في دار الكتب الظاهرية بدمشق طائفة من الكتب المخطوطة النادرة يجب العناية بأمرها ، وإعداد العدة لنشرها بين الناس محافظة على ذلك التراث العظيم الذي خلفه لنا الأقدمون ، ورغبة في إذاعة ما فيها من الفوائد العلمية ، والطرائف الأدبية التي تفردت بذكرها ، ومن تلك الكتب النفسية التى حفلت بها الكتبة الظاهرية كتاب سيرة أحمد بن طولون لأبي محمد عبد الله بن محمد البلوي ، الذي عني بنشرة الأستاذ العلامة محمد كرد على بك لأن في نشره
" إحياء مادة جديدة في تاريخ مصر والشام ، ولونا طريقا من ادب مصر الجميل فيه حلاوة وطلاوة ، ولان فيه الفاظ فصيحة ومعربة في شؤون الحياة كانت مألوفة في زمن المؤلف ، ونحن في حاجة إليها اليوم ؛ دع ما هناك من قصص واقية تدل على كياسة ابن طولون وسياسته ؛ وتفيد القارئ من حكمته وحنكه ، فيها متعة النفس وسلوي ، وصورة صادقة من صور ذاك المجتمع " وقد اتفق الاستاذ جهدا كبيرا في تحقيق هذا الكتاب لا يدرك كنهه إلا من
زج بنفسه في هذا الضمار ، وزاد من عنائه في عنائه إلي أصله أن المخطوطه لا نظير لها يمكن أن تقابل عليه ، وهي مع ذلك عارية عن النقط ، قد عائت فيها الأرضة ، وأصابهم على طمس بعض كلماتها. ولكن ذهن الاستاذ التاقب . وعلمه الواسع وصبره الدائب قد أعانه على حل ممياتها . وفك رموزها ، وكشف له عن كثير من أوجه الخطا وألوان التحريف حتى خرج الكتاب في تلك الصورة البديعة أقرب ما يكون من الأصل ، وادني ما يكون من الصواب ، وقد أحسن الأستاذ صنعا في كتابة الهوامش التى زيل بها بعض الصفحات ليتم بها ما فات المؤلف من أبناء ابن طولون . وكذلك أحسن كل الإحسان في وضع العناون للقصص والفصول تدل عليها ، ويرشد إلي مضمونها ، والكتاب من أهم الكتب التي تجمع بين الأدب والتاريخ والاجتماع ، وتكشف عن حياة عظيم من عظماء التاريخ النابغين الذين كونوا أنفسهم بأنفسهم ، ورغوا في المجد ، وسلكوا إليه كل سبيل حتي نالوا رغبوا فيه ، وعملوا له ، ومكفوا لسلطاتهم في الأرض ، ولذكرهم في التاريخ . وقد سلك المؤلف في تأليفه طريقة جميلة تلذ
الذوق ، وترضي القلب ، وترووق العقل ، وتشوق النفس إلي المضي في قراءة الكتاب حتى تفرغ منه ، يروي المؤلف الخبر بسنده القصير على نحو ما كان يصنع الرواة في القرون الأولى ، ولا يتواري خلف روايته بل يطالعك يشخصه ، ويصارحك برأيه ، ويصف لك شعوره أحيانا ، وقد يحلل ما يروي ، ويعلل ما يقص في بعض الاحايين ، وهو مولع بتنسيق الأخبار ، وترتيب الأبواب ، كل ذلك بأسلوب سهل يسير لا تصنع فيه ولا تكلف وقد ساعده اسلوبه العذب ورغبته في الإطناب ، وحبه للتفوق على من سبقه على رسم صورة جميلة لابن طولون ، لا أظن أن حاكما من الحكام قد ظفر بمثلها على كثرة الصور ، وتعدد السير التي صنعت لهم ، ومرد ذلك فيما أري إلي ابن طولون نفسه وما كان عليه من فطنة وذكاء ، فقد حدثنا الباوي في مواضع شتي من كتابه انه كان يستكتب كتابا يسميهم " كتاب السر " وانه أوصى أحدهم فقال له : " إني جعلتك صاحب خير على الفاظي ، فانظر كل ما يجري يبني وبين من يخاطبني من صغير وكبير ، فا كتب خطابه وجواني ، وخطابي إياه وجوابه لي ، وأعرضه على بالعشي " وان كتابه كانوا يرعون هذا أشد المراعاة .
