نكتب هذه السطور صباح الجمعة ، وقد أرجأت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة البت فى القضية لما بعد هذا اليوم ، بعد أن تبين أنصار التقسيم أنهم لن يظفروا بالأغلبية الكافية لإقرار التقسيم . وهم يحاولون فى الفرصة الضيقة التى تركت لهم أن يؤثروا فى بعض الدول الممتنعة لتكون فى صفهم ، ولا ندرى ماذا تنتهى إليه الأمور ، وإلى أى حد تستطيع الصهيونية وأنصارها النجاح فى كسب أصوات بعض الدول الممتنعة عن التصويت إلى جانبها . ولكنا نحس على الرغم من كل ما سيكون ، أن فكرة التقسيم لا تجد تأييدا صحيحا من ضمائر ممثلى الأمم ، وأن أنصارها الحقيقيين قلة ذات نفوذ تسعى بشتى الوسائل للوصول إلى أغلبية مصطنعة تفرض هذا الحل الظالم فرضا على العرب .
لقد أقر مبدأ التقسيم فى اللجنة الخاصة بأغلبية ضعيفة وكانت أصوات المعارضين والممتنعين عن التصويت أكبر من أصوات المؤيدين ، وظهر فى الجمعية العمومية أن مؤيدى الصهيونية ٢٥ صوتا ، وأن المعارضين ١٣ والممتنعين ١٨ ، وقد استطاع العرب أن يكسبوا تأييد ثلاثة أصوات من أصوات الممتنعين ، هى أصوات اليونان والفلبين وهايتى . واستطاع الصهيونيون أن يكسبوا أصوات ثلاث دول منها . هى هولاندا والبلجيك ونيوزيلاندا ، فأصبح الوضع إلى اليوم ٢٨ صوتا فى جانب التقسيم ، و١٥ ضده ، و١٢ على الحياد ، وإذا ظل الحال على ما هو عليه فشل المشروع . أما إذا أسفرت مناورات مؤيدى التقسيم عن
كسب صوتين أقر المشروع ، وحلت الكارثة التى كان العرب يسعون جهدهم لمفاداتها .
ومما يؤسف له أن يلقى هذا المشروع الظالم تأييدا صريحا من أمريكا التى تربطها بالدول العربية صلات قوية ، والتى كان الشرق يتطلع إليها على أن تكون أداة خير وإصلاح فى هذا العالم ، لما وقر فى الأذهان من نصرتها للحق والحرية وبعدها عن الأغراض الاستعمارية وتعففها عن التفكير فى استغلال الأمم لمصالحها الخاصة بما أوتيته من موارد غنية تزيد على حاجتها ، ولكن هذه الدولة العظيمة قد أصبحت خاضعة فى سياستها الخارجية لاعتبارات صغيرة . فأحزابها السياسية فى سبيل الظفر بنجاح محلى فى انتخاباتها الداخلية وضمان أصوات اليهود الذين يؤلفون قوة حقيقية فى بعض ولاياتها - هذه الدولة لهذا الاعتبار وغيره من الاعتبارات الصغيرة تضحى بفلسطين وبصداقة الدول العربية وتبيعهما بهذا الثمن البخس .
وروسيا التى تسعى فى التحبب إلى الشرق ودوله وتؤيدهم فى مناوأة الاستعمار تغلب عليها شهوة النفوذ إلى الشرق باسم الاشتراك فى تنفيذ قرار التقسيم وغزوه بطائفة من يهود بولاندا ورومانيا وغيرهما ممن أشربوا روح الشيوعية ليكونوا عدتها فى المستقبل ، فتفرض هذه الجموع الغريبة على تلك البلاد ، وتقتطع أفضل أجزائها لسكناهم ، وتحاول أن تفرض على العرب بالقوة هذا الوضع الجائر .
ليست مشكلة اليهود مشكلة تشرد وجوع ، فهذه

