فرغ صلاح الدين من جميع المشاكل التي واجهته بمصر ، ثم مات نور الدين فأصبح وجهاً لوجه أمام طائفة أخري من المشاكل التي باتت تنتظره بدمشق . فاستعد للتدخل في شؤون الشام طمعا منه في امتلاكه وضمه إلى الوحدة الإسلامية التي سعي في تكوينها لمحاربة الفرنج .
مات نور الدين وخلف ابناً اسمه الملك الصالح إسماعيل . وكان في الحادية عشرة من عمره ، فالتف حوله أمراء أبيه بحجة أنهم يشتركون في تدبير أمره ، وهم الوقت نفسه يتمكنون منه تمكنا عظيما أوشك أن يكون نوعا من الحجر عليه .
ومات كذلك عاهل المسيحيين بفلسطين ، وهو عموري أو( امالريك )ملك بيت المقدس ، وترك عرشه لصبي صغير اسمه ( بولدوين ) . فأصبحت الإمارة الفلسطينية كالمملكة النورية قطراً منقسما علي نفسه ، بسبب تنارع الأمراء . وبات الأمراء في هذين القطرين معاً لا يخافون شيئاً قدر ما يخافون السلطان ، لعلمهم أنه بقوة نفسه وبعد غايته وكبير أمله ، أحق منهم بأن يرث كل هذا الملك !!
وبينما السلطان يستعرض هذا الموقف السياسي الجديد ، إذ أقبل عليه القاضي الفاضل كعادته ، فقال له السلطان :
" هلم عبد الرحيم وأدر ذهنك فيما نحن فيه :
هذه مملكة نور الدين قد انشعبت وظهر فسادها كل قلعة من قلاعها إلى صاحب ، والفرنج من حولهم يبنون قلاعاً يتحيفون بها من أطراف الإسلام ، وأمراء الدولة النورية فوق هذا كله لا يستحيون أن يكون بينهم وبين أولئك الفرنج حلف ووئام . !! " .
قال الفاضل : " لعل مولاي يعلم أنهم لا يفعلون ذلك حباً في علي ، ولكن خوفاً وكراهية لمعاوية .
قال السلطان : " نعم أعلم ذلك جيدا . ولكن من لي بمن يخبر هؤلاء الغافلين ، أنه لا سبيل إلي طرد الفرنج من بلادنا إلا بأمر واحد ، هو توحيد جهودنا . وأنت تري الآن أني أكبر ملوك الإسلام سنا .. "
قال الفاضل : " بل أكبرهم يا مولاي خطراً وشأناً ! " قال السلطان : " فما الحيلة إذن في هؤلاء الأمراء ؟ أنتركهم ونحارب الفرنج حتى نخلي منهم البلاد ، أم ندع الفرنج ونحارب هؤلاء حتي يدينوا لنا بالطاعة ، ويتركوا لنا هذا الغلام !
قال الفاضل : " لو ترك مولاي أولئك الأمراء يتنازعون فيما بينهم أمرهم لانفردت مصر عن الشام ، ولطمع الكفر في بلاد الإسلام " .
قال السلطان : " أعلم ذلك جيدا يا عبد الرحيم . بل من أجله أفكر في طريقة أتدخل بها في شؤون الشام حتي لا يستأثر به الأمراء الذين التفوا حول الغلام ، يوهمونه بأنى عدو له ، مع أني أنا الأولى منهم جميعاً بتربيته ، والقيام عليه "
قال الفاضل : " فالرأى عندي إذن أن تبعث بالكتب إلي هذا الغلام تؤكد له فيها طاعتك وإخلاصك ، وتفصح له فيها عن رغبتك في تربيته والقيام بأمره ، والمحافظة عليه " .
قال السلطان : فإذا أنكر الأمراء الذين معه هذه الكتب ؟ "
قال الفاضل : " فاصبر يا مولاي إذ ذاك ؛ فسيأتي اليوم الذي يستصرخك فيه بعضهم على بعض ، فإذا غصبهم الفرنج شيئاً من أملا كهم فسيتجهون جميعاً إليك لتنقذهم من هذا الشر . ويومئذ يذهب الولي إلي هناك ليحفظ الولد القائم بعد أبيه ، ويعرف هذا الولد ، ويعرف الناس معه أنك أولى بأن ثرث ملكه وتضمه إلي ملكك وتستعين بهما على هذه الغاية التي كان يحلم بها نور الدين نفسه ، وهي مطاردة الفرنج " .
