الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 650الرجوع إلى "الثقافة"

سينما, مكبث

Share

أتيح لنا نحن المقبورين في زاوية من زوايا الشرق هنا في " الموصل " أن نشاهد الفلم العظيم " مكبث " ، وأن نحيا هائمين في أجواء " شيكسبير " محلقين مع أفكاره ساعتين ونصف ساعة من الزمن .

واتفق أن كتب في هذه الأبام القريبة الماضية في العدد ٦٤٣ " من " الثقافة " الغراء الأستاذ " عبد الفتاح البارودى كلمة طلب فيها من الكتاب والنقاد في الشرق بمناسبة عرض " مكبث " أن يتواجهوا بالحقائق ويبدو آراءهم بصراحة لتقريب هذا الفلم العظيم من أفهام الجمهور الذي كان  إقباله على هذا الأثر الجليل فاتراً تافهاً ، وهضمه لمغزاه صعباً عسيراً .

وقد أعجبني هذا القول للأستاذ كل الإعجاب ، يشهد الله ، فهو أصدق كلمة تقال في مثل هذه المناسبة ، وتعبر أحسن تعبير . أقول الحق ورزقى على الله : إن السبب هو الجهل ، فمعظم الذين استحسنوا هذا الفلم إنما استحسنوه لأنهم يخشون أن يقال إنهم - مثلا - لم يفهموا شكسبير . ومعظم الذين استقبحوه لا يستندون في ذلك إلى سند واحد من الأسانيد الفنية ، وهؤلاء وهؤلا ، لا يعلمون كثيراً أو قليلا عن شيكسبير ولا عن ( التراجيديا ) ولا عن الفوارق الدقيقة بين المسرح والسينما . . الخ . .

فرأيت باعتباري شرقيا أن أعرض ما فهمته من هذه الرواية على الجمهور ، وأن أطرح آرائي ما بين أيدي النقاد الأفاضل والكتاب ، نزولا عند رغبة الأستاذ " البارودى ولعلنا أن نفيد من هذا التفاهم وتبادل الفكر فيفيد من ثم رواد السينما من الشرقيين . . فيكون إقبالهم على الأفكار الراقية الممتازة تاماً جيداً ، يدل على ذوق رفيع ونفس متفتحة سامية . ولا تعود تلقي الآفلام الناجحة ذات الأهداف البعيدة النبيلة إعراضا وصدوفا في الشرق ، مثلما

لقيت " مكبث " التي لم تمتد مدة عرضها هنا في " الموصل " أكثر من أيام ثلاثة . . في حين عرضت أفلام منحطة وضيعة تعتمد على التهريج أسابيع وأسابيع ، فحظيت بإقبال الجمهور وتهافته وتشجيعه .

والآن فلننظر في " مكبث " : يتميز هذا الفلم العظيم عن بقية الآفلام الغربية بضخامة فكرته وفخامة موضوعه ، فهو لم يتعرض لنفس إنسانية واحدة بأن يأخذها خارجا محفلاً ، أو يقتصر في مشاهده وحوادثه على قضية اجتماعية معينة ، أو يلبث في مكان ذي حد معلوم ، كلا ، وإنما تناول نفوساً عاشت أجيالاً تعاني نزاعاً داخلياً مؤذياً وتكابد صراعاً نفسياً جباراً ، تغص عليها عيشها الساذج البرئ وحياتها الهانئة الهادئة ، فكانت في عذاب جوهري متصل دونه عذاب الجحيم .

