" لم تسلم الوزارة لصلاح الدين حتي تغلب على مؤامرة عظيمة دبرها ضده رجال القصر الفاطمي ، ثم قطع خطبة العاضد ونودى به سلطانا على مصر فغاظ ذلك أعداءه ودبروا ضده مؤامرة أعظم من الأولى كان من رجالها هذا الشاعر الذي نتحدث عنه اليوم ،
ذلك الشاعر الذي غرم يوما على صلاح الدين يريد أن يمدحه فصده ، عنه وزيره القاضي الفاضل هو ) عمارة اليمني ( - وهو شاعر ذكي ثار به أهل زبيد - من مدن اليمن - فخرج منها إلي مكة هاجا لا حاجا ، واستطاع بذكائه أن يتصل هناك بإمام الحرمين فبعث به هذا سفيرا من لدنه إلي الخليفة الفائز بمصر ، ووزيره يومئذ الملك الصالح طلائع بن رزيك . فلما حضر للسلام عليهما بقاعة الذهب أنشدهما أولى قصائده وهي قوله :
الحمد للعيس بعد العزم والهمم حمدا يقوم بما أولت من النعم
قرين بعد مزار العز من نظري . حتي رأيت إمام العصر من أمم
فهل دري البيت أني بعد فرقته ما سرت من حرم إلا إلى حرم !
حيث الخلافة مضروب سرادقها بين النقيضين : من عفو ومن نقم
وللامامة أنوار مقدسة تجلو البغيضين : من ظلم ومن ظلم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا فوز النجاة وأجر البر في القسم
لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما وزيره الصالح الفراج للغمم
اللابس الفخر لم تنسج غلائله إلا يد الصانعين : السيف والقلم
قال عمارة اليمني : " وعهدي بالصالح وهو يستعيدها في التشهد مرارا ، والأساتذة والأمراء والكبراء يذهبون في الاستحسان كل مذهب . ودفع لي الصالح خمسمائة دينار ، وإذا بعض الأساتذة قد أخرج لي من عند السيدة الشريفة بنت الإمام الحافظ خمسمائة دينار أخرى ، وحمل المال إلى منزلي ، وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطلق لأحد قبلى ، وتهادتني الأمراء إلي منازلهم للولائم الخ " ومنذ ذلك اليوم ومدائح الشاعر تتوالي ويضرب فيها الشاعر على نغم فاطمي ، ويعبر عن معان شيعية لا يقدرها حق قدرها الا من درس الأدب الفاطمي والعقل الشيعي
ثم مات ابن رزيك فرثاه الشاعر أجمل رثاء وأصدقه ، وأتى بعده شاور فمدحه كذلك بشعر لم ينس فيه الوفاء لسابقه ، ثم سلمت الوزارة لصلاح الدين فحاول الشاعر أن يتصل به وبغيره من امراء البيت الأيوبي ، وكان يحسب ان أمرهم في مصر لن يعدو أن يكون كأمر شاور وضرغام وغيرهما من الوزراء العظام ، غير ان صلاح الدين - عملا منه بمشورة صديقه عبد الرحيم - لم يأمن هذا الشاعر اليمنى على ملكه وقومه ، ورأي الشاعر ذلك منه فصدع الحزن قلبه وملأ الياس نفسه ، ومع ذلك ذهب الشاعر مرة إلي صلاح الدين بقصيدة يهنئه فيها بالوزارة ، وفيها يقول :
ولولا اعتقادى أن مدحك قربة أرجي بها نيل المثوبة والأجر
لما قلت شعرا بعد إعفاء خاطري ولي سنوات منذ تبت عن الشعر
فأوص بي الأيام خيرا فإنها مصرفة بالنهى منك وبالأمر
وجائزتي تسهيل أذني عليكمو وملقا كمولي بالطلاقة والبشر
وكان سهلا علي الوزير العظيم أن يسهل أذنه للشاعر المحروم ، وأن يتلقاه بالطلاقة والبشر كما يتلقي غيره من شعراء مصر ، لولا خوض هذا الشاعر في إفساد الدولة الجديدة خوضا افقده عطفها ، وقطع عليه كل أمل في تقريب أمرائها . ونظر عمارة فإذا هو ممعن في رجائه ، والسلطان ممعن في إعراضه وجفائه ، ففكر اخيرا في أن يذهب إليه بقصيدة يراهن بها على حياته ، وفيها أخذ الشاعر المسكين يعدد نعم الفاطميين ، ثم يتجه إلى صلاح الدين فيضرع إليه في ألا يقطع عنه إكرامه وعطاءه ، فإنما هو شاعر غريب أتي إلي مصر في طلب الجاه والثروة ، ولا مطمع له غيرهما . فلنسمع إليه في هذه القصيدة التي جعل عنوانها " شكاية المتظلم ونكاية المتألم " حيث يقول
أيا اذن الأيام إن قلت فاسمعي لنفثة مصدور وأنة موجع
تقاصر بي خطب الزمان وباعه فقصر عن ذرعي وقصر أذرعي
فيممت مصرا أطلب الجاه والغني فنلتهما في ظل عيش ممنع
وزرت ملوك النيل إذ زاد نيلهم فأحمد مرتادي وأخصب مرتعي
فقل لصلاح الدين والعدل شأنه من الحكم المصغي إلي فأدعي
سكت فقالت ناطقات ضرورتي إذا حلقات الباب علقن فافرع
أعندك أني كلما عطس امرؤ بذي شمم أقني عطست بأجدع
ظلامة مصدوع الفؤاد فهل له سبيل إلي جبر الفؤاد المصدع
فيازارع الإسلام في كل تربة ظفرت بأرض تنبت الشكر فازرع !
