الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 655الرجوع إلى "الثقافة"

سينما, فيلم ظهور الإسلام

Share

ما أظن ني أتجني على الفيلم المصري إذا قلت إنه لم يصل بعد إلى المستوي التي الذي نرجوه له . وينطبق هذا على سائر الفنون التمثيلية عندنا كالراديو والمسرح . وما أظن أني أتجني على أدبائنا إذا قلت إنهم مسئولون إلى حد كبير عن هذا القصور ، لأنهم ما برحوا متباعدين عن الأدب التمثيلي والفنون التمثيلية على وجه العموم . وربما كان مما يزيد مسئوليتهم عليهم علم اليقين أن الأدب الممتاز يتجلي أكثر ما يتجلي في هذه الفنون كما هو الحال في أوربا ، وأن أهم عناصر الإنتاج الفني هو " ال الموضوع " الذي هو من اختصاصتهم دون غيرهم ، وأن الأدب العربي أن يساير الآداب الغربية الممتازة إلا إذا شارك فيما تشارك فيه من نشاط فني ، وإلا إذا نهض أدباؤه بمثل ما ينهض به أدباء الغرب من ثمات فنية

من أجل ذلك كله فرحت فرحا شديدا بفيلم ) ظهور الإسلام ( لا لشئ . إلا لأن الأديب الكبير طه حسين هو الذي ألف موضوعه ووضع السيناريو الخاص به وأشرف على إعداده للسينما .

على أن الوقوف عند حد الابتهاج بهذه المحاولة الجدية أمر لاغناء فيه . فلا أقل إذا من أن تنظر إلى أي حد عملت على تغريب إنتاجنا السينماني من الأوضاع الفنية وتهيئته لتحقيق رسالة الفن التمثيلي .

إن النظرة الأولى غذا القبلم تظهر لنا بجلاء أنه صورة تكاد تكون حرفية لبعض المشاهد التي تضمنتها قصة ) الوعد الحق ( . وهذه القصة ليست سوي وصف سريع لبعض شخصيات عرفها التاريخ قبيل ظهور الإسلام ، وسرد موجز لبعض معتقدات العرب وعاداتهم وقتئذ ، وتسجيل عابر لأثر الإسلام في هؤلاء الناس ، وفي هذه المعتقدات

والعادات ، أي أنها - وهذا لا يعيبها - ليست قصة تمثيلية يتحقق التعبير الرمزي في دلالاتها ومدلولاتها ، بحيث تتجسد معانيا تجسيدا حسيا ، وتحيا شخصياتها في عالم مأهول ، ويحتدم الصراع بينها تبعا لما يحركها ويكيفها ، ويرين عليها من ) فصل ورد فصل. . الخ .

وغني عن البيان أن الفن السينمائي ليس مجرد تصوير محتويات كتاب ما أو جزئيات قصة ما ، كما انه ليس من المحتم على واضع السيناريو أن يعتمد بالضرورة على قصة تمثيلية بالذات ، إذ أن له - كما لكل فنان - أن ينقل إلينا التجربة التي أحسها ، أو الاختبار الذي تمرس به حسبما يشاء دون أن يعنينا في كثير أو قليل نوع المصدر الذي اتخذ منه مادته الأولى . . وإنما عليه إزاء هذه الحرية في الاختيار مسئولية إخضاع ما اختاره لأصول الوضع الفني الجديد الذي يعمل فيه .

ولا شك في أن مؤلفنا الكبير قد وفق في تحقيق كثير من الخصائص التى ينبغي أن تتحقق في كل عمل دراماتيكي على وجه الإجمال وفي السيناريو على وجه التحديد . ولا أدل على ذلك من نجاحة الكامل في اختيار أهم الحوادث وعرضها في زمن سينمائي محكم ، غير أن الحرص على الاحتفاظ بها كما هي بأسرها وبكل تفاصيلها لم يهيئ للبناء الفني Constructions   بعض العناصر التي لاغني عنها وأبرزها " الصراع  Conflict ولست أزعم أن الفيلم قد خلا خلوا تاما من هذا العنصر الجوهري ، فما أذكر أن لحظة واحدة تمر على مشاهديه دون أن يروا إنسانا يبارز إنسانا أوجحفلا يلاقي جحفلا . . ولكن هل يحسون خلال ذلك بإحساس درامي  .

إن مثل هذا الإحساس يتولد من الإحساس بقوة

الصراع الدرامي الذي لا يكون إلا بين الإنسان وبين قوة جبرية ، وكل أنواع التمثيليات الممتازة في شتي العصور تتفق في هذا ، وإنما تختلف صور الصراع فيها باختلاف مفاهيم الناس للكون الذي يعيشون فيه . هكذا امتازت تمثيليات الإغريق مثلا لأنها كانت تصويرا لصراع رهيب بينهم وبين القضاء حتى ليسميها النقاد ) دراما الإنسان والقضاء ( وهكذا امتازت دراما عصر النهضة لأنها كانت تصويرا لصراع عنيف بين الإنسان الضخم - الإنسان الذي ضخمته نظريات ذلك العصر - وبين القوي التي تتحكم في التصرف البشري ، ولذلك يسميها النقاد ) دراما العظمة الإنسانية ( . . وهكذا . . وهكذا . .

