ان اول ما سجله تاريخ هذه الشاعرة هو جرأتها ، في اعلان آرائها الادبية والاجتماعية ، ويكفي ان نسمع رايها في الحجاب ، وفي العباءة السوداء التى تتحجب بها المرأة في العراق ، لنعلم مبلغ الجرأة في نفس لميعة . قالت في مقال لها ، بعنوان : ( انا وعباءتي ) :
"... إني متاكدة ان اهم سبب في تاخر النهضة الادبية في العراق يرجع الى تاخر المرأة وبالاخص حجابها ... "
ثم تقول : " من ذا الذي يلهم الشاعر غير الغيد الحسان ؟ وما يثير خيال الاديب غير رؤية الجمال ؟
ان ادباءنا بائسون ، محرومون . يقتل الحرمان مواهبهم وفي بلاد اخرى ، يوقظ الجمال المواهب "
وتتحدث لميعة عن سواد لون العباءة ، وكيف انه لون انقباض وحزن ، لا يوحى الا بالكآبة والالم ، وانه من اجل ذلك كانت حياتنا وقرائحنا كئيبة قاتمة ،
تقول لميعة : " وهذا اللون القاتم ، لون العباءة الاسود ... او ليس رمز الغم والحزن ؟ لا تكاد تراه العين ، حتى ينقبض منه الصدر ، وكأن ظلمة عباءاتنا تنعكس على أفكارنا ، فلا تحلم بغير الالم ، ولا تتهافت الا على رواية البؤس والشقاء ، فلا نكاد نحس بالفرح احساسه الحقيقي ... واذا كان المراد من العباءة التستر والوقاية من حر وبرد ومطر ، فلم نتخذ العباءات السود ؟ لم لا تكون عباءاتنا حمرا او زرقا او خضرا ، او غير ذلك من الالوان التي تبهج النفوس وتؤدي الوظيفة عينها ؟ "
وطبيعي ان تثير هذه الآراء الجريئة ، التي اعلنتها فتاة لا تزال طالبة ، ضجة شديدة في محيطها ولكن لميعة لا تبالي في الحق لومة لائم كما يقولون وها هي لا تكتفي باعلان الاراء الجرئية ، بل تخلع عباءتها وتخرج سافرة ، لتخلص من شعار الحزن والكآبة الذي رافق حياتها منذ الطفولة حتى ايام متاخرة من شبابها ... إذ كانت لا ترتدي العباءة السودا . فحسب ، بل الثياب السود حزنا على والدها الفقيد ، الذي كانت تحبه وتعيش له بروحها وآمالها ، ولكنه عاش بعيدا عنها متجولا بين اوروبا واميركا واقطار افريقيا الشمالية ، حيث عاش زمنا في ليبيا ، الى بداية الحرب العالمية الاخيرة ، كان يشتغل بفن زخزفة الذهب والفضة ، ولكنه عاد قبيل نهاية الحرب إلى بغداد ... فقيرا معدما ، ثم مات بعد سنتين من وصوله فكان موته اكبر حادث زعزع كيان الشاعرة . وزاد من شقائها .
وعلى الرغم من ان احداثا قاسية تحكمت في حياتها ونشأتها الا ان موت والدها ترك في نفسها جرحا عميقا لم يندمل بعد ، واحسب انه لم يندمل حتى بعد زواجها الذي تم منذ ثلاث سنوات .
ولعل اشد تلك الاحداث هو ما عانته في صغرها وبداية شبابها من المرض الخبيث الذي اقتحم صدرها وعكر عليها حياتها الصغيرة ، وجعل من طفولتها طفولة بائسة كئيبة تعيش - حتى في المدرسة - منبوذة منطوية ...
ولم يكن هذا - وقد لازمها سنين - ليمر دون ان يطبع نفسها بطابع حزين قاتم ، لذلك كانت حياتها بل شعرها ، ومظهرها الخارج صورة ناطقة بالحزن المر ، والالم الثقيل . ولا يكاد المرء يلقي عليها نظرة عابرة حتى يعود اليه بصره حسيرا مكلوما ، فانه يرى شبابا ذابلا ، وجسما رق حتى كاد يستحيل شبحا وعينين يشعر من يراهما لاول مرة بان انهارا من الدمع السخين قد فاضت منهما يضاف الى ذلك هذا الاطار الحزين من الثياب السود ، والكآبة المجسمة التي تحف الشاعرة من هامتها الى قدمها ... وليس من انسان وهبه الله احساسا صادقا بالحياة وقلبا كبيرا يحمل اعباء الدنيا ويحتضن الانسانية بحنانه وشعوره ، ليس من انسان صنعه الله على تلك الصورة ، الا وهو مسوق بحكم ذلك كله الى حالة كحالة الشاعرة سيما إذا حفت بطفولته قساوة العيش ، والآم المرض ، وسخرية المجتمع . فلم
يكن من الخروج على طبيعة الاشياء . ان تكون نظرة لميعة الى الحياة والناس نظرة سوداء يملأها الغيض ويحملها اليأس ، ويقود خطاها فقدان الثقة والامل من كل شيء ...
