الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 262الرجوع إلى "الثقافة"

سيرة سيف بن ذى يزن

Share

وهذه سيرة من سير الأدب العربي الشعبي بشرت بالإسلام في الجاهلية وعرضت المسئلة السامية الحامية ، في كل جزء من أجزائها السبعة عشر ، وهي تلح على القارئ في وجوب الاعتقاد بأقدمية الإسلام وأفضلية نسل سام . وقد اعتمدت في تأييدها للفكرة الأولى علي ديننا الحنيف وتعاليمه القائلة بأنه قديم ، وأنه ملة إبراهيم . كما أنها عند تفضيلها للساميين على الحاميين استكتبت التاريخ ، واستلهمت العصور ، واستخدمت مختلف وسائل الدعاية . ولأمر ما تبدأ السيرة حوادثها بالكلام عن الملك اليمني التبعي ذي يزن الذي ذاع صيته ، واشتهر أمره ، ودانت له بلاد العرب الجنوبية ، واتخذ له وزيرا حكيما عاقلا نصفه السيرة بأنه لا نظير له في مشرق الأرض ولا في مغربها . وكان اسمه ( يثرب ) ، وكان مطلعا على كثير من الكتب القديمة والملاحم العظيمة مما فيها التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم الخليل . وقد علم ( يثرب ) من تلك الكتب أن نبيا اسمه عد سيظهر الإسلام ، ويبطل سائر الأديان التي لأهل الكفر والطغبان . ومن ثم تأخذ السيرة في عرض العلاقات بين جنوب الجزيرة وشمالها بأسلوب قصصي فكه ، وفي صورة جذابة ؛ فنحن نري الملك ذا يزن بعد العدة ويجهز الجيوش ويسير هو على رأسها إلي الشمال لمحاربة الملك ( بعلبك ) ولم تكد جيوشه تصل إلي بيت الله الحرام إلا ويظهر ذو يزن رغبته في هدم الكعبة ونقلها إلي اليمن ( ١ ) فينتقم رب البيت منه ، ويسلط عليه مختلف الأمراض التي أثنته عن عزيمته . وهي أثر هذه المعجزات

يعتنق هو وجيشه الإسلام ، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن إبراهيم خليله ، ويكسو الكعبة . ثم نجد الوزير ( يثرب)الذي كان يدين بالإسلام سرا يعلن إسلامه ، ويرجو الملك أن يسمح له ببناء المدينة التي أطلق عليها اسمه ، وذلك لأنه قرأ في كتب المتقدمين أيضا أن محمدا سيهاجر إليها . وبعد أن يفرغ ذو يزن من أرض الحجاز نراه يتجه شمالا إلي يمليك وببسط سلطانه ، ومن ثم ينتقل إلى أرض الحبشة والسودان ؛ وهنا تنتهي حقيقة حدود مناطق النفوذ العربي الجنوبي . فالنقوش التي عثر عليها رجال اللغات السامية سواء في بلاد اليمن أو على طول الطريق التجاري الممتد من جنوب الجزيرة إلي شمالها مارا بمكة ويثرب ومدائن صالح وتيماء وتبوك ومعان ودمشق ، وكذلك في بلاد الحبشة ، تثبت أن تلك البقاع كانت يوما ما خاضعة للنفوذ التجاري أو الثقافي أو السياسي اليمني . لكن في الحبشة والسودان نري السيرة تنحو نحوا عجيبا ، فهي هنا تمزج الدعوتين الإسلامية والسامية ببعضها مزجا تاما ، فهي بعد أن كانت لا تعني إلا بالإسلام وأقدميته أخذت نتحدث عن الساميين والحاميين ، فنري الوزير يقول مخاطبا ذا يزن

وجللت بيت الله خزا مزركشا

يحير عين الناظرين مرفما

وساعدتنى حتى بنيت مدينتي

يهاجر فيها سيد الأرض والسما

ويظهر دين الحق شرقا ومغربا

فيا فوز ذاك العصر من كان مسلما

إلي أن يقول :

