كثير من القراء خارج العراق يعلمون بان الانسة نازك الملائكة شاعرة وبعضهم يعرف الكثير من شعرها .. وربما له آراء خاصة عن شعرها وشاعريتها ولكن اكثر الناس خارج العراق - سيما في مغربنا العربي - قد لا يعلمون بان السيدة سلمى عبد الرزاق الملائكة ، ام نازك ، شاعرة ايضا ، شاعرة ممتازة ، خاصة من
ناحية الصياغة والتركيب الشكلي للقصيدة . وان كانت دون ذلك من الناحية الشعرية والاتجاهات التجديدية في شعرنا العربى الحديث .
ولام نازك تخصص يكاد يكون فريدا بين ليشعراء والشاعرات العراقيات . من حيث موضوعات لشعر التي تعالجها ، فاذا استثنينا بعض الشعراء القوميين ، امثال عبد الحسن زلزله ، وعدنان الراوي وكاظم جواد ، وعلي الحلي ، فاننا لا نجد واحدا يقف معها في نواحها الدائم على فلسطين ، والتياعها المستمر على ما اصاب العرب فيها من محن واحداث . فهي
لا تنقطع ترسل القصيدة تلو القصيدة واصفة جراح اللاجئين والآمهم ، ومعبرة عن مأساتهم وفجبعتهم ومستثيرة في نفس الوقت همم العرب وحميتهم للذود عن الكرامة المهانة والوطن المنهوب ، وقد قبل ونشر اكثر من مرة ، ان لها اكثر من مائة قصيدة قالتها في فلسطين ومحنها المختلفة . وانا اميل الى تصديق هذا القول لانه لا يستكثر على شاعرة وهبت حياتها الذهنية ونشاطها الشعري الى قلب الوطن العربي ، ان تنظم مثل هذا العدد واكثر منه . وهي الى ذلك تشبه الخنساء في نواحها الحزين الدائم ، لكنها تختلف عنها ، لا في الشاعرية او الصناعة العروضية وانما لانها لا تنوح ولا تتألم لفرد قريب او حبيب ، ولكنها تبكي مصير شعب كامل
قضت عليه المؤامرات والدسائس وايضا السلبية والاتكال ، بان يفقد اعز تراث يملكه شعب في الوجود ، وذلك هو الوطن المسلوب ثم يعيش طريدا مشردا ، ويظل في الارض العربية ( الحرة ) حقلا يجرب فيه الاستعمار مشاريعة الآثمة كلها واحدا بعد واحد فلا يزيد ذلك في اللاجئين الا بؤسا ومرضا وخصاصة وحرمانا ثم انحدارا نحو الفناء بالتدريج ، وهذا ما يزري بالعرب ويبقى فيهم وصمة عار لا تمحوها امجادهم القديمة جميعها .
وهذه ام نازك لا تفتأ تذكرنا بواجباتنا ، وتصفع بعنف شجاع وجرأة نبيلة ضمائرنا الخادرة ونفوسنا الذليلة . وشهامتنا المحفوظة في ثلاجات كبيرة :
فلسطين ما زال قلبي لظى يضج فيملا روحي حمم
سجا الليل وانحسر المدلجون ثقال الهموم ثقال الهمم
... ثوى القوم في غفلة الميتين وسيقوا لذبحهم كالغنم
هووا للتراب بصبر عجاب فذلت جباه وهانت حرم
ترى هل خبت سعرات الشعور أمات إباء الحمى المهتضم ؟
كفرت بمجدك ... يا أمتي وما المجد الا صراع ودم
كفرت بما ندعى من إبا ومن كبرياء ... وبقيا عظم
ثم تلوذ برب العباد .. عساه يرحم المنكوبين حول الحرم :
حنانك يا رب ... اي اجتراء واي المحارم .. حول الحرم
فلول مبعثرة .. بالعراء تعيش مع الوحش عيش البهم
خيام اناخ عليها الشقاء المذيب فلم يبق الا رمم
جموع من البائسين الحيارى عطاشى حنان عطاشى نعم
أنخشى الوعيد .. ونحن الاسود ونرجع عن غاينا المقتحم ؟!