ونقل أيضا حديثا طويلا جري بين أحد أصحاب ابن طولون ، وبين بعض العلماء وان هذا الصاحب لما حدث مما جرى قيل له : كيف حفظت هذا الكلام ؟ فقال كان كاتب السر بكتب كل ما يجري ولا يسقط من ذلك شيئا فسألت أحمد بن طولون أن يامر الكاتب بأن يطلق لي نسخة فأمره بذلك . وكان هؤلاء الكتاب في داخل القصر وفي خارجه يكتبون كل صغيرة وكبيرة ، ويرفعونها إليه . ومن ثم كان هذا الكتاب كأنه طائفة من التقارير والمذكرات التي كتبت في وقتها ، ويرجع الفضل في حفظها إلي أحمد بن يوسف كاتب الدولة الطولونية وأول مؤلف لسيرتها . وقد اعتمد البلوي على ما كتبه أحمد بن
يوسف وزاد عليه طائفة من الرسائل والوثائق والأنباء عن مرض ابن طولون وأيامه الأخيرة . وفصل القول في نشأته وأخبار حروبه وما كان بينه وبين ولده العباس وغلامه لؤلؤ . وذكر كل عجيبة من أنباء ذكائه ، ودقة ملاحظته ، وقوة فراسته وحسن سياسته وعدله ورحمته ومفاخره ومكارمه إلي غير ذلك من الصفات والميزات التي خلعها على ابن طولون . وإن أخذ على المؤلف شيء فهو هذا الغلو في الدفاع عن مساوي ابن طولون ، ومحاولته تبرير أعماله السيئة التي ارتكبها في شطط وإفراط ويؤخذ على المؤلف أيضا أنه أسرف في ذكر القصص الغريبة ، والحوادث العجيبة التي يستحيل على العقل تصديقها . ويصعب على الفكر قبولها ، والتي إن أرضت الفن فلن ترضي العلم ، وإن ظفرت بإعجاب الأدباء فلن ظفر بتأبيد المؤرخين ، وما أشك مطلقا في أن تلك الأنباء قد اخترعها البلوي ، وافتراها على التاريخ . وليس ذلك مستبعد هي رجل حدثنا عنه علماء نقد الرجال أنه صنع " رحلة الشافعي " وتمقها وطولها ما وسعه التنميق والتطويل ، وأيا ما كان الأمر فالكتاب جدير بالتقدير لأن فيه حقا كثيرا ، وأدبا عظيما ، وأيسر ما يقال فيه : إنه من أهم مصادر الأدب والتاريخ المصري التي تنبر تلك الفترة من تاريخنا المجهول . وهناك بعض ملاحظات عنست لي أثناء قراءتي السريعة لهذا الكتاب أحب أن أنه عليها رغبة في تصحيح الكتاب ، ومساهمة في رجعه إلي أصله ، وبذلك أكون قد أديت بعض واجب كقاريء نعم حينا من الزمان بقراءة هذا الكتاب الطريف .
١ - فمن ذلك ما جاء في ص ٧٦ " فلما أمعن في الصحراء ساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه فسقط الغلام فوقف عليه احمد بن طولون واخرجت يد الفرس فنظر فإذا بفتق ففتح وأصاب من المال ما كان مقداره ألف الف دينار ، وهو المطلب الذي شاع خبره ؟
والصواب فإذا يتفق
٢ - وفي ص ٩٦ : " فخارب بنفسه ساعة حربا شديدة بانت فيها رجولته وجزالته " ولا معنى لوصف الجزاله هنا ، والصواب وجراءته .
٣ - وفي ص ١٢٠ " وقدم بين بدء سببية فيها كوز ماء ، وقدح نصيف ، وجعل بين ندى الجارية صينية فيها قدح لطيف " وصواب نصيف : " نظيف " حتى تكون هناك مشاكلة بين نظيف ولطيف
٤ - وفي ص ١٤٢ " سنح له ذكر كاتب شاهده فخف على قلبه وافترس فيه خيرا " والصواب : تفرس .
* - وفي ص ١٨٧ " فدعاني يوما وقال لي : أتعرف إماما يصلي بالمتامة في موضع كذا فقلت له : نعم أنا أعرف المسجد وما أعرف الرجل " وقد ظن الأستاذ أن كلمة " المنامة محرفة وقال : كذا في الأصل ولعلها " المناخة " وللاستاذ العذر في هذا الظن فان " المنامة لفظة بصرية أصيلة بمعنى " الضريح " وهي لا تزال شائعة الاستعمال في هذه الأيام . وبعد فإنا نشكر الأستاذ الكبير كرد على بك على عنايته بنشر هذا الكتاب النفيس وتعده هدية كريمة من الشام إلي مصر نتقبلها شاكرين
وإني بهذه المناسبة أقترح على الأستاذ أن يحدثنا عن نوادر المخطوطات في الشام . ولئن كان هذا الحديث عنها مفيدا وممتعا في كل وقت فهو في هذه الأيام التي يستحيل فيها النشر لغلاء الورق أعظم فائدة وأكثر إمتاعا

