تتيح لنا الحياة النيابية في كل عام فرصتين تعرض فيهما شئون الدولة جميعا عرضا شاملا ، الفرصة الأولي بعد أن يلقي خطاب العرش وتبسط فيه الحكومة سياستها العامة ، وتجمل ما اعتزمت القيام به من مشروعات . والفرصة الثانية حين تعرض الحكومة ميزانية الدولة وتقدم لها بيانات تفصل ما اشتملت عليه أبواب إيراداتها ومصروفانها ، وتوضح الأسس التي بنت عليها تقديراتها . وفي كلتا الفرصتين يختلف على منبري المجلسين شيوخ الأمة ونوابها من مؤيدي الحكومة ومعارضيها ،فيتناولون شئوننا العامة من كل جوانبها ، ويدلي كل ذي رأي بما لديه من مقترحات ، وما تجمع لديه من ثمرات الخبرة وطول التفكير . والذي يتتبع ما يقال في البرلمان في تلك المناسبات وغيرها من الجلسات يحس بأننا لا ينقصنا إدراك مواطن الضعف في حياتنا العامة ، ولا تنقصنا معرفة الطريق الذي
يجب أن نسير فيه لإصلاح أحوالنا والنهوض ببلادنا ، ولكننا مع هذا نتقدم ببطء في هذا السبيل فما السر في ذلك ؟
من المحقق أن الحرب الحاضرة من العوامل الهامة التي عاقت تنفيذ كثير من المشروعات النافعة ، وحالت دون استكمال الوسائل الضرورية لذلك ، كما أنها خلقت مشاكل عارضة تستنفد كثيرا من جهود الحكومة ونشاطها ، وتعطل السير الطبيعي في كثير من النواحي
ومن المحقق كذلك أن الحكومة أصبحت تضطلع بأعباء كثيرة لم تكن تضطلع بها الحكومات من قبل ، وأصبحت يرجي منها ما لم يرج من الحكومات فيما مضي من العهود ؛ فلم تعد مهمة الحكومة أن تحكم بالمعنى الضيق الذي ينطوي تحت هذا اللفظ ، بل أصبحت مهمتها مهمة رب الأسرة يرعي شئون أسرته كلها . فنحن لا نكتفي منها الآن بأن تصون الأمن ، وتوفر العدل ، وتكثر من
مشروعات الري والصرف ، بل نطالبها بعد ذلك بأن تطعم كل جائع وتكسو كل عار ، وتعالج كل مريض ، وتعلم كل جاهل ، وتوجد العمل لكل عاطل ، وتغني كل فقير ، وتهدي كل حائر ، وتأخذ بيد كل عاثر ! ونطالبها بأن ترقي أذواقنا ، وتهذب أخلاقنا ، وتوفر لنا وسائل الرياضة واللهو والتسلية ؛ ونحن نطالبها بأن تقوم على تدعيم الإنتاج القوي وتقويته ، تتولاه برعايتها وتحوطه بعنايتها ، فتشجع الصناعة وترقي الزراعة وتنشط التجارة ، وتقوم بنفسها في ذلك بما تقصر عنه جهود الأفراد من واسع المشروعات . ونحن نطلب إليها أن تكفل لنا من وسائل الدفاع ما يحمي كياننا ويصون استقلالنا . وبالاختصار نحن نطلب إليها أن تقوم علي كل شأن من شئوننا جل أو صغر ، نطالبها بهذا كله ، ونحملها ما تحمله الحكومات الحديثة في أرقي البلاد من تبعات ، ولا نحسب حساب ما يقتضيه ذلك من نفقات وجهود ووقت ، وما يلقيه علينا من فروض قد لا تسخو نفوسنا ببذلها راضين ؛ فلا نزاع في أنه لا توازن بين آمالنا ومقدرتنا ، ولا تكافؤ بين ما نطلب إلي الحكومة أن تحققه وما نتحمله في مقابل ذلك من تضحية
ولا جدال في حرص الحكومة على أن تجيب أكثر ما تستطيعه من تلك المطالب ، ولكن ما يبقى بين يديها من المال والجهد بعد الوفاء بحاجة الأعمال القائمة لا يكفي لتحقيق هذه الأعباء الجديدة كلها ، بل هو قد لا يفي ببعضها فلا حيلة لها إلا أن توزعه على وجوه الإصلاح الجديدة ، فإن لم يصبها منه وابل فطل ، وقد لا يمس بعض الأعمال منه إلا رشاش يبل الحلق ولا يبلغ الجوف فلا ينقع غلة ولا يطفئ ظمأ .