ولست ادري ، هل انا شامل في استعراضى لاسباب شقائها ، وصادق في تلك الاسباب ، واستخلاص تلك الحقائق والصور ؟ اما انا اجمع في ذلك بين الانطباعات الشخصية ، والتفسيرات الذاتية ، القائمة على ما يسمى في علم النفس ب ( التأثير الهالي ) ، وبين التحليل الادبي والدرس الموضوعي ؟
وسواء أكان هذا ام ذاك ، فان شعر لميعة وحده هو الحكم الاخير في ذلك كله ، فلنستمع اليها تروي في ابيات من هنا ومن هناك نفسيتها ونظرتها للحياة وللناس وللأشياء :
قالت تصور حياتها المعذبة :
أعيش فيهم خيالا ، روحه شردت تجوب آفاق كون غير منظور
يا للعذاب ! فروحي لا إياب لها والجسم لا يترك الظلماء للنور
فاي ظلماء تعنى ؟ أهي ثيابها السود ؟ أم عالمها القاتم . ام حياتها الحزينة ؟ وتقول مخاطبة شجرة ، ولعلها قد رأت فيها نفسها :
تمر السنون ، ويمضي البشر وتبقين هازئة بالقدر
تراقصك الريح في سيرها ويغسل فرعك هامي المطر
وتقول عن احداث الدهر التي علمتها ان لا تثق بالانسان :
قد علمتني صروف الدهر باكرة بكل من اظهر الاخلاص لا أثق
الناس كالنار لا ينجو سوى حذر منها ، ولكن غرير القلب يحترق
ترى كم مرة احترق قلبها الغرير ، حتى تعلم الحذر ، وامسى لا يثق بأحد ؟ ان اي انسان لا يعرف ذلك , ولعل الشاعرة نفسها لا تعرف ذلك ايضا ... لان نفسها المتألمة الثائرة وقلبها المتأجج المفجوع يشملان الانسانية بعطفهما الكبير وحدبهما الشامل . فنسمع الشاعرة ترثي لحال البشرية ، وتراها دمى يلهو بها طفل عابث هو الدهر :
الناس مثل الدمى ، تنقاد صاغرة والدهر كالطفل في لهو يحطمها
وتبلغ لميعة قمتها في قصيدتها الرائعة ( شهر زاد ) التي قد نجد فيها افاقا ساحرة لكنها مغشاة بالضباب ، وفنا شعريا نابغيا ، لكنه محاط بالرهبة والغموض ، وروحا محلقة في الاجواء العالية ، رغم حزنها وكآبتها . ولكنك مع ذلك كله تقرأ شعرها في ( شهرزاد ) ، ( فتعروك نشوة حبيبة ، تصرفك عن نفسك وعالمك ، وتستأثر بك وتستغرقك . فاذا عدت من حلمك . . تسآلت : أتقوله في حبيب ؟ ام تقوله في شخص آخر اكبر من ان يكون حبيبا ، لانه أب علمها ) "١" الصبر على الالم . . وعلمها ان الحياة بلا حنان ، ليست سوى حزن وحرمان . وقد لاقت الشاعرة من هذين أشد ما يلقى انسان وحيد في دنياه . . تعذبت باغتراب أبيها ، وتجواله بعيدا في انحاء الارض ، بحثا عن لقمة الطعام الشريفة التي تحفظ للمرء كرامته ، وأيضا حياته ، ولكن هذا الوالد المغترب المنكود ، يعود اليها والشوق والحرمان ، والكآبة والوحدة تأكل من حياتها ، ومن شبابها ومن عمرها . لكنه يعود لا ليغمرها بحنانه ، وينسيها عذابها ، وانما ليموت بين يديها ، فيزيد من كل ما عندها ، حتى تبلغ درجة اليأس ، وتوشك ان تقدم على الانتحار ، لولا ذلك التعلق العميق بالحياة الذي يربط أدم الى الدنيا بسلاسل من فولاذ .. فلنستمع الى مقاطع من قصيدتها شهر زاد ، التى لم تعن بها سوى نفسها :
ستبقى , ستبقى شفاهي ظماء
ويبقى لعيني هذا النداء
ولن يبرح الصدر هذا الحنين
ولن يخرس اليأس كل الرجاء