وبعد هذا الوصف المثير لبؤس اللاجئين العرب ، وما يعانون من فاقة وشقاء وعذاب .. تخاطب الغرب وابناءه المستعمرين ، منذرة اياهم : بان نهاية الطغاة دائما واحدة ، وان عدوانهم على ارض المسيح واهلها وتسخيرهم منظمات الامم المتحدة لتحقيق مآربهم .. لا يغطىء جريمتهم ولا يضيع حق المظلومين :
بني الغرب مهلا ! فما للطغاة ، وان سخر والدهر ، من معتصم
أمحكمة هي ام نكبة أحيط بها العدل حتى اثلم
أتمثال حرية تنصبون وتستعبدون حقوق الامم
شهرتم على الحق طغيانكم وآزرتم الباطل المتهم
رسول السلام أهين السلام ودنس بالواغر المقتسم
أتو بالفظائع باسم الوئام وهم اوردوه حياض التهم
وأين السلام ؟ أهذا الصريع وقد خضبته أكف النهم ؟!
اراشوه سهما لقتل الشعوب وخنق اللهيب اذا ما احتدم
وأين العدالة فيما ادعوه وقد اوشك البيت ان ينهدم ؟ !
فلسطين أى الرزايا الصعاب نصاول في ليلك المزدحم ؟
واي العواصف اي الرعود نصد ونردم ؟ اي رجم ؟
هذه المقاطع المختارة من قصيدة طويلة لام نازك المكناة بام نزار ، وهو اكبر ابنائها الذكور ، وعنوان هذه القصيدة هو : " جراحنا الدامية " ، وستظل جراح فلسطين دامية تنزف بالدم والعار حتى تستعاد من غاصبيها الآثمين . ولا شك ان فى هذه القصيدة ، روحا عالية من الاحساس القومي المستنير ، ومن الشاعرية الفياضة التي تلتقي مع الاتجاه السديد الذي ينبغي ان يسير عليه شعرنا الحديث ، وهي تذكرنا كذلك فى جودتها وروحها العربية وحرارتها الشعرية ، تذكرنا بقصيدة الشاعر السوري الكبير عمر ابو ريشة المسماة " نخوة المعتصم " والتي يقول فيها :
أمتي هل لك بين الامم منير للسيف او للقلم
اتلقاك وطرفي مطرق خجلا من امسك المنصرم
ويكاد الدمع يهمي عابثا ببقايا كبرياء الالم
اين دنياك التي اوحت الى وترى , كل يتيم النغم ؟
امتى ! كم غصة دامية خنقت نجوى علاك في فمي
اي جرح في إبائي راعف فاته الآسى فلم يلتئم
ألاسرائيل تعلو راية في حمى المهد , وظل الحرم ؟
كيف اغضيت على الذل ولم تنفضي عنك غبار التهم ؟
او ما كنت اذا البغي اعتدى موجة من لهب او من دم
فبم اقدمت واحجمت ولم يشتف الثأر ، ولم تنتقمي ؟
اسمعي نوح الحزانى واطربي وانظري دمع اليتامى وابسمي
واتركي الجرحى تداوي جرحها وامنعي عنها كريم البلسم
ودعي القادة في اهوائها تتفانى في خسيس المغنم
رب " وامعتصماه " انطلقت ملء افواه الصبايا اليتم
لامست اسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
أمتي . كم صنم مجدته لم يكن يحمل طهر الصنم
لا يلام الذئب في عدوانه ان يك الراعي عدو الغنم
فاحبسي الشكوى فلولاك لما كان في الحكم عبيد الدرهم
ولدت ام نزار الملائكة سنة ١٩٠٩ وماتت سنة ١٩٥٣ اى انها عاشت اربعا واربعين سنة ، لكنها لم تبدأ نظم الشعر الا في السابعة والعشرين من عمرها اي سنة ١٩٢٦ يوم مات الشاعر المعروف المرحوم جميل صدقي الزهاوي ، في فيها موته الى حد انها نظمت فيه اولى قصائدها وهى قصيدة جيدة ، لا يمكن ان يقال عنها انها قصيدتها الاولى الا ان كثيرا من الناس ومن الادباء يعتقد ذلك وفي هذه القصيدة تقول ام نزار الملائكة :
أجهش الشعر باكيا ينعاكا حين داعي الموت الزؤام دعاكا
وبكاك الشعب العراقي حزنا مذراى منك خاليا مغناكا
يا معيدا للشرق مجدا تليدا كاد ينسى ادكاره لولاكا
يا مشيدا للفظ يعرب صرحا حاز فى رفعة المقام السماكا
ثم تشير الى مناصرته للمرأة ودعوته الجريئة إلى تحريرها :
من لليلى ؟ وكنت ناصر ليلى ما عهدناك ناسيا ليلاكا
كنت حتى الجماد ، توحى اليه حين تشدو الشعور والادراكا
ثم تناجيه قائلة :
ايها الراحل الذي اختار دار الخلد مأوى ، نم وليطب مأواكا
ان قبرا حللت فيه مقيما قد حوى الشعر ، والنهى مذ حواكا (١)
يمتاز شعر السيدة ام نازك الملائكة بالطموح وبالروح العربية التي جعلتها تخصص اكثر شعرها فى فلسطين فمن طموحها قولها :
فالام يا قلبي الطموح تهيم في وديان افكار تذيق العلقما
لا انت تترك ما تروم ولا انا ارضى بأن أصغى اليك فأسلما
جاوزت يا قلبي الحدود ، الم يحن لك ان تكف عن الطموح وتسأما
ومن فخرها المثير قولها :
إن لي غضبة يثوب لها الدهر ويأتى بجنحه المكسور
خاضعا ناكصا يسير رويدا مستعينا بقيده المجرور
واذا ما تأثرت يوما لنفسي او لقومي ، ووتري الموتور
جئت بالهول من فعال جسام تدع الخصم في لظى وسعير !!
