التعلم ككل العمليات النفسية له مبادئه وشرائطه ، مراحله ونتائجه ، وهو ككل الظواهر النفسية المعقدة يحتاج دارسه الى تجزئته تجزئة تتمشى من جهة ومنطق المناهج الدراسية لمختلف النشاط النفسى ومن اخرى تتلاقي وبقية الباحثين في تصورهم للجزء فى ضوء الكل الشامل له من حيث انه يستمد من بنيته مفهومه ومن كنهه مدلوله . فالتجزءة المنهجية ان هى فى مثل هذه الدراسات الا اجراء املاه البحث ومقتضياته ، واقتضته الرغبة فى تحليل المركب الى ابنيته الاولية ومراحله التكوينية باعتبار ان تصور المعقد وتعقله يتيسران فى التقسيم والترتيب وبالتالي فى التنظيم والتركيب . فالجزئية مهما كان تحليلنا لها ومهما كان ابرازنا لمميزاتها وخصائصها ينبغي الا تفهم فهما نهائيا الا اذا كان ذلك فى الاطار التكاملى الذى تنتظم فيه بقية الاجزاء التى تتكون منها الظاهرة النفسية موضع الدرس . هذا وعلى قدم الاهتمام بدراسة ظاهرة التعلم فى الانسان فقد كان ما كتب بصدده مجرد ابحاث نظرية لا تمت بصلة الى التحريات التجريبية والوسائل المعملية الحديثة كتلك التى طالعنا بها العالم الالمانى Hermann Ebbinghaus في دراسته للتقدم الناجم عن التمرين والدربة . فقد انتهى هذا العالم الى ان التعلم هو التغير الذى يحدث نتيجة للنشاط فهو بهذا اذا اردنا ان نثبت اننا قد اكتسبنا شيئا جديدا ، او بمعنى آخر اذا تحصلنا على شئ لابد وأن نختبر انفسنا مرتين على الاقل : قبل التمرين وبعده ونرصد ذلك بيانيا فالمنحنى البيانى يوضح لنا مقدار التقدم بعد التمرين وهو ما يعنيه أبنقوس " بالتعلم " اما ما انتهى اليه غيره من المتأخرين فهو ان التعلم عملية نفسية يؤدي فيها السلوك الى صاحبه ازديادا فى التكيف ، ونماء فى الخبرة والمقدرات الذهنية التى بها يصبح الفرد قادرا على ان يواجه مقتضيات البنية الاجتماعية والمادية بانواع من الاستجابات التوافقية الجديدة - فهو ان شئنا عملية تحوير للخبرة السابقة بان تصبح اكثر تطورا وامتن تكيفا مما كانت عليه سابقا - وكما اسلفنا اهتم علماء النفس
بدراسة هذا التغير او هذا التحوير فى الخبرة بطريقة التجزءة المشار اليها آنفا فقد امكنهم تقسيم هذه العملية الى ثلاث مراحل : ١) مرحلة التحصيل " Acquisition وهى تلك التى يلقن فيها الفرد الاستجابة الجديدة بما يدخل في ذلك من تدربه عليها وتمرنه بقصد اكتسابها . ٢) مرحلة الكمون وهى مرحلة الابقاء على تلك النماذج المكتسبة فى الوعى الى وقت استعادتها والافادة منها عند الحاجة . ٣ ) مرحلة الاسترجاع او التعرف وهى المرحلة التى تظهر فيها نتيجة التمرين ومحاولة الاكتساب ، وهى المرحلة التى نتبين فيها نجاح او اخفاق الفرد فى محاولته تعلم خبرة معينة او مهارة آلية معينة . فقد اجريت تتبعات دراسية متنوعة لكل من هذه المراحل الثلاثة عززها الضبط الاحصائي للنائج الى ان عرفت الخصائص المميزة لتلك المراحل بأسلوب رياضى لا اشتباه فيه .
والى هذا التقسيم المنهجى لاطوار التعليم حاول علماء النفس من الناحية الوصفية ان يقولوا بتقسيم مماثل بالنسبة للطرق المتبعة فى التعلم او الاكتساب . فقد انتهوا الى وجود اربع وسائل بها تتم عملية الاكتساب والتحصيل :
١) منذ حوالى خمسين سنة انتهى الدكتور Yerkes الى وجود نوع من التعلم يتم عن طريق المحاولة وحذف الاخطاء وقد اعلن هذه الحقيقة على اثر تجاربه العديدة المتوالية على الحيوان - فقد لاحظ هذا العالم ان الحيوان يكتسب انواعا من الاستجابات الجديدة او النماذج الجديدة للقدرة والنشاط على اثر المحاولات الفاشلة التى تقل شيئا فشيئا فى حين تزداد المحاولات الناجحة المتصفة بالدقة والثبات .
