سرني أن أقرأ في (الثقافة) كلمتين متتاليتين عن فيلم مكبث تعقيبًا على ما كتبته عنه (١). فهذا بعض ما كنت أبغيه حين قلت إنني أريد أن أنتهز فرصة عرضه وأحاول أن أثير بين نقادنا ما يثيره نقاد الغرب في هذه المناسبات من مسائل فنية، لعل في إثارتها ما يعود علينا بالمائدة. وهذا هو كذلك ما يدفعني إلى مناقشة بعض ما جاء في هاتين الكلمتين لعلنا نصل إلى الحقيقة.
جاء في الكلمة الأولى ما ملخصه أن هذا الفيلم صورة لما كان عليه الناس في عصر شيكسبير، وأنه لهذا يقوم على عاملين أساسيين هما: "الخرافة والدين" وان بطله مكبث توجِّه الخرافة خطواته نحو الجريمة ومع ذلك فإن الدين يجعله يحس في قرارة نفسه بأنه لا يجد راحة في تصرفاته. وأن شيكسبير يشير بهذا الإحساس إلى الضمير الذي لا تطمره الخرافات ولا تطمسه الشرور والآثام، وأن مكبث عندما يطالع هذا الشعور يراجع نفسه فيرى أنه -بالرغم من كسبه العظيم للتاج الملكي ونجاحه في كل تدبيراته- مشتت النفس، لأن إحساسه الديني -كمسيحي- يؤكد له أنه لن ينجو من عذاب النار طالما أنه قتل الملك وشرد الناس ... إلخ... إلخ.
وغني عن البيان أن هذا الفيلم هو حقًّا صورة لما كان عليه الناس في عصر شيكسبير، شأنه في ذلك شأن كل دراما ممتازة... ولكن هل كان الناس وقتئذٍ -أي في عصر النهضة- مؤمنين بالخرافة والدين معًا على هذا النحو!
هل كانت الخرافة توجههم من جهة والوازع الديني المسيحي يسيطر عليهم من جهة أخرى بحيث يعتقدون أن النار مصير المجرمين الآثمين؟.
إن الإجماع على أن عصر النهضة هو عصر يقظة العقل وتحرره من قيود العقائد وانتشار العلوم والمعارف، وانبعاث صيحة روجر يكون بالدعوة إلى التجربة والاختيار، واتفاق رواد الفكر الجديد على استهجان الكتب والتقاليد القديمة، ومن ثم ظهرت العصامية في الأفراد وظهرت الفردية النامية في المجتمع وظهرت النزعة الإنسانية في الفن والأدب وظهرت البروتستنتية في الدين... وهذا كله بمثل حضارة الطبقة المتوسطة التي تكونت وقتئذٍ وأطاحت قيمها بقيم القرون الوسطى والمظلمة وعصور الإقطاعيات الريفية.
والمفروض أن تتجلى سمات ذلك جميعه في مظاهر النشاط الفني والأدبي والدراما في مقدمتها. فكيف يتفق هذا إذا سلَّمنا بأن دراما مكبث تقوم على عاملي الخرافة والدين؟!.
أيمكن أن نفترض إذًا أن رجال المسرح -وهم في شتى العصور معبرون عن العصر الذي كتبوا فيه والناس الذين كتبوا لهم- لم يكونوا كذلك في عصر النهضة؟ لكن الواقع غير ذلك بل عكس ذلك. فمعظمهم كانوا من قادة هذا الانقلاب الفكري والروحي، حتى لقد اتُّهموا بالإلحاد مثل ييل وكيذ ومارلو ولودج... وقُدِّم بعضهم للمحاكمة بسبب هذه التهمة. وقد تجلت نزعتهم الإلحادية هذه بشكل واضح في كثير من مسرحياتهم حتى لنجد في إحداها مثل هذه العبارة:
"ما الدين عندي سوى ألعوبة طفل وما من خطيئة على الأرض سوى الجهل"
وعلى وجه العموم لم يكن كُتاب مسرح عصر النهضة يكتبون حول فضائل الخير ورذائل الشر وثواب المؤمن وعقاب الكافر وتقديس الأولياء والتهكم على الشيطان كما كان الحال في القرون الوسطى، وإنما أصبحوا يعنون بالحياة الدنيا التي يحياها البشر ويصورون الآمال والمطامع الإنسانية ويركزون اهتمامهم في إبراز عظَمة الإنسان.
