" فرغ صلاح الدين من اسقاط الدولة الفاطمية وجعل مصر اماره عباسية . ثم أصبح وجها لوجه أمام صعوبات كثيرة كان من أولاها هذا النفور الذي ظهرت آثاره قوية بينه وبين نور الدين .
قال الأمير الشيخ لابنه السلطان " اتدري يا ولدي منذ كم تغير عليك قلب نور الدين ؟ " .
قال السلطان : " احسب ان ذلك يا ابي منذ اقدمت على أن أكون وزيرا للعاضد الفاطمي ، وأخذت خلعة الوزارة قبل أن يأتيني من نور الدين إذن بقبولها .
قال الشيخ : " هو ذلك يا ولدي - فمنذ يومئذ والغيرة منك يدب في قلبه ، والحذر من ان تستقل بمصر وتظهر التشيع بها إرضاء للخليفة المصري يشغل باله ويثير هواجه ؟
قال السلطان : " والله يا أبت - لقد صبزت منه على حر المندي ووخز الإبر ، وما قدر احد من اصحابه حتى الساعة أن يحد على ما يعتبره ذنبا ؛ وقد اجهد هو نفسه ان يحذ لي هفوة يمتدها على فلم يقدر ، ولقد كان يعتمد في مخاطياتي ومرسلاتي على الأشياء التي لا يصبر أحد على مثلها لعلي أتضرر أوتغير فيكون ذلك وسيلة له إني مناندي فما أبلغته مأربه "
- " نعم ما فعلت يا ولدي ، وهذا ما نصحت لك به دائما فملكك رهن هذه التي تسلكها وتصر على اتباعها "
- " ذلك ما فكرت فيه من جهة نور الدين ، وإني لافكر ايضا في غير نور الدين ممن اخافهم على نفسى
- " ومن هم اولا ، يا ولدي حتى أعينك عليهم ؟ .
- " هم إخوتي يا أبي ، إذ ينظرون إلي بالعين التي عرفها يوسف من إخوته ، وقد بت اخشى غيرتهم ، وانا اعلم في الوقت نفسه ان ) اقطاعهم بمصر لا يقوم بثروتهم فأحاول أن أشغلهم عني بفتوح يعود خيرها عليهم
وتكون بيع ذلك ردنا لنا إذا فكر نور الدين في مهاجمتنا في الديار المصرية ليخرجنا منها أذلة
- ونعم هذا الرأي ايضا ، فما الذي ثم في امر هذه الفتوح التي يقوم بها إخوتك ؟ " .
- " هذا اخي شمس الدولة قد اذت له في دخول ) النوبة ( قائما ، فلما ثم يحد بها شيئا نافعا عاد وطلب أن يسير الفتح ) اليمن ( فأذنت له في ذلك ، وغدا يذهب إلي هناك ويقتل الخارجي الذي ظهر بتلك البلاد ، وقد بلغ من حمق هذا الخارجي ان دعا الناس بها إلي غير ابيه بعد إذ جعل عليه قبة من ذهب وسماء كعبة ، وحمل الناس على حجته والانصراف عن مكة .
- باله من غبي جاهل ،نحو مدي أشد عباء من هذه الفئة التي أورثنا الله ملكها وأذن لنا فحبسنا سلاتها في القصر الفاطمي لا يفصل فيه فساؤهم يرجالهم كر لا يتناسلوا ، ألا فكرت أيضا في أن تتعقب هذه الفئة في موطنها الأول ، في بلاد الغرب ؟ "
هذا ما فكرت فيه جيدا وذلك منذ اطمعني فيه الخادم بها ، الدين فراقوش وهو جندي باسل ، وفارس غيور يتصف بالإمانة . الا نري مقدرته - على صيانه القصر الفاطمي منذ تسلفه إذ لم يدع شيئا يخرج منه أو يدخل فيه إلا بإذنه
" ولكن كيف السبيل إلي تحقيق هذه الآمال وسولاك نور الدين بالشام لا يرضي عن هذه الفتوح التي تشغل بها نفسك الآن يري فيها اضاعة للوقت وتبديدا المال واجهادا للترك الذين عليهم أن يعدوا أنفسهم لمحاربة الفرنج في هذه الجهة التي تفصل بينك وبينه - وهي جهة ) الكرك والشوبك ( . وقد بات هؤلاء الفرنج لا يخشون إلا حراب الترك ولا تقشعر جلودهم إلا من بقائهم في مواطن القتال .