٢) اجرى العالم الروسى Ivan Pavlov عدة تجارب على ظاهرة التعلم انتهى منها بالملاحظة الآتية : وهي انه يمكن ان يعدل اى نشاط وظيفي اذا ما ارتبط حدوث المثير الاصلى بمنبه آخر ثانوى لا توجد فيه صفة المنبه الطبيعى ، فينتج عن هذا الارتباط ان يكتسب المثير الجديد صفة المثير الاصلى وبذلك تحدث الاستجابة عندما يحدث هذا المثير بمفرده . هذه الاستجابة للمثير الثانوى اسماها (بافلوف) الاستجابة الشرطية ومن هناقيل بالاكتساب عن طريق الاشتراط Conditioning
٣) هناك وسيلة ثالثة يتم بها التحصيل والاكتساب وهي وسيلة التنظيم organisation اى تنظيم المدرك او المثير وتستعمل عادة فى المواقف التى يكثر فيها التعقيد والغموص من ذلك مثلا حالة السائح الاجنبى الذى يدخل احدى المدن
العالمية فانه فى اول الامر سيبقى مشدوها بين المعالم والطرقات ولكن سرعان ما تتوفر لديه المعلومات وهكذا شيئا فشيئا وسيعمل على تنظيم اجزاء المدرك وبالتالي ربطها فى مدرك كلى وعندها يتكون له استبصار بما هو فيه وفى هذا الخبرة اللازمة لاتجاه السلوك وضبطه آخر الامر .
٤) من المعلوم ان الحياة الاجتماعية قوامها التأثير والتأثر ، وان العلاقات الاجتماعية تستدعى نوعا من الاتحاد بين الذات والاخرين في شتى جوانب الشخصية ولعل هذه الظاهرة اشد وضوحا عند الاطفال منها فى الكبار البالغين فالطفل فى علاقته مع ذويه يتحد معهم اتحادا كليا بحيث يقول الذى يقولونه ويفعل الذى يفعلونه امامه ولعلنا لا نبالغ اذا قلنا بان الاطفال يحاكون الاباء والامهات فى انفعالاتهم ومشاعرهم . فهم يتعلمون عن طريق التقليد والمحاكاة انواع المهارات ومختلف الخبرات النفسية والمعرفية . هذا النوع من التعلم تم كما رأينا عن طريق الصلات الاجتماعية فاللغة مثلا يقع اكتسابها لا عن طريق المحاولة والخطا ولا عن طريق التنظيم بل عن طريق الاحتكاك الاجتماعى والتداخل الوجدانى ،
هذه الطرق الاربعة تهدف كلها الى الحصول على نماذج جديدة من الاستجابات الا ان الذى جعل علماء النفس يدرسونها كلا على حدة على الرغم من تشابهها وتداخلها المتين فى بعض المواقف هو ما وقفوا عليه من ان لكل طريقة من تلك الطرق مظاهر ومميزات خاصة بالاضافة الى ما تملية الدراسات التجريبية من السعى وراء التقسيم والتجزءة بصورة او بآخرى .