فإن مليكا يملك الأرض كلها

يكن خميريا تبعيا ومسلما

بدعوة نوح داعيا كل اسود

لاولاد سام تابعين وحدما

وتعرض السيرة بعد ذلك لشرح دعوة نوح هذه كما يرويها أبو المعالي راوي سيرة الأمصار ، وسائق النيل من أرض الحبشة والسودان إلي هذه الديار ؛ فهو يقول : إن نوحا عليه السلام نام مرة وكان سام قاعدا عند رأسه وحام تحت رجليه ، فهب الهواء وكشف عن عورة نوح ، فضحك حام وغضب سام ، وتشاجر الأثنان ، فاستيقظ نوح واستطلعهما الخبر ، فقص عليه سام ما فعله حام ، فغضب والدهما غضبا شديدا ، ودعا علي حام بسواد البشرة وتمني الذريته استعباد نسل سام لها . وفي موضع آخر نقرأ كيف هاجز حام إلي إفريقية وكيف تزوج ( فمر شاهق ) بنت الملك (كركار )، ومن ذريتهما انحدر العنصر الحامي الأسود . فهذه الفكرة التي تتحدث عنها السيرة أعني أن الحاميين إخو للساميين هي فكرة صحيحة ، حتى إن علماء الأجناس واللغات يطلقون على الأسرة التي تضم هؤلاء الأقوام أو لغاتهم الأسرة السامية الحامية ؛ كما أن القول بأن الجزيرة العربية هي الوطن الأصلي للساميين والحاميين صحيح لا غبار عليه . أما هذه العداوة التي نجد صداها في مواضع كثيرة من السيرة ، والتي تقرأ شيئا منها في شعر يثرب وفي دعوة نوح ، وفي قول شامة بنت الملك الإفريقي أفراح :

عسي الصفو يهدي إلي نسل حام

ينالون عزا بقدر مهاب

عسى بطشة الدهر في نسل سام

يصيرون في الناس مثل الكلاب

فتفسيرها هذه الحروب الطاحنة التي قامت بين الساميين من ناحية وبين الحاميين من ناحية اخري ، اعني بين العرب والحبش والسودان . فالمصادر التاريخية التي بأيدينا سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية تحدثنا عن

كثير من هذه الحروب التي اتخذت أشكالا مختلفة ، فهي طورا دينية وطورا استعمارية ، وطورا تقتصر على الساميين والحاميين ، وطورا تتعدي العنصرين إلي الزنوج والأوربيين ( ١ ) . وإن كانت السيرة حريصة الحرص كله علي ألا تتعرض للنوع الأخير منها لعدم اتصاله بالعصر الذي تميل إلي نصويره لنا أعني العصر الجاهلي . فالسيرة في حديثها عن هذه الحروب تفتن في عرض الحياة وأعمال البطولة ، وهي صادقة في هذا العرض إذا اعتقدنا أن هذه السذاجة ترجع إلي عصر متأخر لا إلي عصور سابقة للأسلام أو المسيحية ، فسيف بن ذي يزن ، الذي ولد لأبيه في إفريقية ، والذي لقب بوحش الغلاة ، والذي أتي في صباه بأعمال كثيرة تدل على بطولته وشجاعته ، والذي أسند إليه مؤلف السيرة الدور الرئيسي ، شخصية تاريخية لا يتسرب الشك إليها ، فهو الأمير اليمني الذي قاد الجيوش العربية الجنوبية وطرد الحبش من بلاده بمساعدة الفرس عام ٥٧٠ م . وقد تحدث ابن هشام عنه وذكر لنا الكثير من الأشعار التي ننسب إليه أو فيات فيه . ولم تقف شهرة هذا القائد العظيم عند هذا ، بل نراه جدا للأسرة الحاكمة في ( بورتو) وبطلا من أبطال قصص سكانها .

ولكن بينما نجد مؤلف السيرة يختار سيف بن ذي يزن قائدا للساميين ، إذ به يسند زعامة الحاميين إلي ملك حبشي يدعي ( سيف ارعد ) ، فكان في اختياره للشخصية الثانية غير موفق ، وذلك لان التاريخ الحبشي ينص على ان ( سف أرعد ) هذا حكم البلاد فيما بين عامي ١٣٤٤-١٣٧٢ م ، اعني في القرن الرابع عشر ، بينما سيف

