الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 223 الرجوع إلى "الثقافة"

سيرة صلاح الدين :، -2-، فريسة

Share

" في المقال السابق رأينا نجم الدين أيوب وأخاه أسد الدين شيركوه يغادران العراق بعد أن قتلا نفسا فيه ويقران إلي الموصل حيث يرحب بهما عماد الدين زنكى وينتفع بهما في تأسيس ملكة إلى أن مات هذا الأمير وترك صاحبيه وابنهما صلاح الدين ليعين الجميع ولده نور الدين الشهيد ..

جلس الشهيد يوما يتأمل هذه التركة التي خلفها أبوه ، ويفكر طويلا في هذا العمل الذى بدأه أبوه ، فإذا التركة مثقلة بعظائم الأمور ، وإذا العمل الذي بدأه أبوه - وهو مطاردة الفرنج من البلاد الإسلامية - محتاج إلى عناء طويل ، وإذا هذا الأمر الذي أصبح يضطلع به لن يتم حتى يكون هو طرفا عاما في سياسة الشرق لذلك الوقت

وكان الشرق الإسلامي إذ ذاك موزعا بين خلافتين عظيمتين ، أما الأولى فالخلافة العباسية المستقرة في العراق ، وأما الثانية فالخلافة الفاطمية القائمة في مصر . وبينهما عنصر دخيل هو عنصر الفرنج الذين أتوا إلي الشرق بحجة المحافظة على بيت المقدس .

ونظر الشهيد في هذا الموقف السياسي الدقيق ، فإذا في استطاعته ان يسقط الخلافة العباسية من حسابه ، فقد شاخت وبلغت من العمر أرذله ، ولم تعد قادرة على النهوض بعمل ينفع الإسلام ، وإذا فقد اصبح الأمر محصورا بين هذه القوي الثلاث : قوته هو بالشام ، وقوة الفرنج بالقدس ، وقوة الفواطم الشيعيين بمصر .

ثم نظر الشهيد مرة اخري في هذا الموقف السياسي الدقيق ، فإذا مصر كذلك من الضعف بحيث لا تقدر هي الأخرى على الثبات في ميدان النزاع حول هذه القضية

الكبرى : وهي بقاء الفرنج في أرض إسلامية

" وعلي هذا فالخصومة أصبحت في الواقع بيني وبين الصليب ونجاح أحدنا على الآخر مرهون بنجاحه في أمر واحد ، هو هنا الظفر بمصر . "

هكذا حدث الرجل نفسه بعد أن أطال التفكير ، ثم أتت الحوادث التاريخية كلها شاهدة على صدق هذا التفكير ، بل شاهدة على أنه كان ملهما في حديثه كأنما قد أوحي إليه به . ومن كنوز الدين الشهيد في ذكائه ونفاذ بصره وصفاء بصيرته وبعد غوره  في فهم الأمور ؟ إذا كان لابد من جلاء الصليبيين عن ارض المسلمين فمصر هي التي يجب أن تكون ثمنا للجلاء ، ومصر هي التي يجب ان تكون كبش الفداء ، ومصر هي التي لا مفر لها من ان تقع فريسة الأسد الإسلامي الجاثم لها بدمشق ، أو النمر الفرنجي المرابض لها بالقدس !

وإنهما ليرقبان الحوادث الجارية هناك بعين كعين الذئب ، وإنهما ليستيقان إلي التدخل في شئون مصر تدخلا يراد به الغنم ، وإذا بالحوادث المصرية تدعو الغريمين بسرعة عظيمة إلي هذا التدخل وتلح عليهم الحاحا عظيما فيه . ذلك انه قتل بمصر وزير خطير فثار لمقتله فارسان كبيران يقترن اسماهما عادة بزوال الخلافة المصرية من البلاد ولا يذكران إلا وتذكر معهما الفتن السياسية التي أدت إلي انهيار هذه الخلافة .