عجبا لهذا الشاعر المحزون ، كيف يطمع في أن يكرمه
صلاح الدين ، وبينه وبين الدولة الزائلة كل هذا الود ؟ إن للسياسة لحكما غير هذا الحكم الذي رضيه الشاعر لنفسه ، وإن للقوم لعقلا يستطيع ألا ينخدع بلطف هذا الشاعر ومكره ، ولقد علم هؤلاء القوم أن الشاعر يشترك مع رجال الدولة القديمة في تدبير مؤامرة عظيمة يراد بها إسقاط السلطان ، كما يراد بها إرجاع الجيوش الشامية كلها إلي الشام . وكانت هذه المؤامرة التي اشترك فيها عمارة بعد عامين من حدوث المؤامرة التي اشترك فيها مؤتمن الخلافة ، بل كانت كل واحدة منهما في الواقع ردا على حادثة هامة من الحوادث التي أودت بهذه الخلافة . وليس شك في أن أخطر الحوادث التي أزعجت هذه الخلافة حادثتان هامتان هما : حادثة تولي صلاح الدين الوزارة ، وبعدها حدثت مؤامرة المؤتمن ، ثم حادثة إقدام صلاح الدين على قطع خطبة العاضد ، وبعدها دبرت مؤامرة هذا الشاعر الفطن . غير أن هذه المؤامرة الأخيرة كانت أبعد مدى واوسع نطاقا وأشد إحكاما وأغنى رجالا ، لأنها قامت بعد وفاة العاضد وزوال دولته ووثوب أنصارها وأشياعها يبذلون آخر ما في وسعهم لاسترجاعها ، فإن ظفروا به فذاك ، وإلا فقد أبلوا عند أنفسهم عذرا يطمئنون إليه .
وكان من رجال هذه المؤامرة قاض القضاة ، وداعي الدعاة ، وكثيرون من امراء الجيش المصري ، وكثيرون من حاشية القصر الفاطمي ، ومع هؤلاء ، جميعا عمارة اليمني الذي يظهر أنه كان عاملا خطيرا في تدبيرها تدبيرا محكما من جميع جوانبه
وخلاصة الخطة التى وضعت للمؤامرة أن يتواطأ أصحابها مع جماعة من أمراء صلاح الدين كانوا قد استهووهم بالمال حتي أطلعهم هؤلاء على كثير من أسرار السلطان ثم اتفقوا جميعا على إسقاط صلاح الدين ، كما اتفقوا فيما بينهم على تعيين الخليفة والوزير ، وعلى تقسيم الاملاك والدور ، وعلى استدعاء الفرنج من صقلية والساحل للاستعانة بهم في الوقت
المناسب . ورأوا يؤمئذ أن يستعينوا كذلك بفرقة كان لها في القرنين الخامس والسادس ما كان للقرامطة من الخطر على العباسيين في القرن الرابع - ونعني بها فرقة الإسماعيلية فكر عمارة في كل ذلك ، ثم فكر كذلك - إمعانا منه في إحكام الخطة التي وضعها لإنجاح المؤامرة - أن يغري بملك اليمن اميزا من أخطر امراء بني ايوب هو ) شمس الدولة ( الذي كان صاحب الفضل الأكبر في انتصار عساكر السلطان في وقعة السودان . وقصد الشاعر الماكر من وراء ذلك هو ان يبعد هذا الأمير الخطير عن أخيه خوفا من أن يسد مسده وتجتمع الكلمه عليه بعده . فانتظم الشاعر في سلك الأمير ، وكان كلما خلا به وصف له بلاد اليمن وكثرة أموالها وضعف ولاتها ، وانها قريبة المأخذ لمن طلبها ، ومن جملة الشعر الذي أغراه به يومئذ قصيدته التى منها :
أمامك الفتح من شام ومن يمن فلا ترد رءوس الخيل باللجم
فاخلق لنفسك ملكا لا تضاف به إلي سواك وأور النار في العلم
فرب أمر يخاف الناس غايته والأمر أهون فيه من يد لقم
والغريب أن هذا الأمير خدعه قول شاعره فصدقه ولم يشك في نصيحته . وكان اقطاعه بمصر لا يقوم بمروءته فدخل على أخيه السلطان وأستأذنه في دخول اليمن فاتحا فأذن له السلطان يومئذ لحاجة في نفسه - هي ان يخلص من مزاحمته لأنه الآخ الأكبر له في مصر . . ثم تشاء الأقدار المصادقة للسلطان أن تتكشف مؤامرة الشاعر وأصحابه ، وان يكشف عنها القاضي الفاضل بذكائه ، فيحيط السلطان علما بالمتآمرين ويأتي بهم ويقررهم فيقرون . فيأخذهم جميعا ليصلبهم ، ويدع الذين نافقوا عليه من اجناده فلا يتعرض لهم ولا يفهمهم أنه عارف بحالهم ، وذلك لسياسة منه رجع فيها كذلك لرأي الفاضل
بذلك تم افتضاح المؤامرة ، ثم اعقب ذلك مجيء الفرنج وكان احدهم - وهو صاحب صقلية - قد بعث بأسطول عظيم إلى الإسكندرية فحمل الاسطول على هذه المدينة حملة صادقة ، وقتل من أهلها يومئذ نحوا من سبعمائة ، ونهض السلطان بعسكره إلى هناك فهجم على الفرنج في خيامهم فلم يسلم من فرسانهم إلا من القي بنفسه يومئذ في البحر . .