وكان مبعث هذا العذاب عاملان أساسيان قام عليا فلم " مكبث " وهما : الخرافة والدين . فإن الغايتين الأساسيتين اللتين نشرهما وأشار إليهما وأبرزهما " شيكسبير " تتمثلان في اتجاهات بطل القصة " مكبث " وحركاته وأفعاله ؛ فهو مؤمن بالخرافة ، مستسلم لأحكامها ، مذعن لتوجيهاتها من جهة ، وهو مسيحي تتملكه الفكرة الدينية ، وتستبد بتصرفاته التعاليم المسيحية من جهة اخرى ؛ فالعاملان اللذان هدما حياة " مكبث " ونغصا عيشه هما : الخرافة والدين . ف مكبث " إنسان مقيد الفكر ، ذليل الخطوات ، لا يملك أمر نفسه ، ولا يعرف للحرية طعماً

وأول مايطالعنا من مشاهد الفلم : الساحرات الثلاث اللائي يدخلن في روع " مكبث " أنه سيكون ملكاً لأسكتلندا ، وهو امير جلاميس ليس غير . . وتظل هذه النبوءة قابعة في قراره تعمل ، حتى يستجيب ويسعى لتحقيقها ، فيبلغها بعد أن يرتكب إثماً فظيعاً لا تجرؤ عليه

حتي أبالسة الجحيم ، إذ يلوث يديه بقتل الملك الذي أحبه وأكرمه وانعم عليه ، ليحتل ملكه ويلبس تاجه من بعده . . وهذا كله تحقيقاً لنبوءة الساحرات ليس إلا !

وهكذا تظل الخرافات توجه خطوات " مكبث " وتستبد بعقله وتملك عليه لبه إلى آخر الفلم .

ومع كل ذلك فإن مكبث " في قرارة نفسه يحس إحساساً مبهما بأنه لا يجد راحة في تصرفاته هذه ، وبأن ثمة نداء خفياً يرسم له طريقاً غير التي يسلكها . . .

وهنا يشير " شيكسبير " بهذا الإحساس الغامض المجهول المنبعث من أغوار النفس الإنسانية إلى " الضمير الذي تطمره الخرافات ولن تطمسه الشرور والآثام مهما تكاثفت وتلبدت وأرهقت النفوس وملأت الرءوس .

فعندما يطالع " مكبث " هذا الشعور الغريب الواعي يراجع نفسه ، ويتصفح ماضيه ، فبري أنه بالرغم من كسبه العظيم للتاج الملكى ونجاحه الباهر الساحق في كل تدبيراته واغتيالاته ، مشتت النفس ، موزع الخاطر ، مبلبل الحياة . غير قرير البال . . ثم إنه كمسيحي اجترم وأثم وتورط بقتل الملك وتشريد الناس ، لن ينجو من عذاب النار ؟ . .

وهكذا تمضي الرواية على هذا النحو من الصراع النفساني بين هذين العاملين حتى النهاية ، ولست أريد أن

ألخص الفلم وأتناول مشاهده واحداً إثر واحد بالتحليل ، فليس في هذا من جدوي سوى تضييع الوقت ، وملء صفحات المجلة بغير إنصاف .

ومعلوم أن " مكبث " صورة واحدة لما كان عليه الناس قديماً من زمن " شيكسبير " تزحم رؤوسهم الخرافات والأوهام ، وتعبث بعقولهم وألبابهم الأباطيل . . فيغير التحرر من كل قيد وعقيدة وسخف مضي زمنه  لا يمكن للإنسان أن يعيش حراً ، وان يبتهج في هذه الحياة . ويفهمها فهماً صحيحاً يرضاه الله ، وينعم به الإنسان . .

نحن نعرف أن " شيكسبير " لم يفهمه الناس إلا من بعد مضي مئات السنين على مؤلفاته ؛ فليس عجيباً إذا ان بصعب فهم " شيكسبير " في الشرق ، والشرقيون يحيون اليوم حياة معاصري " شيكسبير " ، ويعانون نفس الصراع الذي عاناه أولئك . .

وكل الذي نتمناه هو ألا يحوجنا الزمن إلى مئات أخرى من السنين لنتحرر من قيودنا وعقائدنا ، فتنطلق آهات الإعجاب والذهول من أفواهنا وشفاهنا عند التحليق في سماوات " شيكسبير " والتمتع بروائعه . .

( الموصل )

اشترك في نشرتنا البريدية