إذا كيف يمكن تفسير دراما مكبث تفسيرًا سليمًا يربطها بروح العصر؟.
أغلب الظن أن ظاهر الرواية لا يعيننا على ذلك، بل يتمشى مع تفسير كاتب الكلمة التي نناقشها. فالقائد مكبث يعود من غزواته منتصرًا فيقابل ثلاث ساحرات يبشرنه بأنه سيكون ملكًا، فتزداد مطامعه ويقتل الملك وينتزع عرشه لكنه يعيش بعد ذلك في رعب وفزع إلى أن يلقى حتفه.
غير أننا إذا تعمقنا النظر في جوهر المشكلة -مشكلة العلاقة بين القدر والإنسان كما يتصورها شيكسبير وعصره- وجدنا أن فهمنا لها مرتبط بمدى فهمنا لأثر الساحرات في هذه المأساة، فإنهن هنا رمز القدر.
ونحن أمام احتمالين لا ثالث لهما. فإما أن لهن فعلًا وجودًا موضوعيًّا، أي أن شيكسبير يؤمن بوجودهن وجودًا حقيقيًّا، وإذًا تكون مأساة مكبث راجعة إليهن أي إلى القدر قبل كل شيء. وإلا فيكون وجودهن ذاتيًّا أي امتدادًا لخيال مكبث وأمانيه، وتبعًا لذلك يكون المسئول عن شقائه هو نفسه لا القدر.
وقد كان من الممكن أن نجزم بأحد هذين الاحتمالين لو أننا عرفنا تمامًا عقيدة شكسبير الدينية أو على الأقل مدى إيمانه بالقدر وأثره في تصرفات الإنسان. ولكن هذا ما لا سبيل إلى معرفته معرفة يقينية، لقلة المعروف عن هذا الشاعر المسرحي من جهة، ولأن العصر كله كان عصر اضطراب فكري وروحي من جهة أخرى.
إذا ليس في وسعنا سوى محاولة معرفة مدى مسئولية الإنسان في الحياة الدنيا وأثر القدر في تصرفاته وفي تعيين مصيره في الحياة الآخرة من وجهتي نظر المذهبين الدينيين السائدين وقتئذٍ، وها الكاثوليكية والبروتستنتية، على اعتبار
أن الكاثوليكية هي المذهب الذي كان سائدًا في القرون الوسطى، وأن البروتستنتية -كما يقول صاحب كتاب برومثيوس طليقًا- هي التخريج النهضى للمسيحية، وأن الصراع بين هذين المذهبين كان على أشده في ذلك العصر... ثم نحاول تفسير دراما مكبث على ضوء ما قد نصل إليه.
وأبادر فألخص الفوارق بينهما -في هذا الصدد- في عبارة واحدة، وهي أن الكاثوليكية تبشر بنظرية (العدل الإلهي Divine Justice) بينما تبشِّر البروتستنتية بنظرية (اللطف الإلهي Divine Grace).
فالكاثوليكية تدين بأن الإنسان يولد ملوثًا بخطيئة موروثة هي "الخطيئة الأولى" وينبغي قبل كل شيء أن يتطهَّر منها ثم بعد ذلك يُجازى في آخرته بما يفعله في دنياه.
والأصل في ذلك عندهم أننا من سلالة آدم وحواء ولهما خطيئة معروفة وقد ورثناها عنهما فيها ورثنا. وجاء السيد المسيح مخلِّصًا لنا منها بدمه ولحمه. ففي آخر ليلة قبل صلبه -كما يعتقدون- اجتمع مع تلامذته على مأدبة (وفيما هم يأكلون أخذ الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي... وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلًا: اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد بُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا)(١).