سيبقى لكفي هذا البرود
ولن تعرف الدفء حتى تعود
عناق الاكف آثار الدماء
وعلمنى كيف ينسى الوجود
ستمضي فمن لى بان امنعك
ستمضي فهل لى ان أتبعك
فشعري وحبي وعمري سدى
اذا لم أمتع بعيشي معك
ثم تبلغ لميعة ، قمة الابداع ، وذروة الوفاء والحب والايثار : في المقطع الاخير ، فتقول :
أأبكي ؟ . ومن لى ، اذن بالدموع
وقد فارق الروح حتى الالم
حياتي ، فراغ ، حياتي جمود
حياتي صمت ، حياتي عدم
أن لميعة عباس عمارة ، رغم احزانها الكثيرة ، والآمها الدائمة ، لا تنسى البشرية ، في سيرها الكادح ، العنيف ، من اجل الحق والحياة ، والعدل والحرية .. وما كانت لتذكر ذلك لولا قلبها الانساني الكبير ، الذي حمل الآم صاحبته ، وشارك المعذبين في الارض احساسهم بالظلم ، وتطلعهم الى الفجر ، فجر الخير والعدل والمساواة . . . وبذلك ترتفع لميعة الى صف الشعراء الذين وقفوا مكافحين عن الضعفاء والكادحين البائسين ، وهاكم هذه الابيات كمثل لهذا اللون من شعرها المكافح :
صفحة النهر ، واخضرار الروابي وشحوب السماء عند الغروب
ودموع الندى وظل الدوالي وارتماء الزهور فوق السهوب
ويد الظلم توسع الناس بؤسا وارتعاش المروع المنكوب
وصراخ المعذبين على الارض ينوؤن تحت عبء الكروب
صور تلذهب الشعور فتبدو في ابتسام ، في ذمعة في قطوب
وتعود لميعة الى الحياة ، وما فيها من جمال وفتنة ، فتراها مزيفة ، ممسوخة وترى في الانسان حماقة تدفعه الى تشويه الجمال ، ومسخ الحياة فتقول :
الحياة ، الحياة ، كم نشتكي من عذاب فيها وكم ذا نعاني
ليس قبح الحياة الا جمالا شوهته حماقة الانسان
ان لميعة تكاد تحصر وجودها كله ، وغاية حياتها في ان تأسو جراح الانسانية ، وتغني للبائسين ،
بعثت الى الارض قيثارة لتأسو بانغامها البائسين
واذ لمستني اكف الثرى سرت نغماتي عليها أنين
ترى لو لم يحصل ذلك ، اما كان ممكنا ان يكون شعرها ، حافلا بالغناء السعيد ، والفرح العبقري ؟
ان الشاعرة تحبينا ، بان خرافات الانسان واساطيره ، وما إنحدر اليه عبر الاجيال من ظلم موصول الحلقات ، وتقاليد تقف في طريق الحياة ، وتحول دون تحقق مثل الانسانية العليا ، في العدل والحرية ، وفي الخير والحق والجمال :
اساطير نمقها الخادعون واشباح موتى تجوب القرون
لتخنق اجمل احلامنا وتبعث فينا ، فيا للجنون
ليست لميعة عباس ، شاعرة كبيرة فحسب ، وليست شاعرة انسانية او عبقرية وكفى . بل انها فوق ذلك تقف بحق الى جانب عدد كبير من شعرائنا ، المعاصرين الكبار الذين شقوا طريق الحرية والتجديد ، لشعرنا العربي الحديث وارتفعوا به عن الموضوعات الصغيرة التافهة ، والعواطف الرخيصة التي تباع في اسواق الخصوصيات كما يباع الورق المستعمل وفضلات الطعام . وها هي تقف امام شاعر المهجر الكبير ايليا أبو ماضي وقفة الند للند ، وهي مع ذلك لا تزال دون العشرين من عمرها ، تحس بالحياة اكثر من الزمن ، وتعبر عن النفس الانسانية في ادق مشاعرها وتصور المجتمع ، في ثورة على جموده وتمرد على واقعه الفاسد المريض . ثم تتعاطف مع الشاعر في غربته الفكرية وجهالة الناس به وتنتهي في الاخير ، الى اعلان التشابه القائم بين الشاعر وبينها ، في قوة الاحساس وغربة النفس ، كل هذه المعاني جمعتها لميعة في بيتين اثنين ، ارسلتهما ضمن رسالة خاصة الى الشاعر ايليا ابو ماضي ( الذي كان يعرف اباها وتربطه به صلات وصداقة حين جمعتهما الظروف في مهجرهما . ) تقول لميعة :