هذان الفارسان الكبيران هما شاور وضرغام ، ظلا يتصاولان ، وكان من سوء حظ مصر يومئذ ان كلا منهما أخذ يستعين على خصمه مرة بنور الدين واخري بالصليبيين وما أسرع ما غدت مصر ميدانا لهذين الغريمين المتوثبين . وكانت الحرب سجالا بينهما إلي أن كتب النصر أخيرا للجانب الذي فيه رجل عرف بشهامته ورباطه جأشه هو أسد الدين شيركوه ومعه فتى لم يزل بعد في ميعه صباه

ورونق شبابه ، هو " صلاح الدين " ابن اخيه . ثم عاد الرجلان الظافران إلي الشام ، وكانت انباء النصر قد سبقتهما في كل مكان . وأحسب لو ان الأثير في وقتنا هذا تولي نقل هذه الأخبار ما كانت لتصل إلي المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأسرع مما وصلت إليهم في ذلك الوقت :

فأما دمشق فقد طربت وأسكر أهلها الفوز وراح شعراؤها وادباؤها ينظمون الشعر الرائع والنثر الفائق في تهنئة الأبطال وكتابة البشائر إلي الخليفة وغيره من أمراء الاسلام

وأما " نور الدين " فقد أصبح وهو على يقين من أن مصر عما قريب ستصبح درة تلمع في التاج الأتابكي ومركزا يملك به جميع ما للفرنج .

وأما " أسد الدين فقد " عاد وبه من الشوق لأخذ مصر ما يربو علي كل رغبة في الفتح تحركت في صدره من قبل .

وأما الفتي " صلاح الدين " فقد صحب عمه إلي مصر ثم عاد منها وقد آلي علي نفسه ألا يعود إليها مرة أخري . وكيف يعود إليها وقد ذاق فيها من الجوع والعنت والمشقة ما اشرف به على الموت ، وذلك في الحصار الذي ضربه الصليبيون على الإسكندرية حين تركه عمه فيها وذهب هو لملاقاتهم بمدينة القاهرة .

وانظر إلي هذا الفتي الحزين وهو يقص علي أبيه وأخوته في دمشق بعض ما كان يقاسيه في هذه المحنة التي كادت ان تودى به ، وأخوته من حوله يجدون في كلامه نغمة اليأس فيشفقون على اخيهم ويوافقونه على رأيه الذي عزم عليه . كل ذلك والأب على مقربة منهم يتبسم لابنه البائس وفي ابتسامته معاني السخرية منه ومن السخط الذي يظهره ، وفيها معاني الرضا عن المحن التى لقيها والثقة بأنها تصهره ، ففي اعتقاد هذا الأب أن هذه المحن هي التي تدني ولده رويدا رويدا من النضج الذي يحبه له .

ومرت فترة على هذه الحال وإذا الفرنج يغيرون على مصر من جهة بلبيس ، وإذا هم يوقعون في قلوب المصريين في هذه المرة أشد ما مر بهم في تاريخهم من الجزع والاضطراب والخوف . وإذا وزيرهم وهو شاور قد امر بنار عظيمة أضرمت في مدينة مصر ) الفسطاط ( لتكون النار حائلا بينه وبين الفرنج القادمين عليه ، ثم لوح الوزير من وراء ناره بماله للفرنج يريد ان يطفئ به جذوه هذه القسوة التى غمرت قلوب القوم ، وأما أميرهم وهو الخليفة العاضد فقد أخذ يبعث بالكتب تلو الكتب إلي بطل المسلمين بالشام ، كما أخذ يضع في الكتب خصلا من شعور نسائه إمعانا في الضراعة والاسترحام . فاكتفى الشهيد ردا على كل ذلك بأن بعث إليه بالقائد الذي كان على احر من الجمر في انتظار هذا الأمر .

ويأخذ " شيركوه " أهبته لهذا القصد ، ويحذر " صلاح الدين " أن يأتي إليه الأمر بمرافقته إلى مصر ، ويجهد هذا الفتي في الوصول إلي عذر يجوز على عمه . وأخيرا لا يجد الفتى بدا من أن يصدع بأمر عمه هذا كارها متثاقلا ، كأنما يساق إلي الموت .

ذلك بأنه ورد على ذهنه العناء والجهد اللذان قاساهما بالإسكندرية في حصار الفرنج ، ولم يرد على ذهنه المجد والظفر اللذان كانا ينتظرانه بمصر . وفي ذلك يقول ابن الأثير " إن الله ليعجب من قوم يقادون إلي الجنة بسلاسل .

ليتك إذ تذهب أيها الفتى مع عمك تعلم أنه لن يفعل شيئا في هذه المرة أكثر من أنه موصلك إلي باب الجنة التي تنتظرك ؛ وأنكما تدخلانها وتقطفان من ثمارها ، أو يشركك عمك في الثمرة الأولى وحدها ويترك لك بعدها التلذذ بما في الجنة كلها من ثمرات .

اشترك في نشرتنا البريدية