ولا يزال التعبير عن هذا متبعًا بطريقة رمزية في الطقوس الدينية الكاثوليكية وأهمها (الاعتراف) و(المناولة). فهم يعترفون أمام الكاهن بأخطائهم ثم "يتناولون" في الكنيسة النبيذ والقربان رامزين بهما إلى دم المسيح وجسده، وبهذا يتطهرون من الآثام جميعًا وبعد ذلك يحيا كل مهم كما يختار. فمن يتبع الخير مصيره إلى الجنة، ومن يتبع الشر فالنار موعده وبئس القرار ، أي أن كل إنسان يلقى جزاء ما قدمت يداه، وهذا هو (العدل الإلهي).
أما في البروتستنتية فلا يعترف الإنسان أمام الكاهن ولا يعرف مصيره في آخرته؛ قد يفعل أحدنا الخير ومع ذلك لا يضمن الجنة، وقد يكون شريرًا ثم يحظى بها إذا شمله (اللطف الإلهي).
وسبب ذلك أن جذور هذا المذهب -من الناحية الفلسفية- متصلة بالأفلاطونية والهرمزية ومذهب المعرفة Gnosticism، ففي هذه المذاهب نجد أن العالم الذي نعيش فيه إنما هو ظل لعالم آخر، هو عالم المُثُل، وأننا قبل أن نُوجد على الأرض كنا في ذلك العالم مُثُلًا. وحدث أن ثارت هذه المثل فغضب الإله عليها وعاقبها، إذ أمر (هرمز) بأن يصنع لها أجسادًا من الصلصال وأن يحبسها في هذه الأجساد. لهذا نحن نتعذب في هذه الدنيا عقابًا لنا على ثورتنا أو خطيئتنا في العالم الأول حتى يشملنا اللطف الإلهي وعلامته الوحيدة هي النجاح في حياتنا الدنيوية!
بهذا تفسر النظرية البروتستنتية لماذا يولد بعض الناس سعداء، ولماذا يلازم النحس بعضهم الآخر بلا سبب ظاهر... وهكذا.
ولهذا نجد أن البروتستنتي لا يُعنى في حياته بالخير والشر بقدر ما يُعنى بالنجاح، أي بالربح والخسارة؛ إذ إنه يؤمن بالجبرية -جبرية القدر Predestination- وبأن مصيره محتوم وغير معلوم له، وأن أهم ما يطمح إليه في آخرته أن يشمله اللطف الإلهي.
وواضح أن هذه نظرية تلائم الطبقة المتوسطة التي استبدلت التجارة بالزراعة والمدنية بالقرية، ومن ثَم أطلق عليها (الطبقة البرجوازية) نسبة إلى Burgh ومعناها مدينة. ومن أجل هذا سادت هذه النظرية في العصر الذي سادت فيه هذه الطبقة، أي في عصر النهضة... بعكس النظرية الكاثوليكية التي كانت تلائم العصور الوسطى عصور الزراعة والريف.
والفارق بين هذين المذهبين فيما يتصل بموضوعنا هو في مدى مسئولية الإنسان عن أعماله. أو فيما إذا كان مخيرًا أم مجبرًا إزاء قوة القدر.
ونحن إذا حاولنا تطبيق ذلك على تراجيديات شكسبير لمعرفة مدى المسئولية التي يلقيها على أبطاله لوجدنا أننا نستطيع أن نقول إنه يؤمن بأن القدر هو المتصرف في الحياة الدنيا؛ إذ إنه يرمز له برموز مرئية، كالأشباح
والأطياف والساحرات وما إليها، ويحمل لها نصيبًا كبيرًا في تكييف تراجيدياته... كما أننا نستطيع في نفس الوقت أن نقول إنه لا يؤمن بالقدر، لأنه يقصر رؤية هذه الرموز على أبطاله أحيانًا، وأحيانًا أخرى يُشرك غيرهم في رؤيتها دون أن ندري سببًا لهذا أو ذاك، حتى ليظن بعض النقاد أنها حيل أو أدوات مسرحية. بل إن في تراجيديا مكبث بالذات ينفرد البطل -في مشهد الوليمة- برؤية شبح بانكو، بينما -في مشهد الساحرات- يشترك معه بانكو في رؤيتهن!!.
