دخل صلاح الدين يوما على الخليفة العاضد فأكرمه وقربه وأهداه كثيرا من التحف ثم اتصل الحديث بينهما مدة قال فيها الخليفة للوزير " أخبرني أيها الملك الناصر عن نور الدين الشهيد - كيف يحب الجهاد من أجل دينه ؟ قال صلاح الدين : والله يا مولاي إنه لأستاذنا الذي تعلمنا منه وتشبهنا به ، وهومنا بمكان الوالد لنا , نؤثره بحبنا ونقدمة على أنفسنا ، لأنه كثير الاهتمام بأمر المسلمين , وقد بلغ من شده اهتمامه بهم حين نزل الفرنج على دمياط أنه قرئ . عليه جزء من حديث النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا الحديث النبوي مسلسلا بالتبسم ، فطلب منه بعض من قرأوا له الحديث أن يبتسم لتم السلسلة على ما عرف من عادة أهل الحديث ، فغضب من ذلك وقال : إني لاستحي من الله تعالى أن يرانى مبتسما والمسلمون محاصرون بالفرنج " !
قال : العاضد أي خليفة في جلد الرجل ؟ هكذا والله ينبغي أن تكون أخلاق الملك والخلافة ! . قال الوزير صلاح الدين ، وضاقت ذات مرة يد هذا الأمير وعجز بيت ماله عن أداء بعض ما لجنده من العطاء ، فقال له أصحابه : يا مولانا إن في بلادك إدرارات كثيرة وصلات عظيمة للفقهاء والفقراء والقراء والصوفية - فلو استعنت الآن بها لكان أمثل ، " فغضب نور الدين وقال لأصحابه
والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك قائما ترزقون وتنصرون بضعفائكم كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم في فراشى بسهام لا تخطئ ، وأصرفها إلي من لا يقاتل عنى إلا إذا رآني بسهام قد تخطئ وتصيب . ثم إن هؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال اصرفه إليهم فكيف أعطيه غيرهم ؟ " فسكنوا . قال العاضد " نعيت أيها الرجل إلي نفسى .
يحدث هذا كله في بلاده ، ووزرائى لا هم لهم إلا جمع المال والتنازع فيما بينهم على الملك والسلطان !" قال صلاح الدين " يحفظ الله مولاي ويقيه سوء العافية " !
ثم إنه خرج من عند الخليفة فلقي بالباب صديقه ومشيره القاضي الفاضل فأخبره بأن شمس الدولة - وهو أخ لصلاح الدين كان أكبر منه سنا - قدم من قبل مولاه نور الدين ليبلغه تحيته وتحية أبيه نجم الدين ويقول له أنهما يطلبان إليه العمل لقطع الخطبة الفاطمية .
وجلس ثلاثتهم يتشاورون في هذا الأمر الذي أتاهم من قبل نور الدين فقال الفاضل لصلاح الدين :
" لا يحسبن مولاي أن الأفعى قد ماتت فوالله إني لأجد لها سموماً ، كما أجد في الجو غيوما وللقوم آثار نعمة عظيمة غرست في قلوب أهل مصر محبة لن تزول "
قال صلاح الدين " والذي نفسى ونفس محمد بيده ، لقد صدق القاضي الفاضل ، فما رأيت أكرم من العاضد ، وأشهد لقد غمرنا بفضله ، واغدق علينا من نعمه ، ولولا الغاية التي تراد منا ، لكنا له من اخلص خلصائه ، وأشد أعوانه وانصاره ، وحمينا له هذا الملك "
قال شمس الدولة : " فإنا سمعنا أن أهل مصر رحبوا بكم , ويسروا هذا الأمر لكم ، حتى زعمنا لأنفسنا بدمشق انكم لن تجدوا مشقة في قطع الخطبة ، بل زعمنا لأنفسنا بدمشق أن أهل مصر أنفسهم لم يعودوا راغبين في هذا المذهب الذي فرضه عليهم القوم .
قال الفاضل : لا يغرن الأمير ذلك ، فإن أهل مصر كغيرهم من سكان كل صقع وقطر ، يقبلون اليد التي لا يستطيعون بترها ، حتى تمكنهم الفرصة من بترها . ثم إن الناس في كل زمان ومكان عبيد المال وعبيد الإحسان . وإني لأري في القصر حركة ، وأسمع للقوم همسا ، وإذا قامت العاصفة يا سيدي فما عسى أن تصنع ؟ وإذا وقع السابح في الماء فكم عسى أن يسبح ؟ وإنكم الآن في أدنى حظكم فاطلبوا أقصاه ! " .
قال صلاح الدين : " والله ما نملك البلاد بسيوفنا ولا برماحنا ، ولكن برأي القاضي الفاضل " .