وكان القاضي الفاضل دخل منذ برهة سمحت له بأن
يسمع طرفا من هذا الحديث فقال :
ليأذن لي الولي أن أقول في هذه المسألة الأخيرة
رايا اردته في ذهني منذ ايام
قال الشيخ : ) فقل يا عبد الرحيم "
قال : ليس الرأي عندي يامولاي أن تعين نور الدين على مطاردة الصلبيين الذين يحتلون المنطقة التي فصل لأن بيننا وبينه ، فهي وإن كانت في ايدي اولئك الكفرة الظالمين ،بل في طافية منهم هو ) الرباط المعروف باعدائه المسلمين إلا انها يامولاي بمثابة الخليج الذي يعصمنا الآن من شر الدين ، ويجعلنا في مأمن منه
حتى بعد أمورنا رقبت أقدامنا وتكون بحيث لا يستطيع أن يخرجنا من ديارنا بمجرد رغبته او لانه يريد ان ينتقم منا حين لا يصبر لنا أن تفذ له مشيئته "
قال الشيخ : فالرأي عندك إذن ان تبقى هذه المنطقة مؤقتا في يد الطاغية ؟ "
قال الفاضل " نعم فليست المصلحة الآن في أن يخلي الطريق بيننا وبين رجل الشام ؟
فالتفت الأمير الشيخ للسلطان وقال : وانت ياصلاح الدين - يا الذي تراه في هذه الشكلة ؟ " .
فسكت السلطان برهة فسيرة ثم قال : . . مسألة نجيب عنها صلاح الدين القائد الكردي السياسي إجابة لا يرضى عنها صلاح الدين التابع القديس "
فابتسم الشيخ ابتسامة عريضة ونظر إلي ابنه نظرة فيها غير كثير من الغرابة ثم قال : " الأن حين يقدم بك العمر واستحكمت . . قل لنا ما الذي تعنيه بكل ذلك ؟ " قال السلطان :
" الحكمة كلها في رأي الفاضل . فالسياسة هي التي أملت عليه هذا الرأي الحكيم ، والسياسة هي التي قد تحملنا على مخالفة نور الدين . وأنا اعلم أن المخالفة لا تنتفق
والغرض الذي جئنا من أجله إلي مصر " ، وهنا أطرق الشيخ طويلا كانما يدبر هذا الرأي في ذهنه ويزئه بميزان عقله ثم رفع رأسه وقال : " وانا ايضا قد بدا إلى صدق هذا الرأي .
قال السلطان وما تقول يا عبد الرحيم في هذه الفتوح التي أشغل بها إخوتي ليكسبوا لأنفسهم الشهرة في ميدان لحهاد ، والملل الذي يقوم بمرومتهم في تلك البلاد ؟ "
قال الفاضل " آفة هذا الرأي يا مولاي أنه يستنقد جميع ما تملك من المال ؛ وصاحب الشام ينتظر فيما ينتظر . منا ان نقرر له مالا محمله إليه ليستعين به على كف الجهاد الذي وهب حياته له " .
قال السلطان فاننا قد بعثنا له يهدية من نفائس القصر الفاطمي وما اكثر هذه النفائس التي به ، وما اثمنها ، ورايت اننا انقذنا إلي الخادم بهاء الدين قراقوش ان بعدها فأعدها وبالع في إعدادها ، وكتبت انت الخدمة ) الرساله ( التي سارت بالهدية إلي صاحب الشام منذ أيام "
قال الشيخ " حسن كل ذلك يا ولدي ، وإن كنت اعلم من اخلاق نور الدين ان هذه الهدية على عظمها لن تسره وانه . . "
وأراد الشيخ أن يتم كلامه لولا أن علم في تلك اللحظة برسول آتي من قبل نور الدين وبيده رسالة إلي صلاح الدين ، بأمره فيها أن يجمع العساكر الصربية ويسير بهم إلي بلاد الفرج وينزل علي ) السكرك والشويك ( ويحاصر ربما يجمع هو عسا كر ، ويسير إليهما ، ثم يجتمعان هناك على محاربة الفرريح والاستيلاء منهم على هذه المنطقة التي تفصل بينهما وتقف حجر عثرة دون الغاية التي يعملان لها وهي مطاردة الفرج .