الخلاصة: أننا لا نستطيع الجزم بأن هذه الرموز القدرية موضوعية أو ذاتية، وبالتالي لا نستطيع تحديد مسئولية مكبث عن مأساته.
وأقصى ما يُستطاع -ولعل هذا هو مغزي الدراما- أن نتساءل: هل نحن ألعوبة في يد القدر، أم نحن المسئولون عن أعمالنا؟ وهل للإنسان أن يختار؟ وهل يصرعه القدر أم خطاياه؟... إلخ... إلخ.
ولا شك في أن مثل هذه الأسئلة التي تبعثها هذه الدراما دليل على أنها مطابقة لروح عصر النهضة، عصر التساؤل والشك. أي أنها بعبارة أخرى لا تقوم على عاملي الخرافة والدين بقدر ما تقوم على عكس ذلك.
أما صاحب الكلمة الثانية فيقول -نقلًا عن مجلة إنجليزية- إن (ويلز) أخفق في إخراج وتمثيل هذه التراجيديا لسببين:
السبب الأول أنه اتبع الأسلوب التأثري الذي خيَّم على الفيلم كثيرًا من الغموض والظلام.
والسبب الثاني أنه لم يُظهر مكبث بمظهر الوغد، وإنما أظهره بطلًا، فانتزع العطف بدلًا من أن يستجلب السخط "كما هو المطلوب من الدور".
والحق كما أراه ومع احترامي للناقد وللناقل أن (ويلز) قد نجح في إخراج وتمثيل هذه التراجيديا لهذين السببين بالذات.
فالإحساس بالغموض والظلام الذي نحس به في معظم
المشاهد لا علاقة للأسلوب التأثري به، وإنما هو إحساس سبق ان أحس به الناقدان الكبيران De Sulnccy و Bradly، وعلَّله الأول بما يكتنف هذه التراجيديا من رهبة، وعلله الثاني بما يهيمن عليها من ظلام يصل إلى حد السواد؛ وهذا بالطبع منصبٌّ على النص المكتوب قبل أن يوجد المذهب التأثري بمئات السنين. فإذا كان (ويلز) قد وُفق إلى إبراز هذا الغموض وهذه الظلمة، فلست أدري كيف يُلام على ما كان ينبغي أن يُهنأ عليه.
وأعجب من هذا كله أن يُلام، لأنه أخرج مكبث بطلًا ينتزع العطف لا وغدًا يستجلب السخط كما هو المطلوب من الدور!! فليس مكبث -كما صوره شكسبير وكما أخرجه ويلز- وغدًا... وليس المطلوب من الدور أن يستجلب السخط إلا إذا قومناه بالمعيار الأخلاقي، وهو معيار لا يصلح -وحده- لتقويم الدراما عامة، ودراما شكسبير خاصة.
فمن المعلوم أن البطل الدرامي إنسان يكاد يكون كاملًا من شتى النواحي إلا ناحية واحدة ضعيفة فيه ويصرع
بسببها. وهذا الضعف على هذا النحو دليل على أن بطولته "بشرية" لا مثالية ولا ملائكية!! إذ إن الأرض لا يعيش عليها مثاليون ولا ملائكة.
وهكذا نجد أن معظم تراجيديات شكسبير تدور حول بطل تصرعه فكرة أو رغبة أو تعطش لشيء ما يستبد به أكثر مما ينبغي. فقيصر تصرعه رغبته الجامحة في المجد. وتاركوين تصرعه شهوته العارمة. وكوريولينوس يصرعه نبله المسرف. وكذلك مكبث يصرعه طموحه الفظيع... وهكذا
وهم -رغم ذلك- أبطال. ولئن كانت حياتهم تنتهي بالشقاء والموت، فليس معنى هذا أنهم يشقون ويموتون مهزومين. وحسبنا أنهم لا ينتهون إلى مصايرهم إلا بعد كفاح عنيف يستنفد أقصى ما يملكونه من قوى بشرية.

