الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 634 الرجوع إلى "الثقافة"

شئ من هنات الأدب العربي

Share

لاريب أن في جميع آداب العالم هنات تنمو وتتضاءل تبعا لنهوض أو ركود الأمم التي تتجلي صورها الاجتماعية والخلقية في مرايا هذه الآداب . ومن ثم كان اتساع ثغرات النقص وضيفها في آداب الأمم آية ناصعة على رقيها أو انخطاطها ، وهذا يقتضي من الصفوة المثقفة في كل أمة أن تفضي عن فوائدها الخاصة من حين إلى حين لكي تتفرغ لأدب أمنها فتجيل النظر في مناحيه المختلفة لتضع يدها على موطن الضعف منه حتى إذا تم لها ذلك بادرت بالمساهمة الفعالة في إنقاذه مما هو معرض للهوي فيه من انحراف أو اعتلال ؛ ونحن إذا نظرنا إلى الأدب العربي بهذه العين الناقدة المجردة من غواشي التحيز وعلائق العصبية ألقينا أن به كثيرا من الهنات التي لا ينبغي الإغضاء عنها بحال والتي إذا أغفلناها لعامل من عوامل الأنانية الفردية تجسمت واستفحل أمرها وزادت في اتساع الهوة بين هذا الأدب وغيره من الآداب الحية الأخرى التي يتباهي بها أربابها . وفي طليعة هذه الهنات التي تشوه جمال الأدب العربي : شعره ونثره في نظر النزهاء من النقاد المحدثين ، هنة إغفاله الصور النسائية الخلابة ؛ نعم قد يبدو لدي النظرة العاجلة أن في هذا شيئا من التجني على الأدب العربي ، فيتساءل قائلا كيف يمكن أن يرمي هذا الأدب بخلوه من الصور النسوية ؟ أقليست المرأة فريدة عقده وقطب رحاه ، ومحور كوكبه وبيت قصيده ؟ أو ليس الأدب العربي من أقصاه إلي أدناه زاخرا فياضا يذكر القانية وجمالها ودلالها وسحرها وفتنتها وسلطانها على النفوس ، وبقدرتها على هصر القلوب ، إلى غير ذلك مما لا يتسع المجال لسرده ؟ ولكننا بدورنا نجيبه قائلين : على رسلك أيها الناقد المنعجل فذكر المرأة على هذا النحو لا يشرف ولا يستوجب الدفاع ، لأنه لا يعدو كونه تصويرا للرغبات المادية ، ورسما للذائذ الحسية ، وبالتالي هو أنانية بغيضة وأثرة مقيتة ، اللهم إلا أن تكون المرأة العربية دمية فاتنة لاروح فيها ولا تفكير ؟

نعم إن رشاقة الأساليب واناقة العبارات التي صيغ فيها هذا الغزل قد لاتجاري في أي أدب آخر في إلهاب الأخيلة وشحذ الفرائج وإصعاد الفن إلي أعلى آواجه ، ولكن عيبها الأساسي هو أن معانيها قد انحصرت في عبادة الصور الظاهرية وأهملت الجوانب الروحانية والنواحي العقلية في المرأة . ولهذا يشعر المرء العصري عندما يتمعن في الأدب العربي أن فيه ثغرة واسعة ، لا سيما إذا كان قد اطلع على الآداب الأخرى فرأي فيها المثل النسائية العليا التي تنحني لها الرءوس إكبارا وإجلالا . ومنذا الذي لا تملأ نفسه إعجابا في الأدب الإغريقي مثلا صورة انتيجونا ، تلك الفتاة التى بلغت من الوفاء حسد الفدائية فكرست شبابها لقيادة والدها المكفوف ثم عرضت بحياتها في سبيل دفن شقيقها رغم سلطان الملك الجبار ؛ وكذلك إيليكترا مثال الحنان الأخوي التي وقفت زهرة عمرها على حماية شقيقها والسهر على حياته المنكودة ، وهيكوبا ، ونبوبيه اللتان تفطر الامهما الأموية القلوب وتفتت الأكباد . وخلاصة القول أننا إذا تعقبنا الآداب الأجنبية ألقينا فيها صورا فاتنة خلابة للابنة البارة ، والأخت المخلصة ، والأم العطوف ، والزوج الوفية ، وليس علينا إلا أن نلقي نظرة سريعة على مؤلفات : لامارتين ، وتبودور دي بابفيل ، وريتان ، وأنانول فرانس وغيرهم لنرى فيها الأمهات والأخوات المثاليات اللواتي يحيين إلينا الأدب الأوربي ، ويدفعنا إلي النهوض بالأدب العربي عن طريق سد الثغرة التي لا نزال نشعر بها كلما وأزنا بينه وبين غيره من الآداب ، إذ لا تكاد تنتهى من مطالعة تلك الروايات الأوربية حتى نحس بأنه قد أحدقت بنفوسنا دائرة حزينة وديعة شديدة التأثير مؤلفة من صور بطلات هذه الروايات اللواتي ليس لديهن غالبا ما يروق سوى جمالهن المعنوي ، وأنها قد محت من أخيلتنا تلك الصور المتلألئة التي كان الأدب العربي قد رسمها على صحفات قلوبنا

لجميلاته الماديات الشبيهات بالدمي والأوثان .

إيه يا أوفيليا( ١ ) وأنت باشيمين (٢) ، وأنت يا  أنالا (٣) وانت يا هانريبت دي مورسو ٤) ، وانت يا آليث ( ٥ ) وأنت باجنير ( ٦ ) ماذا لديكن غير جمالكن المعنوي ، ألستن أنتن الموانى تذكرتنا يقول الشاعر على لسان بطلته : " إني أنا الملاك الحارس وعروس الشعر والعذراء ".

ومنذا الذي يبغي من المرأة أكثر من أن تكون ملاكا حارسا في حياته المادية . وعروس شعر ملهمة في حالة الأدبية ، وعذراء ، طاهرة في حياته الخلقية ؟ ثم منذا الذي لا يجد ثغرة في الأدب العربي حين يهمل هذا كله ويستعض عنه برسم الطرف الكحيل ، والخد الاثيل ، والردف الثقيل ، وما إلى ذلك من الصور المادية التي تنعطف نحو الغرائز الدنيا ؟

اشترك في نشرتنا البريدية