وبعث السلطان بهذه الكتب إلي الغلام ، فقرأها
الأمراء هناك ، وسخطوا علي السلطان ، ثم اختلفوا بينهم في الرأي . وإنهم لفي انقسامهم وتنازعهم في آرائهم وإذا بالفرنج يغيرون على مدينة لهم هناك ، وهي مدينة " بانياس " , فلا يستطيع الأمراء النورية ردهم عن هذه المدينة إلا باتفاقهم معهم على جزية سنوية يحملها الشاميون للفرنج . فذلك أجدى عليهم ، وأسلم عاقبة في رأيهم من استدعاء صلاح الدين ليحول بينهم وبين أولئك المغيرين .
غير أن صلاح الدين لم يكد يسمع بهذه الإهانة التي لحقت بالمسلمين حتى ثار غضبه ، واستثيرت حميته ، واتخذ من ذلك حجة له على سرعة التدخل في شؤون الشام . فاستقر رأيه على الذهاب إلي هناك ، وعلم الغلام وأمراؤه بذلك كله فتركوا له دمشق ، وفروا من وجهه إلى حلب . فأتي السلطان دمشق ودخلها من غير تعب .
أما الأمراء الذين فروا إلي حلب فقد استشاطوا غضبا من السلطان وأكلت الغيرة قلوبهم من بأسه وصعود نجمه ، ونجاح أمره , فبعثوا إليه بخطاب شديد اللهجة مع رسول منهم . فأ كرم السلطان رسولهم ، وتلقاه بالبشر واللطف والكرم واللين . ثم قال له :
" يا هذا - ارجع إليهم لتقول لهم : إنني إنما وصلت إلي الشام لجمع كلمة الإسلام ، ولتربية الملك الصالح وصيانته وصيانة الشرف الإسلامي نفسه من عار الجزية التي تدفعونها للفرنج . وقل لهم يا هذا : إن المنية لو لم تفاجئ مولاي نور الدين لدفع إلي مولاي ابنه الملك الصالح إسماعيل ليكون في كنفي وتحت رعايتى ، فأنا أولي به من غيري ، لأنني القادر علي حمايته من أذي الذئاب التي تنوشه من الفرنج "
منذ ذلك الوقت والحلبيون وغيرهم بالديار الشامية يقفون في وجه السلطان كما وقف الفاطميون له من قبل في الديار المصرية .
وكما يسر القدر لهذا البطل أن يكون الوارث الحقيقي للفاطميين ، فكذلك يسر له أن يرث ملك نور الدين , أو أن يرث هذه البقعة المباركة من الأرض التي شهدت أو قبس من نور رسالة هبطت منذ حين على هذا البيت
الأنابكي الكريم ، ليقوم بنصيبه في الجهاد من أجل الدين ، ويزيل الفرنج المسيحيين الذين جاءوا من بلادهم النائية بحجة أنهم يحمون القبر المقدس .
وجمع الأمراء الحلبيون جمعهم ، وكادوا للسلطان كيدهم ، والتفوا بالملك الصالح إسمعيل يستغلون طفولته في إثارة شعور المسلمين وإيغار صدورهم على صلاح الدين .
ثم أخذ الحلبيون يستعينون على السلطان بجميع أعدائه في الشام . وكان من أعدائه هذه الفرقة الخطيرة التي كانت تعتصم بالجبل ، والتي كانت مصدر قلق دائم للرجل ، ونعني بها فرقة الإسماعيلية . فاتفقوا مع هؤلاء على اغتيال السلطان ؛ ودخلت جماعة آثمة منهم الخيمة على حين غفلة من جنده ، ورفعت السيف لتقتله به ، وإذا العناية الإلهية تكشف عن أمرها ، وتدل عليها من جند السلطان من يمسك بهذه اليد الخائنة المجرمة أن تهوي علي رقبته .