ابن ذي يزن من أبناء القرن السادس . ونقرأ في التاريخ الحبشي أيضا أن حياة هذا الملك كانت امتدادا لسلسلة أعمال القسوة والإرهاب التي شنها والده عند صيون : ( ١٣١٤-١٣٤٤ ) على المسلمين القاطنين في تلك البلاد والأقطار المجاورة ، حتى إنه أغار على صعيد مصر وأطلق سراح بطريرك الإسكندرية الأب مرقس الذي كان قد قبض عليه وإلى مصر وسجنه لامتناعه عن دفع الحزية . فنحن نري من هذا أن النزاع بين الحاميين والساميين انتقل إلي مصر بعد أن كاد يكون قاصرا على الجزيرة العربية والقارة الأسيوية . ولعل من الأسباب القوية التي نقلت هذا النزاع إلي فارتنا وخاصة إلي وادي النيل - إلي جانب الخلافات الجنسية والدينية - العوامل الاقتصادية ، وقد أشار إليها مؤلف السيرة وعبر عنها تعبيرا لا يقل طرافة عن أحاديث الإخصائيين من رجال وزارة الأشغال ؛ فقد ذكر في الصحيفة التاسعة عشرة من الجزء الأول طبع القاهرة سنة ١٣١٠ ه ما نصه : واعلم يا ملك الزمان أن هؤلاء الحبشة والسودان لابد أن ننفذ فيهم دعوة نوح عليه السلام ، لأنه مجاب الدعوة بين الأنام ، ولا شك في ذلك ، وأنهم يخافون على مجري النيل من نزوله إلي الأرض الوطيئة خوفا أن ينزل إلي مصر فهم جاعلونه على قدر أرضهم ، وإذا فاض يجعلون له تصاريف ينصرف فيها إلى الربع الخراب ، وأنهم لا يعملون عملا إلا بإذن الحكماء وهذا هو الصحيح والأمر الرجيح . وما زال الوزير بثرب يتحدث مع الملك في مجري النيل ووادي الأمصار وفي شأن الحيش . ويتفق المقريزي مع مؤرخي الحبشة على أن خصومات قوية قامت بين سيف أرعد وبين المسلمين ، وأن هذه الخصومات كانت سيئة جدا حتى أن مصر اضطرت إلي التدخل لوقف هذا العدوان ، وكان تدخل مصر هذا إلي جانب الأسباب الأخرى من العوامل التي جعلت الأمتين في سلام حينا

وعداء حينا اخر . كما ان شخصية سيف ارعد اصبحت بغيضة إلى مسلمي مصر ، وموضعا للقصص والسخرية و كتابة هذه السيرة التي يرجح انها وضعت عقب وفاة سيف ارعد ، أعني حوالي نهاية نهاية القرن الرابع عشر او أوائل القرن الخامس عشر

في تلك الفترة الفت السيرة ، ومصر هي وطنها . وذلك ما يلمسه القارئ فيها ، فمؤلفها خبير بمصر وجغرافيتها ، لغتها وعاداتها ، فهو يذكر لنا كثيرا من بلادها وشوارعها ، وقد جاء في السيرة ذكر اسوان وإسنا واخميم واسيوط ومنفلوط وملوي وإهناس وحلوان والجيزة ومصر ، وحارة بير الوطاويط وقلعة الجبل والروضة وبولاق ، كما ذكرت كثيرا من مدن الوجه البحري كدمنهود وقوة وفارسكور واسكندرية ورشيد ودمياط وسمنود . أما لغة المؤلف فغنية جدا بالتعبيرات المصرية بالرغم من محاولته إلباسها الثوب العربي الفصيح ؛ ونحن نذكر هنا على سبيل المثال (عيني رفت ) و ( وجه قدر الصينية ) و ( يا نور عيني ) .

والآن قبل أن تختم حديقنا عن هذه السيرة نحب أن تشير إلى ملاحظة هامة لاحظناها عند دراستنا لها ، وهي بأنها لم تصلنا كما وضعها مؤلفها ، بل اقحمت عليها مع مر العصور بعض النصوص التي تتعارض والأغراض الرئيسية التي رمي إليها المؤلف ؛ وإلا فكيف نفهم ان سيف بن ذي يزن هو زعيم العنصر السامي وانه سامي لغة وجنسا وينحدر من نسل حام ؟ ! كما جاء في الصحيفة السابعة والخمسين من الحر ، الثامن من السيرة : وهو سيف ابن دي يزن بن اسد البيداء بن حسان التبعي اليمان بن مهلول بن ماهيل بن ارجوان بن يحرون بن جندح بن حمير ابن هاني بن مرون بن شروان بن حمير بن عفيف بن كوش ابن حام أخو سام بن نوح :

اشترك في نشرتنا البريدية