قال شمس الدولة " ما اذكى هذا الرجل وأصدق نظره وأبعد غوره ؟ ولولا الثقة بفضيلة رأيه ما جثمناه ما جثمناه "
والحق أنه لم يكن يسيرا على صلاح الدين ، أن يزيل من قلوب أهل مصر محبة الفاطميين ، فقد تمكن هؤلاء الفاطميون من إكرام اهل مصر في وقت لم تستطع فيه الخلافة العباسية في العراق ، ولا المملكة الأتابكية في الشام مجاراة الخلافة الفاطمية في هذا الميدان . من أجل ذلك كان يفر إلي ) مدينة المعز ( كثيرون من الشعراء والعلماء والفضلاء الذين لم يتيسر لهم الرزق في ) مدينة المنصور ( . وكان من الذين فروا إلي مصر يومئذ عالم شاعر ذهب يقول :
سلام على بغداد من كل منزل .. وحق لها مني السلام المضاعف
فو الله ما فارقتها عن قلي لها .. وإني بشطي جانبها لعارف
ولكنها ضاقت على برحبها .. ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وأما الشام فلم يكن أسعد حالا من العراق . وحسبك أن تري شاعرا وصف عهد نور الدين بقوله :
ايامه مثل شهر الصوم طاهرة .. من المعاصي وفيها الجوع والعطش ! !
وحقيقة كان الجوع والعطش بالشام والعراق لا يعدلهما غير الشبع والري بمصر ، واقترن ذلك فيها بحكم الفاطميين ، ومن أجله كثر فيها أصدقاؤهم وخلصاؤهم لما نالوه في الواقع من مالهم وعطائهم . وكان من سياسة هذه الدولة ، انها لا تفرق في عطائها بين شيعي وسني ، حتى لقد وصف كرمها شاعر ليس من مذهبها الديني فقال :
مذاهبهم في الجود مذهب سنة .. وإن خالفوني في اعتقاد التشيع
غير ان العناية الإلهية التي واتت صلاح الدين كتبت له التغلب على أنصار الفاطميين ممن اضمروا لهم ودا ، عاهدوا أنفسهم من أجله ، على أن يتواصوا فيما بينهم ، ويجمعوا شتاتهم ، ويقوموا بمؤامرات خطيرة تزعج هذا الذي قطع خطبتهم وخطب للخليفة العباسي . ووقع بعض هذه المؤامرات في حياة العاضد ووقع بعضها بعد وفاته ، فأما ما كان منها في حياته ، فمؤامرة قام على تدبيرها عبد خصي كان يتحكم في قصر الخليفة ، وكان يقال له ) مؤتمن الخلافة ( ،
أجمع هو ومن معه على مكاتبة الفرنج ، واتفقوا فيما بينهم على القبض على الأسدية والصلاحية من فرق الجيش الشامى ، حتى إذا خرج السلطان بمن معه لملاقاة الفرنج على الحدود أخذوا من بقى في القاهرة من جنده واتوا السلطان من خلفه ، وطعنوا جيشه طعنة ربما قضت عليه .
وتمت مكاتبة المؤتمن للفرنج على هذا النحو ، ثم شاءت الأقدار المسعفة في ذلك الوقت ، ان يأتي رجل من التركمان يظهر انه كان من جواسيس السلطان - فيعبر البئر البيضاء ويري هناك إنسانا عليه ثياب بالية ، وبيده نعلان جديدان ليس بهما أثر مشي ، فينكرهما الجاسوس ويجيء بهما وبالرجل إلى صلاح الدين ، فيفتقهما ويجد فيهما مكاتبة للفرنج من أهل القصر . ويأخذ السلطان الكتاب ويسأل أن يدلوه على كاتب هذا الخط ، فيدلوه على يهودي من الرهط ، احضره جند السلطان ليسألوه ، فنطق اليهودي بالشهادة قبل كلامه وأعلن بذلك إسلامه ، ثم ادلى باعترافاته وبأن الذي حمله على ذلك هو مؤتمن الخلافة . وهنا يلتفت السلطان إلي القاضي الفاضل ويقول له : " ما أسرع ،
ما صدق ظنك يا عبدالرحيم ، فيم تشير علينا في هذا " ؟ فيقول الفاضل " اما الرجل اليهودي يامولاي فاعف عنه واقبل إسلامه منه ، وأما المؤامرة فاحفظ سرها ، فهو آمن لك ، وأما العبد الخصي الأسود فلا تظهر أنك تعرف من أمره شيئا حتى تستعد له " .