وهكذا فلتحبط المؤامرة التي اشتركت فيها أيها الشاعر اليمني ، وهكذا فلتهن بهوان الدولة التي بذلت في سبيل إرضائك كل شئ ، ثم هكذا فلتطل أيها الشاعر قبل موتك في رثائها ، وليكن من ذلك لاميتك التي يشهد الآدب العربي انها من اروع القصائد التي قيلت في رثاء الدول ، ومنها قولك :
رميت يادهر كف المجد بالشلل وجيده بعد حسن الحلي بالعطل
جدعت مار نك الأقني فانفك لا ينفك ما بين قرع السن والخجل
لهفي ولهف بني الآمال قاطبة على فجيعتها في أكرم الدول
يا عاذلى في هوي أبناء فاطمة لك الملامة إن قصرت في عذلي
بالله زر ساحة القصرين وأبك معي عليهما - لا علي صفين والجمل
وقل لأهليهما والله ما التحمت فيكم قروحي ولا جرحي بمندمل
مررت بالقصر والأركان خالية من الوفود وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجهي خوف منتقد من الأعادي ووجه الود لم يمل
أسلت من أسفي دمعي غداة خلت رحابكم وغدت مهجورة السبل
أبكي علي ما تراءت من مكارمكم حال الزمان عليها وهي لم تحل
والله ما فاز يوم الحشر مبغضكم ولا نجا من عذاب الله غير ولي
ولا رأي جنة الخلد التي خلقت من خان عهد الأمام العاضد بن على
أئمتي وهداتي والذخيرة لي إذا ارتهنت بما قدمت من عملي وكأني بهذه القصيدة الحزينة قد أعادت للناس ذكرى القصائد الشيعية القديمة التي جرت على ألسن الشعراء العلويين الأقدمين ، والتي جعلت لأدبهم ذلك اللون القاتم الجميل ، لأنه لون كلون الطيف : فيه حمرة الدم ، وفيه غبرة اليأس ، وفيه صفرة الخوف ، وفيه بياض مظلم هو بياض نفس هضم حقها وامنت مع ذلك إيمانا صادقا بأنها لا بد أن تظفر به . .
وطبعي أن فشل مؤامرة كالمؤامرة السابقة لا يدع أملا لدعاة الفاطميين في ان تنجح لهم بعد محاولة . ومع ذلك فقد
ثار على صلاح الدين رجل من المصريين في الصعيد واسمه ) كنز الدولة ( زعم انه يستطيع ان يعيد الدولة فاطمية علوية ، فجمع إليه خلقا كثيرا من السودان وانتهى خبره إلي السلطان ، فجرد له عسكرا عظيما ، وقدم عليهم أخاه ) العادل ( ، فسار بهم حتي اتى القوم فلقيهم بمصاف ، فكسرهم وأخمد ثائرتهم . .
ومنذ يؤمنذ والسلطان الملك الناصر صلاح الدين ينظر فإذا مصر الغنية كلها في قبضته ، وإذا هو يفكر في أن يستعين بأموالها على بلوغ امنيته ، وما أمنيته هذه إلا أن يسترجع القدس من أيدي الفرنج . ولكن كيف يتيسر له ذلك والطريق إلي القدس غير ممهد ؟ أم كيف يتيسر له ذلك والفرنج يقعدون له ولغيره من ملوك المسلمين كل مرصد ؟ بل كيف يتيسر له ذلك وصاحبه ومولاه نور الدين بالشام قد خيل إليه وإلى الناس يومئذ انه بدأ يغار من صلاح الدين ، ويظهر كأنه استاذ محنق أوشك أن يحقد على تلميذ له تفوق عليه
