذ الجليل أن ينشر ذخائر السلف ؛ فعثر علي نسخة فريدة من سيرة أحمد بن طولون في المكتبة الظاهرية بدمشق ، فرأي ان في إحيائها مادة جديدة في تاريخ مصر والشام ، ولونا طريفا من ادب عصر ابن طولون ، فيه حلاوة وعليه طلاوة ، والفاظا فصيحات ومعربات في شئون الحياة ، كانت مألوفة في زمن المؤلف ونحن بحاجه إليها اليوم . دع ما هناك من قصص واقعية على مثال قصص الصولي والقاضي التنوخي ، تدل على كياسة ابن طولون وسياسته ، وتفيد القارئ من حكمته وحنكته ، وفيها متعة للنفس وسلوي ، وصورة صادقة من صور ذلك المجتمع ) ١ (

صور البلوي ابن طولون تصويرا بارعا ؛ فأبان من ذكائه وفراسته وسياسته ورحمته ، ومحاسنه ومكارمه ، مذ كان في بغداد طفلا يحفظ القرآن ويجوده ، ويأخذ الحديث ويتقنه ، وينظم الشعر بالتركية ، لغة ؟أمه وأبيه ، فيبرع فيه . إلي أن أصبح جندبا ، ثم في مصر واليا ، وكيف تجلي نبوغه بأجلي مظاهره ، وبدا حسن

تدبيره ونظامه ، وبان طموحه وثقته بنفسه . فأبعد الفوضى عن أحكام مصر ، ووضع لها قواعد العمل . وأصلح الري والطرق والترع والجسور ، واسقط بعض الضرائب ، واكتفى بالخراج والسكوس . ثم استطاع أن يتغلب على اصحاب بغداد ؛ فأنشأ دولة ، وجعل القاهرة في أعوام قصار كأعظم مدن الشام ، وتفرغ إلي إصلاح مصر .

وإنك لتستشف من خلال أقاصيص البلوي عن ابن طولون ، صورة السياسي الحاذق الذي يرضى الخصوم والأعوان ، والداهية الماكر الذي يكيد لمن في بغداد ، والقاضي العادل الذي يقضي علي نفسه ، والطاغية الجبار الذي يسفك الدماء ، والتجسس الطامة الذي يعلم كل شئ ، والناسك الذي يحافظ على صلواته ، والتقى الذى يصطنع التقوي ، والغادر الذي يغضب على اقرب الناس إليه ، والرجل ذي القلب الرحيم الذي يتفقد اليتامي والأيامى ، وذي القلب القاسي ، الذي كان في سجنه عشر الف إنسان ، والحذر الفطن الذي يسيء الظن بالمخلص له . ولا يثق بأحد من الناس .

وقد كتب البلوي هذا كله بأسلوب ناعم وقص بارع . ولقد قرأت هذا الكتاب مرات ، وإن نفسي ما تزال تهفو إليه فهو سيرة بطولة ، وسبيل زعامة ، وطريق حكم ، وصورة من صور العظماء ، ولا شئ يهذب الرجال كسير عظماء الرجال

ولقد أضاف الأستاذ الجليل إليه كثيرا من الشروح والتعليقات ، وألحق به بعض الفهارس . ولعمري إن كتابا يخرجه كبير العلماء في الشام ، ويشرف على طبعه الاديب الشاعر الأستاذ أحمد عبيد ، وتسمع فيه احاديث البطولة والعصامية ، وتري صفحات ناصعات من تاريخ مصر إن كتابا هذا شأنه لجدير بالقراءة جدير بالاقتناء

) دمشق (

اشترك في نشرتنا البريدية