ونحن نقدر تماما هذه الاعتبارات العملية التي تحد من مقدرة الحكومة على استحداث المشروعات الجديدة ، ونري عذرها قائما في ذلك بسبب هذه الظروف الحربية الشاذة ،
وبسبب اتساع أعبائها وازديار المطلوب منها دون أن يقابل ذلك الاتساع الكافي في مواردها ؛ ولكننا مع هذا نري في الاستطاعة أن نصل إلي غايتنا في زمن قريب ، إذا أحسنا رسم الخطط الدقيقة لسير نهضتنا ، واصطنعنا في تنفيذها الأساليب الحديثة التي نجحت نجاحا باهرا في أمم تماثلنا في كثير من الظروف .
أول هذه الأساليب وأبلغها أثرا في النجاح التركيز " وفي الحياة العادية أمثلة كثيرة تبين ما يفعله التركيز وما يحدثه من أثر قوي . فالشمس تشع ضوءها وحرارتها فتقع على الأجسام هينة رقيقة تدفئها ولا تحرقها ، ولكنك إذا اعترضت تلك الأشعة بعدسة تلمها وتجمع متفرقها في بؤرتها ، أحرقت ما يكون في تلك البؤرة من مادة قابلة للاشتعال . والمطر يسقط على الجبال قطرات متفرقة ، فإذا حصر في مسالك ضيفة تجمعت منه سبول جارفة تفيض منها الأنهار . وأنت إذا خرجت عن ألف من الجنيهات للبر بالفقراء ووزعتها على ألف فقير ، أصاب كل منهم جنيه لا يكفيه إلا نفقة بضعة أيام ، ولكنك إذا وزعتها على عشرة فقراء كان نصيب كل منهم مائة جنيه ، وهو مبلغ يصلح أن يكون رأس مال يقوم به بعمل يدر عليه الرزق ما عاش ويكفيه مؤونة الالتجاء لإحسان المحسنين على الأيام
وفي الحرب الحديثة تجلي نجاح مبدأ التركيز على أروع صوره . فالقوي الموزعة على عدة ميادين يضعف أثرها جميعا ولا تنال من خصومها منالا ؛ ولكن تركيز القوة في نقطة وتوجيه الضربة القوية في ميدان محدود ، يحقق الظفر ويمهد السبيل لضربات جديدة في نقط أخري .
ونحن إذا رحنا نوزع قوانا وجهودنا على مختلف الأعمال ، لم نحدث في أيها أثرا بينا ، ولم نبلغ منها مبلغا كبيرا ، ولكننا إذا حصرنا كل تلك القوي والجهود في دائرة محدودة نجحنا في إحداث تغيير كامل واضح الأثر ، وفرغنا منه نهائيا لغيره من الأعمال ، نعالجه بنفس القوة
المركزة العلاج الشامل الباقي الأثر .
ونستطيع أن نستخدم التركيز في إصلاح أحوالنا والنهضة بشئوننا على طريقتين : الطريقة الإقليمية والطريقة النوعية
في الطريقة الإقليمية يكون برنامجنا أن نخصص لكل إقليم أو جزء من البلاد زمنا نقوم فيه بالإصلاح الشامل لهذا الإقليم من كل الوجوه فنستصلح البائر من أراضيه ، ونستكمل مشروعات الصرف والري فيه ، ونرقي زراعته ، وندخل عليها أحدث الأساليب . ونردم ما فيه من برك ومستنقعات ، ونوفر مياه الشرب الصالحة لكل قراه ، وننشئ فيه المستشفيات والوحدات العلاجية الكافية ، ونعمم فيه التعليم ونبني معاهد التعليم الكافية له ، ونحسن طرق مواصلاته ، ونعمم النظام التعاوني في كل نواحيه ، وننشئ المصانع الملائمة لطبيعته ، وننتفع بمصادر القوة فيه . ولا ندع شأننا من شئونه الاقتصادية والاجتماعية إلا تناولناه بالترقية والتدعيم
وفي الطريقة النوعية يكون برنامجنا تحقيق نهضة في نوع من أنواع النشاط العام في كل أنحاء القطر في زمن معين ، حتى إذا فرغنا منه انتقلنا لنوع آخر ، فيكون برنامجنا مثلا في فترة معينة إتمام مشروعات الري والصرف أو استغلال مصادر القوة ، وإنشاء مراكزها أو إنشاء الصناعات الضرورية للبلد ، أو تعميم التعليم ، أو استكمال ما تتطلبه المشروعات الصحية في البلاد ، أو تحسين طرق الواصلات أو استصلاح الأراضي البور ، أو استغلال الثروة المعدنية في البلاد ، أو ترقية الزراعة وإدخال الأساليب الحديثة فيها
ولكل طريقة مزاياها ، وقد جربت كلتا الطريقتين أو مزيج منهما في بعض البلاد وكتب لها جميعا النجاح .