وقرأ السلطان الرسالة التى بعث بها نور الدين ، ثم دفع بها إلي أبيه ليقراها ويقرأها معه عبد الرحيم . ونظم الثلاثة كل إلي الآخر نظرات سريعة ، وسكنوا سكونا
مريبا ، ما لبث أن قطعه عليهم الأمير نجم الدين بقوله يخاطب الرسول ؛
" وما بال الهدية التي بعث بها صلاح الدين إلي مولاء العظيم ؟ "
قال الرسول : " ا كبر الظن عندي انها يامولاي لم تقع منه بموقع " .
قال الشيخ : " عجبا يملا القلب ! ولم ذلك ؟ " قال الرسول : " بينا اصحاب مولاي نور الدين يطبلون
النظر في هدية السلطان الملك الناصر صلاح الدين ، ويظهرون إعجابهم بهما ، وبتخيلون نائس القصر الذي حوي الكثير من امثالها ، إذ مولاي نور الدين يخاطب نفسه بصوت سمعه الذين معه ويقول : ما انفقنا الذهب في ملك مصر وبنا إلي الذهب حاجة ، ثم تمثل قول أبي تمام : لم ينفق الذهب العربي بكثرته
على الحصى وبه فقر إلى الذهب فأقبل السلطان على الرسول بلاطفه ويغير مجري حديثه ثم قال له :
" قل لمولاي نور الدين إننى لن أتأخر عن الذهاب بالجند إلي الكسرك
فرجع الرسول إليه يبلغه كل ذلك . فرحل نور الدين عن دمشق إلي الكرك واقام ينتظر صلاح الدين ، فاناء كتابه يعتذر فيه عن الوصول ، وذلك لاختلال البلاد ، ورغبة اهلها في الثورة على النظام . واي الكتاب نور الدين فغضب لذلك غضبا ذهب بكل حلمه ، وشق ذلك على نفسه ، وعزم على دخول مصر وإخراج السلطان منها .
وبلغ الخير صلاح الدين لجمع أهله وفيهم والده وخاله شهاب الدين واستشارهم ، فكلهم اشار عليه بالصمت وبالصبر ، ثم قام من بينهم فارس شاب حاد الطبع ، هو ابن أخي السلطان واسمه ) تقي الدين عمر ( فقال :
ما لنا يخاف نور الدين - وهم إذا جاءنا فانقاء وصددناه عن بلادنا بسيوفنا هذه
فوقع هذا الكلام موقعا حسنا من نفس السلطان وهم ان يظهر الرضى ، واحب أن يتكلم في ذلك لولا ان سبقه أبوه بقوله يخاطب نقي الدين عمر :
" اقعد أيها الصبي التزق ، اقعد أيها الشاب الطائش ، ليئها تشير به . وهذه الغاية تأكل مال المسلمين ؟ ولهذه الغاية أمرنا عليكم نور الدين ؟ "
ثم اتجه إلي السلطان وقال له . " أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك - أتظن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا ؟ قال : لا قال نجم الدين :
فو الله لو رأيت أنا او رأي خلك نور الدين قادما ما استطعنا إلا ان نترجل إليه ، ونقبل الأرض بين يديه ، ولو أمرنا بضرب عنقك بالسيف لفعلنا . فإذا كنا نحن هكذا - فكيف يكون غيرنا ؟ وكل من تراهم هنا من الأمراء والعساكر لو رأي نور الدين وحده لم يتجاسر على الثبات على سرجه ، ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه ، وإنما هذه البلاد له ، وقد اقامك فيها ، فإن شاء عزلك ، ثم لا يحتاج إلي المجيء عنا لهذه الغاية ، يأمرك بكتاب مع نجاب ) رسول ( حتى تقصد خدمته ويولي البلاد بعد من يريد " . ثم التفت كذلك القائد الشيخ إلي الجند وقال : " واسمعوا جميعا أيها الجند - نحن مماليك نور الدين وعبيده ، وليفعل بنا ما يريد ، إن شاء يقيدنا في مصر ، وإن شاء نزلنا على رايه وخرجنا عن مصر ، ونحن هنا جنوده وأتباعه . باسمه فتحنا ما فتحنا ، وبإسمه تفتح كل بلد تريد بعد أن تفتحه " .