الى الآن تناولنا التقاسيم المتبعة لمراحل وطرق التعلم والآن سنوالي بذكر المبادىء الاساسية لهذه الظاهرة النفسية ذات الاهمية الجسيمة فى تطور الافراد والجماعات . فقد اتفق كل الباحثين لموضوع التعلم عموما على ان هناك مبادئ ضرورية لابد من توفرها لكى تتم عملية التعلم ، اول هذه المبادىء الدوافع : فالانسان لا يتعلم بدون دافع فمثلا دافع الجوع هو الذي يجعل الطفل يصرخ ويبكى كلما أحيل بينه وبين الطعام فهو قد تعلم هذه الوسيلة التوافقية إذ سبق له فى وجيز خبرته ان البكاء قد جلب له تحقيق الرغبة او اشباع الدافع - يلى هذا المبدأ ذكر مبدا آخر له اهميته وهو المنبه او المثير الخارجى : فالدوافع تدفع الانسان للقيام بالنشاط ، اما الذى يحدد هذا النشاط من حيث الشكل العام والطريقة
فهو المنبه الخارجى . فاشارة المرور الحمراء تملى على سائق ( الاوتوموبيل ) انواعا من الاستجابات المجددة مثل رفع قدمه من على لولب الوقود وضغطه بالتالي على أداة التوقف - اما معرفة النتيجة فتساعد على سرعة التعلم فالشخص الذي يعرف نتيجة عمله يكون اسرع فى تعلمه من الشخص الذي لا يعلم شيئا عن نتيجة العمل الذى يؤديه - وفى النهاية نذكر الجزاء او الثواب فالانسان لا يعمل للحصول على شئ لا يستطيع ان يناله مثله فالغاية او الحاجة التى يعمل الانسان للحصول عليها نسميها جزاء مثال ذلك المرتب الذى ينقاضاه الموظف الحكومى فى اول كل شهر .
هذا وقد لا ينجح كل فرد فى تعلمه للأشياء ، فقد ينسى المرء ما قد تعلمه بالامس قبل ان تتاح له الفرصة المواتية لاستعمال ما تعلمه ويكون ذلك نتيجة لكثرة الاشياء التى تعلمها مثلا او لضعف التعليم نفسه : فقد تنشأ عادات سيئة واخطاء من المران فى تلك المواقف التى يكون انتباه المتعلم فيها قليلا ، او لان موضوع الدرس من الموضوعات المملة لميوله الشخصية ، وهناك عقبة اخرى تقف فى سبيل التعلم وهي فقدان المرونة فالشخص الذى يقضى طول حياته فى مكان واحد ويكون عرضة لمجموعة من الافكار والعادات والمثل الثابتة يكون بلا شك غير متغير فى اتجاهاته وافكاره الاجتماعية وبالتالى يصعب احداث اى تغير فى خبرته لانعدام عنصر المرونة او لانعدام الطواعية لفهم وجهة نظر الآخرين ، بل على العكس كلما حاولنا اقناعه او حمله على معتقد زادته هذه المحاولة حصانة ونراه تبعا لذلك يزداد ثبوتا على ما تعلمه سابقا . ومما يساعد على هذا الثبوت وعلى فقدان المرونة الاجهاد والاضطرابات العاطفية الشديدة وكذلك الادمان على المسكرات او المخدرات او حتى بعض الاصابات المخية فى كثير من الحالات .
وفي بداية التعلم يكون من الاحسن الاستئناس بنصائح الاخصائيين لانه فى هذه المرحلة اى مرحلة الابتداء تحدث الاخطاء الجسمة التى جب ازالتها مباشرة لما قد ينجر منها من اعوجاج فى التكوين البنائى او الوظيفى . وللتمرين اهميته الكبرى فلكى يتجنب الفرد نسيان ما تعلمه عليه ان يستعيد باستمرار ما قد وقع اكتسابه بان يكرس وقتا مناسبا للاسترجاع وان يستمر فى التمرين حتى بعد ان
يشعر بذلك الشعور الخادع الذي يوحى اليه بانه قد أجاد استيعاب الشئ ، فعليه ان يكرر الموضوع حتى يتيقن من استيعابه له . وقد كان لادخال نظم التعليم الحديثة اثر كبير فى الاقلال من الوقت المخصص للأكتساب والتحصيل حتى ان المهندسين فى الحضارة المعاصرة قد ادركوا انه عند اكتشاف آلة جديدة لخدمة الانسان فان البحث السيكولوجي ضروري ليوضح كيف يستطيع الناس الحصول على اكبر فائدة منها وبايسر مجهود وباسرع ما يمكن ولعل بعضهم يحاول ان يأخذ رأى علماء النفس حتى قبل تصميمه للالات الجديدة والمبتكرات المفيدة .
الى هذا الحد عرضنا مجمل النواحى التى اهتم علماء النفس بدرسها وتتبعها تتبعا تجريبيا في هذا الموضوع الذي يتصل اتصالا مباشرا بكل منحى من مناحي الحياة الفكرية والعملية الشئ الذى جعل اهتمام الحكومات بموضوع التعلم والتعليم يزداد بازدياد نضجها السياسي .
