رأينا في سيرة سيف بن ذي يزن عرضا جميلا للنزاع الذي قام بين الساميين والحاميين ، وبين العرب الجنوبيين والشماليين ؛ كما رأينا أيضا كيف أن بلاد العرب كانت إلي جانب القارة الأفريقية مسرحا هاما لتلك الحروب المتواصلة ، والتي كانت جاهلية حينا وإسلامية حينا آخر ، والتي انتهت بانتصار الساميين في الجزيرة ، وتعادل الكفتين في إفريقية . وعلمنا من حوادث هذه السيرة أيضا كيف بسط اليمنيون سلطانهم على بعض الأصقاع العربية الشمالية وقربوا بين العقليتين الجنوبية والشمالية ، ومهدوا لعملية التزاوج التي حدثت بين اللغتين العربيتين : القحطانية والعدنانية في الجاهلية ؟ كما ساهموا بنصيب وافر في خلق اللغة العربية الأدبية التي سجل فيها العرب شعرهم الجاهلي ونثرهم غير الإسلامي ، واتخذها الوحي لسانه لتبليغ رسالته . وقلنا إن النقوش التي عثر عليها علماء اللغات السامية والمعلومات التي جاءتنا عن طريق رجال التاريخ وأصحاب السير تؤيد هذا . واليوم نعرض لسيرة أخري من أهم السير العربية ، أعني سيرة عنترة بن شداد التي تعتبر بحق الياذة الصحراء . فشخصية بطلها ما زالت حية بيننا ، وما زال لفظ " عنتر " المثل الذي يضرب للشجاع ، كما اشتق الشعب منه كثيرا من المفردات التي تتصل بهذا المعنى عن قرب أو بعد فالشخص القوي يدعي ( متعنتر )، والحمل الثقيل الذي لا يقوي على حمله إلا من أوتي قوة عنتر هو ( حمل متعنتر ) ، ولباس النساء الذي يبرز ثدي المرأة ويقويه يسمي ( عنتري )، وأكبر مقبرة عرفتها أسيوط القديمة هي (اصطبل عنتر ) شخصية عنترة إذا من الشخصيات التي تغلغلت في صميم الحياة العربية ، وهي الشخصية التي تتمثل فيها الرابطة السامية الحامية أجل تمثيل ، فنحن هنا لا نري نزاعا بين
هذين الفرعين ، بل نفس صفاء ومودة وسلاما ؛ فأم عنترة (زبيبة ) حامية ، وأبوه ساعي ، ويفخر بطل القصة بنسبه هذا ويقول :
يقدمه فتى من خير عبس
أبوه ، وأمه من ال حام
عجوز من بنى حام بن نوح
كأن جبينها حجر المقام
وهذه السيرة ، التي تشغل بضع آلاف من الصفحات المتوسطة الحجم ، تتحدث عن نجد بن هشام وجهينة اليمانى وأبي عبيدة والأصمعي وسعيد بن مالك وغيرهم أهملت أسماءهم كرواة لها ، والتي حفظ لنا التاريخ منها روايات بينها شئ يسير من الفروق ونسبت إلي الأقطار الحجازية المصرية والشامية والعراقية ، سجل حافل لحوادث وقعت في الجزيرة العربية والعالم الإسلامي في الفترة الممتدة بين القرنين السادس والحادي عشر الميلاديين . ففي نجد قلب الجزيرة سكنت في منتصف القرن السادس الميلادي بطون كثيرة من قبيلة قيس عيلان ، كما نزل في المنطقة الواقعة بين مكة ويثرب والحجاز وجبال طي بنو سليم وهوازن ، وشرقي هوازن نجد بنى غطفان الذين حل من أفخاذهم بنو بغيض بين عبس ونبهان وكانت منازلهم الأولى الشرية الواقعة بين النقرة ومكة . وفي ذلك الوقت الذي نتحدث فيه السيرة كان زهير بن جذيمة قد بسط سلطانه على غطفان ، وما كاد يستقر له الأمر حتى نجد الغارات تلو الغارات بين العدنانيين والقحطانين ، وفي إحداها سبي العبسيون كثيرين من بني جديلة وغلمانهم ، وجواريهم وعبيدهم وعددا كبيرا من جمالهم التي كانت ترعاها أمة حبشية تدعي (زبيبة ) وهي أم بطل السيرة . ثم بعد أن ينتهي الحديث عن العدنانيين والقحطانين نجد السيرة تنتقل بنا إلي أرض العراق إلي بلاد الحيرة حيث يدور قتال بين عنترة والنعمان بن المنذر ؛ وذلك لأن الفارس العبسي يريد مهر عبلة ، وهو ألف من النوق العصافير التي لا توجد إلا في العراق وهنا نقرأ وصفا جميلا لبلاد العراق والعراقيين