ثم لم يكف الحلبيين ذلك حتى استعانوا علي السلطان كذلك بالمواصلة ؛ وكانت الموصل إذ ذاك إلي أمير خطير من آل زنكي ، له من شرفه وعظيم منزلته ما يستنكف به أن يكون تابعاً لصلاح الدين ؛ فأفهم الحلبيون هذا الأمير أن السلطان يملك حلب ، ثم لا يكون له يد من قصد بلاده ، وإزالة سلطانه , والعبث بهذا التاج الأنابكي الذي هو مصدر نعمته وعلو كلمته .
كل ذلك والسلطان ينجو من كيدهم مرة بعد أخرى ، ويوغل في فتح الشام وامتلاكه حصناً فحصنا ، والشعر أنى سار معه يسجل له كل انتصار يحرزه لنفسه ضد أولئك القوم .
وأتي يوم أصبح فيه الحلبيون ، فإذا هم محاصرون بجيش صلاح الدين ، وإذا هم مضطرون إلى مكاتبة حليف لهم من الفرنج كان يدعي الأمير (ريموند ) أمير طرابلس ؛ وكان هذا الأمير أسيراً لنور الدين ثم أطلقه الحلبيون بعد وفاته ليكون ظهيراً لهم وقت الحاجة . فلما أتى الأمير صريخ الحلبيين خف من ساعته إلي ( حمض ) وهي مدينة من المدن التي افتتحها السلطان يومئذ بالسيف- فلما
هجم الأمير الصليببي عليها وجد السلطان نفسه مضطراً إلي العودة إليها ورفع الحصار عن مدينة حلب . وبذلك تم للحلبيين ما أرادوا لأنفسهم ، من إنقاذ مدينتهم والإفلات من مخالب هذا السبع الذي كاد يقتحم عليهم البلد .
وفكر الحلبيون أخيرا في الأمر ، فلم يجدوا خيرا لهم من أن يكسبوا من السلطان بطريق الود والملاطفة ما لا يستطيعون كسبه بطريق الغدر والغلظة والمخاشنة وما أسرع ما يستجيب رجل كصلاح الدين لدواعي الكرم والعطف والمروءة واللين .
فهذا الملك الصالح إسماعيل يقبل بنفسه علي صلاح الدين يطلب منه أن يبقى له على حلب وما حولها ، فيبقى له السلطان عليها ، ويكتفي هو بأن يكون له من حماة إلي مصر ، ويترك للسائل ما فوق ذلك !
ثم هذه الخاتون ابنة نور الدين ، وشقيقه الملك الصالح إسمعيل ، تأتي إليه في استحياء وخفر تسأله قلعة هامة من قلاع الشام ، هي قلعة ( عزاز ) ، كان السلطان قد فتحها
بسيفه وضمها إلي ملكه ، فيكرمها السلطان ويعزها , ويبكي بين يديها لذكري نور الدين ، ثم يطلق لها (عزازاً) بما فيها من السلاح والمال ، ثم لا يكفيه ذلك حتى يقدم لها من التحف والجوهر شيئاً كثيرا .
ثم ها هو السلطان يترك مدينة حلب ، ويفكر في العودة منها إلي مصر ، ويصمم في طريقة على الأخذ بثأره من ( الإسماعيلية ) الذين طغوا وبغوا ، وأعانوا عليه الحلبيين ، ووثبوا عليه وثوباً فيه ما شئت من معاني الجبن والغدر واللؤم والخيانة ، فأراد محاصرة حصونهم ، والقضاء المبرم علي رؤوسهم وشياطينهم ؛ وعلم هؤلاء نيته ، وباتوا يخشون تنفيذها ، فتوسطوا لدي خاله ( شهاب الدين الحارمي ) ، وسألوه أن يشفع لهم . فذهب الرجل إليه في ذلك فقبل السلطان شفاعته ، ورحل عنهم ولم ينتقم لنفسه منهم , وعفا عنهم مع القدرة عليهم ، وآثر يومئذ طريق الصلح والسلام . وعاد إلي مصر بعد أن ترك في كل بلد من البلاد التي فتحها أميرا اختاره له .