وتفرق الجند بعد ذلك ، وكتب أكثرهم إلي نور الدين يعلمونه كل ذلك ، ثم خلا الشيخ بابنه وقال له : أنت يا ولدي جاهل قليل المعرفة ، مجمع هذا الجمع
العظيم ونطلعهم على ما في نفسك . فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه من البلاد ، جعلك غرضه الذي يري إليه ، ولو قصدك لم تر معك من هذا العسكر أحدا ، بل تراهم جميعا يسلمونك إليه . وأما الآن - بعد هذا المجلس فسيكتب إليه كثرهم ويعرفونه قولي . وتكتب له انت أيضا وترسل في هذا المعنى وتقول له :
" أي حاجة إلي قصدي أيها المولي ، يحييء مجاب يأخذني بحبل بضعه في منقي ، ويأتي بي إليك ، فهو إذا سمع هذا منك عدل من قصدك واشتغل بسواك " .
قال السلطان " صدقت يا آبي ، وكنت من الناصحين إنني من أجل هذا أفكر في الذهاب بنفسي إلي الكرك ، فإذا وصلت إلي هناك بعثت انت في طلبي بحجة اختلال البلاد قال الشيخ ) فاذهب على بركة الله "
وذهب السلطان إلى ذلك المكان ، وعلم مولاه بهذه الغزاة التي نفي السلطان بها عن نفسه مهمة العصيان ، ثم فكر السلطان في العودة إلي بلاده ، وإنه لقي الطريق إليه وإذا بكتاب ورد إليه منها ، فيه نبأ عظمت به لوغته ، واشتدت كما يقول الفاضل به حسرته وروعته ، ذلك النبا هو موت أبيه نجم الدين بسبب وقوعه عن فرس له كان يركبه في اثناء لعب الكرة . فأخذ الفاضل يهون على صاحبه هذا المصاب العظيم ، وبقطع الطريق بحديثه له عن الصبر والصابرين ، ويتأسي معه بقول الذي يقول :
وتخطفته يد الردي في غيبتى هبتي حضرت فكنت ماذا أصنع ؟ !
وذلك حتى دخلا مصر . وبينا هو فارق في هذه الأحزان ، وبينا هو خالف في الوقت نفسه من مداهمة صاحب الشام ، إذ به يسمع بموت هذا الرجل أيضا . فيحزن عليه ، ولكن يشعر في قرارة نفسه ان حزنه لموت نور الدين قد خفف شيئا كثيرا من لوعته على أبيه نجم الدين ، وأزاح ضيقا عن صدره كاد يتلفه ويودي بمستقبله . . ؟ !
أما المسلمون فجزعوا جميعا لموت هذا البطل ، وضجوا بالدعاء له ان يجزيه الله خير ما عمل ، ولهجوا يومئذ يذكر هذه القصة التي شاعت بينهم على أنها آلة حيه للجهاد الديني وهي :
" أنه لما نزل الفرنج دمياط في الحصار الذي قال فيه نور الدين محمود إني لاستحي ان يراق الله مبتسما والمسلمون محاصرون بالفرنج . ثم في الميلة التي رحل الفرنج فيها عن دمياط رأي إمام لنور الدين محمود في منامة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له : اخبر نور الدين ان الفرنج رحلوا عن دمياط في هذه الليلة . فقال رسول الله ربما لا يصدقني فاذكر له علامة يعرفها ،
فقال له النبي : قل له بعلامة ما سجدت على تل حارم وقلت اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودا ، ومسن هو محمود الكلب حتي تنصره ؟ قال الإمام فانتهت من نومي ونزلت إلي المسجد ، وكان من عادة نور الدين ان ينزل إليه بغسلس ، ولا يزال يتهجد فيه حتى يطلع الصبح قال : فتعرضت له فسألني عن أمري ، فأخبرته بالمنام وذكرت له العلامة إلا أنني لم أذكر لفظة الكلب . فقال نور الدين محمود : اذكر العلامة كلها . والح علي في ذلك . فقلتها فبكى رحمه الله رحمة واسعة وصدق الرؤيا
فارخت تلك الليلة فجاء الخير برحيل الفرنج عنها