ولا اشك في ان الكثير من القراء سيستعيدون الآن في اذهانهم كثيرا من امثال هذه المبالغات التي اشتهر بها باب الفخر في الشعر العربي
وبحسبنا ان نذكر بيتا واحدا ، لابن سناء الملك :
وإنك عبدي ، يا زمان وإنني على الرغم مني ان ارى لك سيدا !!
وللشاعرة ام نزار نماذج رائعة من الوان الشعر الاخرى ولكن موتها في سن تعتبر مبكرة قد الحق خسارة كبيرة بعالم الشعر الحديث ، وانها كذلك لنكبة جلى ، اصابت الادب العريني ، في اعز المدافعين عن العروبة والمكافحين عن مجدها وترابها المغصوب . كما ان اثر وفاتها كان وسيظل اليما مؤسفا في قلوب ابنائها ، وزوجها وهم جميعا شعراء وفنانون .
وهذه مقاطع من قصيدتها الاخيرة التي تصف فيها مرضها وما عانته فيه من الآم وفيها تخاطب طبيبها ان يخفف عنها الآم المرض ، بالشفاء او بالموت وهي من قصائدها الرائعة التي ستبقى حية خالدة ، ما بقي العرب يحبون الشعر ويتغنون به . ويذكرون لام نازك ، جهادها في خدمته :
يا طبيبي هاك الآمي وبأسي وشحوبي
هاكها ، دنيا من الاهوال حمراء القطوب
لوعة تصرخ كالاعصار تطغى كاللهيب
غمرات فظية تسدر في افقي الرهيب
ورؤى سود توالى في دحبي روحي الكئيب
أغلقت حولى ابواب الرجاء .. أين هروبي ؟
انا في ليل من الحيرة واليأس مديد
انا في هول من المحنة والغم شديد
الشعور الغض في سجن مريم وقيود
والاناشيد حيارى في دياجير وجودي
عصفت بي ثورة الآلام كالخصم اللدود
كل ما حولى الوان من اليأس المبيد
ثم تخاطب طبيبها قائلة :
إن في كفيك احساسا وروحا شاعريا
إن في كيفك قلبا نابض الوجدان حيا
وطيوفا لم تعد تخفق بالنور اليا
واهازيج مروعات ثوت بين يديا
كل ما في الكون من بشر خبا في ناظريا
واستحال الامل الحلو لظى يطغى عليا
ولعل خير ما ينتهي به حديثنا عن ام نازك الملائكة هو الابيات التالية التى قالتها في المرأة العربية ، وهي تنطبق عليها تمام الانطباق وتصور شخصيتها تصويرا كاملا ، فكأنها كانت تصف نفسها كأنموذج فريد ، ينبغي ان تكونه وتطمح اليه كل امرأة عربية . قالت ام نازك عليها رحمة الله :
ذات فضل وعفة وجمال وجلال ما بعده من جلال
ذات عزم ورقة واشتياق لاعتناق الهدى ، ووصل المعالي
وأحرزت كل ساميات المزايا وخلال الكمال خير الخلال
ورجحان في عقلها لا يضاهى وسمو في قولها والفعال