وأيا كانت الطريقة التي نختارها فإن نجاحها يتوقف على رسم الخطة الكاملة لهذه الأعمال جميعا ، ودقة التقدير في توقيت تنفيذها ، وحسن التنظيم لتسلسلها ، بحيث يبدأ
الأساسي الذي ينتفع به ما يأتي بعده من الأعمال ، ويقدم الأهم على ما يقل عنه في ذلك
ويلي "التركيز " في حسن الإنتاج التنسيق والتعاون ، ولعلك تدرك ما أقصد إليه من ذلك إذا رجعت إلي الطريقة التى كانت تنفذ بها بعض الأعمال العامة في بلادنا ؛ فقد كانت مصلحة التنظيم ترصف بعض الطرق وتسويها بالكدام ، ولا تكاد تفرغ من ذلك حتي تأتي مصلحة المجاري تحفر ما سوت وتفسد ما أصلحت ؛ وقد تنتهي من ذلك ويعاد إصلاح الطريق ، ثم تجيء ، شركة المياه أو النور لتفسده من جديد ، ولو أن تلك المصالح نسقت جهودها ، وقامت بأعمالها جميعا بالتعاون لوفر كثير من الجهد والوقت .
كذلك تحس أن وزارات الحكومة المختلفة ، بل والمصالح المختلفة في الوزارة الواحدة ، قد تقوم بأعمال مكررة متشابهة ، وقد تسير فيها على أساليب متبابنة ، مع أنها لو نسقت خطاها وتعاونت جميعا في تحقيق الهدف المشترك ، لكان إنتاجها أتم وأكمل وأكثر اقتصادا في الوقت والجهد .
فإذا أريد تنفيذ برامج الإصلاح المرسومة سواء ركزت في إقليم واحد أو نوع واحد من النشاط ، فيجب أن يكون أساس ذلك تعاون كل قوي الحكومة في التنفيذ ، وتوحيد قيادتها جميعا تحت إشراف هيئة تنسيق قوية تختزل الجهود المكررة ، وتوجه الجميع لتنفيذ الخطة بدقة في كل الميادين .
والعنصر الثالث من عناصر الأساليب الحديثة في تحقيق النهصة هو الاستقرار والثبات . ولست بحاجة للقول بأن كل نهضة لا تطمئن لهذا العنصر يقضي عليها بالفشل والتعثر، فالخطط المرسومة إذا قطع في تنفيذها شوط ثم طرأ على الأحوال من التغيير ما يقلبها رأسا على عقب ، أو بدا لأولى الأمر أن يفتروا في مواصلة تحقيقها ، وانصرفوا عنها لغيرها تصبح جهدا ضائعا وقوي مبددة . فلا مفر لنا البقية في ذيل الصفحه التالية
من أن توفر الضمانات الكافية لاتصال سير النهضة وسلامة برامجنا من التغافل والاضطراب وتنازع الأهواء .
وسبيل ذلك أن تكون برامج النهضة والإصلاح برامح قومية ، ترتفع فوق الخلافات والمنازعات ، ويؤمن بها الجميع ويتواصون جميعا على تحقيقها . ومن الخير أن يشترك في وضعها ورسم تفاصيلها الخبراء الفنيون وذوو الرأي علي اختلاف ألوانهم ومشاربهم ، وأن تصير دستورا ثابتا لا يمس كيانه ، ولا يتعرض بحال للتغيير والتبديل
ولعلنا حين نشترك في هذا الهدف الموحد ، ونتفق كلنا على هذا البرنامج المحدد ونأخذ في العمل المنتج المنظم للنهوض ببلادنا ان يكون ذلك كفيلا بتأليف القلوب المتنافرة ، وتقريب الميول المتباعدة فلا يكون لأحد شغل بغير مصلحة مصر العزيزة الخالدة . ) ... (