فما هو نوع الصراع الذي نجده في فيلم ظهور الإسلام ؟ نحن نجد هنا على التحقيق صراعا رهيبا وعنيفا بين رغبات ودوافع شريرة ، ورغبات ودوافع خيرة ، أو بين الحياة الدنيا والآخرة ، أو بين متطلبات الجسد ومتطلبات الروح . ومعلوم أننا إذا بحثنا عن شبيه لذلك في تاريخ الدراما لما وجدناه إلا في دراما العصور الوسطى التى يسميها النقاد ) دراما عالمين Drama of Two World  بالنسبة إلى أنها تمثل نوعا من التعارض بين الدنيا باعتبارها مجال الشر والرذيلة ، وبين الآخرة باعتبارها مجال الخير والفضيلة ، ويعتبرونها غير ذات صراع ، لأن الصراع فيها غير درامي . أو هو يعتبر آخر صراع ليست " القوة الجبرية " طرفا فيه

فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى النظر في ) الوحدة الفنية ( وجدنا قبل كل شئ أن من أبرز ما يلاحظ في هذا الفيلم صوت " الراوي " الذي صاحب مختلف مناظره وتخللها من أولها إلى آخرها . وأعترف أن مثل هذا وإن يكن غير معهود في أي فيلم سينمائي بهذه الكيفية إلا أنه كان هنا ضروريا ، فقد كان من غير الممكن أن نعلم شيئا كثيرا عن تلك المناظر و لم يصفها لنا منظرا بعد منظر ويحدثنا عن تفاصيلها و ودقائقها . لكننا من جهة اخرى نعلم أن من أهم أركان نظرية التقليد " عند أرسطو - تلك النظرية . التي لا تزال صحيحة إلى يومنا هذا - أن الدراما تمثل أمام الجمهور بواسطة أشخاص ناطقين ) أي الشخصيات ( وهؤلاء

هم وحدهم الذين تتمثل الدراما في أعمالهم ، بمعنى أن حوادث القصة التمثيلية لا تمثل إلا بواسطتهم وبحيث لا يعبر عنهم وعن شعورهم وتفكيرهم سوي سلوكهم وحوارهم .

ومؤدي ذلك أن ليس  للراوى  وجود أصيل في العمل التمثيلي .

ثم إنه من المفروض في الدراما أن تتجسم معانيها في هذه الشخصيات لاسيما الرئيسية منها ، وهذه وتلك سواء بذواتها أو بامتداداتها تبدا مع بداية التمثيل وتنتهي بنهايته ، بشرط أن تتطور خلاله تطورا طبيعيا ومنطقيا وحتميا في نفس الوقت ، أى تتطور من بداية تعلمها إلى نهاية تعلم أن لا مفر منها طبقا لقانون الاحتمال أو الضرورة . . لكن شخصيات هذا الفيلم تظل جميعها من البداية إلى النهاية ذات سمات وقسمات واحدة بلا تغيير .

حبي كذلك من أبرز ما يلاحظ في هذا القبلم أن شخصياته الرئيسية ) محتجبة ( أي لا نراها ولكن نسمع عنها من غيرها . واحتجاب الشخصيات شئ معهود في الفن التمثيلي بشرط أن يكون ذلك لضرورة فنية . فالتركيز مثلا - وهو من أروع مزايا هذا الفن - يقتضي تقليل عدد الشخصيات إلى أدنى حد ممكن . فهل كان احتجاب بعض شخصيات هذا الفيلم بسبب التركيز أو بأي سبب فني آخر ؟ أظن لا . وأظن أن المخرج الفاضل - بحكم طبيعة عمله وبحكم اشتراكه في السيناريو - مسئول عن ذلك أولا . لأننا إذا التمسنا له عذرا في مسايرة الرأي القائل بعدم جواز تصوير بعض أعلام الإسلام ، فما الذي اضطره إذا إلى المحافظة على سياق القصة الأصلية وهو مرتكز على هؤلاء الأعلام ارتكازا جوهريا ؟ لقد ترتب على هذا شعورنا بأن هناك شخصيات " غائبة " كان ينبغي ) إيجادها ، وأدى هذا بالتالي إلي انزواء بعض المعاني وإلى انطماس بعض المعالم وإلى وجود فجوات في التسلسل والسرد والعجيب أنه - أي المخرج - كأنما كان يعمل على توسيع هذه الفجوات وتضخيم هذا النقص من فرط تذكيره لنا بتلك الشخصيات دون تهيئة مجالاتها الحيوية أو حتى دون الرمز إليها رمزا فنيا ، لأن علامة الرمز الفني الدال أن يغني عن المرموز إليه غناء طبيعيا ومنطقيا ، أما أن يذكر ) الراوي ( دخول الرسول العظيم

يثرب ثم لا نري سوي جزء من الناقة التي استخدمها . أما أن يحدثنا عن إحدي الغزوات بقوله : ) وكان أول سيف ارتفع هو سيف على بن أبي طالب ( ثم لا نري سوى نصل هذا السيف . فذلك ما لا عهد للفن التمثيلى به .

واعتقادي أنه لم يكن من المستحيل على واضع السيناريو أن يتخلص من مثل هذه المآزق الدقيقة لو أنه استطاع تكييف الحوادث دون أن يحتم على نفسه أن يلتزم الأصل التزاما حرفيا . وإلا فليس مما يضير قصة ما أن تكون غير

ملائمة للاخراج السينمائي

بقي أن أسأل عن الغرض من هذا الفيلم . والحق أني لا أدري إن كان يهدف إلى التعريف بفضائل الإسلام لتزداد إيمانا . . أم التعريف بتضحيات المؤمنين السابقين كنموذج رائع يدعونا إلى التأسي بهم . . ربما كان هذا كله أو بعضه ؟ وحبذا لو كان هذا كله أو بعضه ، ولكن إلى أي حد تعتبر مثل هذه الأغراض متفقة مع وظيفة الفن التمثيلى

اشترك في نشرتنا البريدية