والعلاقات السياسية التي كانت تربطهم بالفرس . وكما ان السيرة وصلت بين نجد والعراق بمهر عبلة إذا بها هنا توقع عنترة في الأسر ليتخذ المؤلف من ذلك قنطرة يعبر عليها إلي إيران ، ومن ثم ينتقل بنا إلي الدولة البيزنطية ويبسط لنا السياسة الفارسية تجاه الدولة الرومانية الشرقية ، وهو في عرضه هذا لا ينسى العرب وموقفهم من هذا النزاع القائم بين كسري وقيصر ، وهذه الخصومة التي اهتم بها القرآن الكريم واشار إليها في سورة الروم ، وفي الصحيفة الثانية والأربعين بعد المائة نري الراوي يحدثنا عن الحرب التى قامت بين ملك الحيرة المنذر ملك العرب عبدة الاحجار وكسري ملك الفرس عبدة النار ، وينتصر العرب بفضل عنترة الذي سجل بطولته في قصيدته المشهورة التي مطلعها
سلى يا ابنة العبسى رمحى وصارمي
وما فعلا في يوم حرب الأعاجم
لكن المنذر يعلم أن الفرس سيعاودون الكرة ، وأدرك هو أن سلامته وسلامة بلاده تتطلب منه ان يكون جبهه قوية ضد العجم ، أعني لابد وان ينادي بوجوب تعاون العرب واتحادهم في سبيل الوقوف في وجه العدو الخارجي . وهنا نري السيرة تحدثنا عن الدولة العربية حديثا لا يقل طرافة عن أحاديث اليوم . ففي الصحيفة الثامنة والأربعين بعد المائة نري المنذر يخاطب عنترة ويقول : ولكن يا ولدي من الرأي أن أكتب إلي سائر القبائل ، وأجمع العرب من الأحياء والمناهل ، وأتأهب لحرب الملك كسري فإنه لابد أن يعود إلينا ويسطو بعساكره علينا ، وأول ما أرسل إلي قومك بني عبس وعدنان ، وفزارة وذبيان ، وسائر بني غطفان ، ولا أزال إلي أن أقيم دولة العرب ، وأذل عباد النار واللهب . . لكن بينما المنذر يعمل لجمع شمل العرب إذ بعمر بن نفيلة يظهر على المسرح كوزير للمنذر ويعرض عليه خبر التوسط بينه وبين كسري لإزالة أسباب النزاع ، ثم تقفز السيرة إلي القرن الحادي عشر الميلادي حيث الحروب الصليبية وتحدثنا عن بطريق جبار وفارس من كبار الفرسان يدعي ) (بضرموت ) الذي هو ( بوهيمندBohemind) ( والذي هزم سائر فرسان إيران
لم ينقذ كسري منه إلا البطل العبسي عنترة . وبعد حفلات الوداع والتكريم نراه يعود إلي عبلة ومعه المهر والكثير من الهدايا ؛ لكن عمه مالك يرفض زواجه بها لان السيرة تلح في خلق خصوم لعنترة يشاطرونه حب عبلة والهيام بها ، وعنترة يكافح ضدهم بإخلاصه للعبسيين حينا وتنجيه عنهم وقت الملمات حينا آخر ، وفي ثنايا هذا النزاع بين الفارس وقبيلته نقرأ وصفا لمعركة نشبت بين بنى عامر تحت امرة خالد بن جعفر والعبسيين بزعامة زهير بن جذيمة الذي قتل في هذه المعركة ونبا سيف ابنه ورقاء عندما هوي به على خالد يريد قتله وإنقاذ والده (١).