ففعل السلطان ذلك واخفي سر المؤامرة ومضى
) المؤتمن ( في تدبيرها حتى كان يوم خرج فيه إلي قصر من قصوره وخلا فيه للذته ، فأنهض إليه السلطان من ساعته من جاءه برقبته ، وثار السودان لمقتلة ، وكانوا أكثر من خمسين ألفا ، وإذا قاموا على وزير قتلوه واستباحوه ، فثار أصحاب السلطان ، واتصلت الحرب بين الفريقين ، فما وجد السودان إلي الخلاص سبيلا ، وأينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ، وكان الذي حمل عليهم هذه الحملة الشعواء اخا لصلاح الدين أكبر منه سنا هو ) شمس الدولة ( ، أبلى في الموقعة البلاء الحسن ، وانفق له فيها حادث عجب ، وهو ان العاضد نفسه كان يراقب الموقعة من منظرة اللؤلؤ ، فأمر من بالقصر ان يقذفوا العساكر الشامية بالنشاب والحجارة ،
ففعلوا ، فأمر شمس الدولة جنده بإحراق منظرة العاضد فهموا أن يفعلوا ، لولا أن رأوا باب المنظرة قد فتح فجأة وخرج منه الخليفة نفسه وأمر من نادى وقال " امير المؤمنين يسلم على شمس الدولة ويقول : دونكم العبيد الكلاب أخرجوهم من بلادكم . . " . وكانت السودان مشتدة الأنفس بالعاضد ، لعلمهم انهم إنما يدافعون عنه ، وأنه راض عن هذه المدافعة . فلما سمعوا ذلك منه فت في عضدهم وتخاذلوا يومئذ وولوا الأدبار .
أما الفرنج الذين كاتبهم ) المؤتمن ( فقد أظهروا الرغبة في المجىء إلي مصر ، لولا أن ردهم عنها نور الدين وشغلهم بالهجوم على الحصون التي كانوا يملكونها ، ربما يتمكن صلاح الدين من القضاء على هذه المؤامرة قبل تمامها ، واستعداء رجالها بقوة الفرنج
وهكذا كان من خطة ) المؤتمن ( - كما كان من خطة غيره من اصحاب الفتن - ان يستعينوا بالفرنج ينفرون إليهم خفافا قبيل قيامهم بالثورة على السلطان ، ولكن كان من توفيق السلطان ان يتمكن دائما من كشف المؤامرة قبل نضوجها ، وحصر النار في منطقة ضيقة عند نشوبها ، وأن يكون وقودها دائما أصحاب هذه الفتن والثورات ،
يصطلون بلظاها ، ثم لا يصيب السلطان نفسه شئ من أذاها ، بل كان من توفيق السلطان إذ ذاك ان من الله عليه بخليفة ومولاه نور الدين ، ينقض انقضاض الأسد على حصون الصليبيين فيصرفهم بذلك عن قصد مصر لمساعدة الثائرين بها ضد الدولة الجديدة
حدث هذا كله في ثورة المؤتمن ، وحدث هذا كله في الثورات التي اعقبت ثورة المؤتمن ، فكان الفرنج يأتون لمساعدة الثائرين من الساحل وصقلية ، وكان الفرنج يبدأون عادة بحصار دمياط ، فيستنجد السلطان بمولاه ليشغل بالهم بالشام ، فما يكاد هذا يتحرك إلي بلادهم ويلقى الذعر في قلوب رعاياهم حتى يعودوا سراعا ويتركوا الثائرين لسيف صلاح الدين يحصدهم ويفنيهم ويقتل كل أمل في إعادة الدولة القديمة .
وهكذا حبطت هذه المؤامرة التي دبرها السودان ، وعاد السلطان بعدها إلى نفسه يوطنها على تحمل هذا الأذى الذي بات ينتظره من أعوان الدولة الفاطمية ؟ وصديقه القاضي الفاضل إلي جانبه دائما يقوي قلبه ويشد أزره ، ويعينه على امره ، ويجود برأيه ، ويفتح عينيه لكل حركة تحدث في القصر وخارج القصر حتى جاء يوم أتي فيه شاعر من شعراء الفاطميين قال إن معه قصيدة يمدح بها الوزير . فأشار الفاضل عليه بالإعتذار عن سماعها وكان من قبل يستمع من هذا الشاعر إلي أمثالها .
وكان هذا الشاعر الأديب متصلا بشمس الدولة بن أيوب يمدحه ويستمنحه ، وفي نفسه حب للدولة القديمة لا ينكره ، بل من أجله رأي أن يتصل بشمس الدولة إذ ذاك كما يظفر لنفسه بغاية كالغاية التي سمت بالمؤتمن إلي حتفه . ولكن كان القائد الأيوبى عن ذلك كله غافلا ، وبقى أخوه الوزير بهذا كله جاهلا ، فنامت أعينهما عنه ولم تتم عينا القاضي الفاضل ، فما زال بهذا الشاعر حتي كشف عنه بفطنته وحذر السلطان من مكيدته .
