عند سماعي شهقات نحيب ، دفعت الباب .
كان الأطفال يجهشون بالبكاء ، وأمهم قد فارقت الحياة . وكان كل شئ في هذا الوضع الفجع يهول النظر . ففوق الحصير كانت تلك الجثة الكريمة ؛ النار مطفأة ، والقش يتطاير من أعلي السقف . والصغار الأربعة يحفون كالشيوخ وكان الضباب يرى من خلال النوافذ وكانت ابتسامة بشعة تلوح على شفاه الميتة ، والبنت الكبري التي لم تتعد السنوات العشر تبدو كأنها تقول : انظروا إلى الظلمة التي هبط علينا بها القدر !
وها هي قصة هذا البيت : تحت صفحة السماء المشرقة كانت تعيش امرأة نقية السريرة ، ذكية ، نشطة والله الذي يرعاها من العلى بنظرة رحيمة جعلها سعيدة مغتبطة متواضعة . ولها زوج عامل . ثم مرت بهما الكوليرا . . فخطفت الزوج وعدت الأرملة ببؤسها وأطعامها الأربعة مكبة على العمل بهمة وعزم كالرجل . إنها مدبرة قادرة ، يقظة مقتره ؛ وهي لا تشكو ولا تتذمر . إنها ترفو الجوارب العتيقة ، وتنسج المفارش الرقيقة . تخيط وتغزل وتقضي الليالي دموعا لكي تطعم اطفالها ، فهي أم محبة رؤوم . .
وفي ذات يوم شوهدت في بيتها ميتة من الجوع !! .
*** أجل . الأحراش مليئة بالعنادل ، والمطارق الثقيلة تدق على وهج السكور ، والحفلات التنكرية تزخر بها المدينة ، والجميع يعيش ، فالتجار يحسبون مبالغهم الموفورة . وكركرة العجلات تتناهى ، وقهقهات الرجال تتعالي ؛ ومن خلل غوغاء هذا المرح ، وبهرة الضجيج ، وشعشعة الأنوار . كانت المرأة وحيدة في عقر كوخها . حيث نشط الجوع وتسلل الداخل بخطواته المروعة عزيلاً شرساً ، فياله من شهثاء مفزع . فانتال عليها بدون جلبة ، وقيدها من الحلقوم وقضي عليها في الحال .
يا إلهي ؛ الطعام كثير على الأرض فهو في أطراف النباتات وفي العشب والفواكه ، والسنابل المتدفقة .
وبينما يعيش الجميع تحت رحمتك يا ربى فتهندي النحلة ثوريفة الكافور الشذية ويعطي القدير شرابًا رويداً للعصافير ، ويغذي الغير العقبان والنسور ، والطبيعة في أعماقها الذهبة تهئ لابن آوى والجردان أطيب الغطاء . يموت الإنسان أواء ! الجوع هو الجريمة العامة ، إنه الانتحار الأعظم الذى يخرج من ظفاتنا ، إلهي ! لم هذا اليتيم في أحماله المحزنة ؛ وهو يتمتم : إنني جائع ! أليس الطفل كالعصفور ؟ إذا لماذا يفتقر المهد إلى ما يتمتع به عش الطيور ؟! .
( بغداد )