ثم تعرض السيرة للغسانيين وتتحدث عنهم وعن النصرانية ، وتصل بينهم وبين نصاري نجران ، ثم نصف زواج عبلة بعنترة وننتهز هذه الفرصة وتذكر لنا حلفاء ، العبسيين ومنهم العدناني ، ومنهم القحطاني وبعد ان تفرغ من ذلك تواصل سرد اعمال عنترة فتخلع عليه ثوبا إسلاميا وتنسب إليه حرب النبي صفعم ليهود خيبر ، ثم تنتقل بنا من قبيلة إلي اخري حتى نري عنترة في بلاط قيصر الذي وهبه جارية تدعي مريم والتي وضعت لعنترة ابنه ( جوفران ) والذي هو في الواقع احد فرسان الحروب الصليبية المسعى (جود فراي God frey ) ( أوائل القرن الحادي عشر ) وتختم السيرة بالحديث عن الفتوحات الإسلامية ، وعن مصر وشمال افريقية والأندلس
والآن بعد هذا العرض نوجه إلي أنفسنا السؤال الآتي : ما هي حقيقة هذه السيرة واين ومتى الفت ؟ ليس من العسير الإجابة على هذا السؤال ؛ فالقارئ ، المثقف يستطيع أن يقرأها دون كبير عناء، وأن يخرج منها بأنها عرض وعرض موفق للقبائل العربية وعاداتها لتقاليدها وحروبها في تلك الفترة التى سبقت الإسلام او مهدت لظهوره . فهنا نرى العدنانية تنتصر على القحطانية بل وتخالف السنن والأوضاع المعروفة عند العرب من قبل وتلحق بنسبها
عنترة ابن الأمة الحبشية وتزوجه عبلة بنت مالك احد سادة بني عبس فتمحي بذلك الفوارق الجنسية وتحطم الحواجز القائمة بين أفراد القبيلة الواحدة .
فإن عابوا سوادي عند ذكري
وجاروا من عناد في ملامي
فلى قلب اشد من الرواسى
ولونى مثل لون المسك نام
وما أسمو بلون الجلد يوما
ولكن بالشجاحة والكلام
وغير هذه المبادئ الجنسية التى تعترف بها السيرة ويقرها الإسلام نجد فيها الشئ الكثير عن عادات العرب واخلاقهم في الحرب والسلم كما نعلم شيئا عن تقسيم الغنائم وحظ الحر والعبد منها ، ونقرأ بعض صيغ للقسم تدل على شيء كثير من الاعتزاز بالجنس العربي والخلق العربي كقولهم : ( وذمة العرب ) التي استعمل الإسلام عوضا عنها ( ذمة الله ) . وإلى جانب كل هذه المعلومات يجد القارئ مئات من القصائد المنسوبة لعنترة وغيره من الشعراء والشواعر ، وكذلك بعض المقطوعات الخاصة
بالندب ، والمعلقات ، وحتى قصيدة الأعشي التي مطلها
ودع هريرة إن الركب مرتحل
وهل تطيق وداعا ايها الرجل
وغير الشعر نجد مناظرة لغوية بين عنترة وامرئ القيس نعرف من خلالها كثيرا من اسماء السيف والرمح والدروع والخيل والنوق والخمرة والحيات .
أما وطن السيرة فهو مصر بدليل التعبيرات المصرية . فنحن نقرأ فيها مثل (فرحنا إسلامتك ) و (يا خوي الحمد لله ) و ( لحد الآن ) و (إكراما للعين تكرم الف عين ) إلي جانب ذكر مصر وبعض مدنها . عرفنا الآن موضوعات هذه السيرة ووطنها . اما عصر تاليفها كما هي بين ايدينا اليوم فيرجح أنه كان في أواخر القرن الحادي عشر مع الإشارة إلى أن القصاص كثيرا ما غيروا فيها حذفا وإضافة كما يتضح لنا ذلك عند قراءة الفصول الخاصة بالحروب الصليبية