انا الغريبة في اهلي وفي وطني وانت يجهل معنى روحك البشر
وانت تعرف روحي حيث تشبهها وليس يخفى على لالائك الخبر
ثم تطلب اليه ان يندد بالواقع الفاسد والمساوىء الكثيرة التي تملا بلادها لعل في ذلك ما يصلح منها ويدفعها الى الامام :
عدد مساوئها واذكر محاسنها قد ضقت ذرعاها وانتابني الضجر
" فيجيبها ابو ماضى بكلام طويل جاء فيه : . . . ايتها الشاعرة الصغيرة . . اذا كان حولك اناس مات فيهم الحس ، وتحجر الخيال ، فهذا لا يوجب عليك ان تقتطي من وجود اناس اهل حس واصحاب خيال ، فان وجود فتاة فى مثل عمرك لها هذه النزعات الجميلة في الحياة ، دليل لا يدحض على ان العراق يمشي بفتياته وفتيانه الى عصر جديد سعيد " . (١)
وهاكم في النهاية اعجوبة صنعتها الصدف ، من حيث الاتفاق ونسجتها العبقرية اليافعة من حيث الابداع في الفكر والفن . ذلك ان الشاعر ابو ماضى ، طلب من الفتاة الصغيرة لميعة عباس ، ان توافيه بشئ آخر من شعرها . ( فارسلت اليه قصيدة عنوانها " يا نفس " . ولشد ما كانت دهشة ابي ماضي ، عندما وازنها بقصيدته " يا نفس " فالفاهما تتفقان في الوزن ، كما تتفقان في توارد الخواطر ، وحسب ان لميعة قد تاثرت بقصيدته ، وكانت هذه القصيدة في ديوانه " الحمائل " الذي لم يكن قد دخل العراق منه شيء سوى ، نسخة واحدة هي التى اهداها للشاعرة فيما بعد ، ومطلع قصيدة لميعة التي نظمتها في لحظة ألم وضجر هو :
أبتسمي يا نفس ، وأنسي الالم وشاركي الفريد عذب النغم
فكل ثغر للربيع ابتسم الاك يا نفس ! فما تطلبين ؟
الروض والزهر وشتى الطيور والجدول المنساب بين الصخور
قد عم كل الكائنات السرور الاك يا نفس . فما تبتغين ؟ (١)
وأخيرا . . انه اذا كانت الخنساء قد ظلت تبكي بشعرها اخاها العمر كله ، فان لميعة عباس لم تفعل ذلك وان اعلنته في شعرها ، فهي تقول مخاطبة اباها ومعلنة له أنها لن تسمع همس الحب من هاتف يأتي به وانها لن تسمح لقلبها بان يحمل سوى حبه :
سواء اذا أبغضتني الانام او ازدحم العيش بالمعجبين
عمرت فؤادي وحطمته فهيهات بعدك يوما يلين
عبدك أنت مثال الحنان ولن اسمع الصبية العابثين !!
ثم تقول معلنة انها لن تتخلى عن حدادها ولن تنزع ثوبها الاسود :
بعيد أنت يا أبتي ولكن سلوتي ابعد
سيبقى الدمع ما عشت وهذا ثوبى الاسود
ولكن الشاعرة لم تدم على ذلك ، اذ أنني شاهدتها في بغداد سنة ٥٢ ، متأبطة ذراء زوجها المهندس وهي ترتدي ثيابا جميلة فيها كل الالوان الا اللون الاسود .. ! !
فلعل الشاعرة قد غيرت الحياة رأيها كما غيرت من قبل راي الشابي حين اسلمه موت ابيه الى الحزن ثم لم يلبث ان عاد للحياة يعانقها بحنان ولهفه وينهل من افراحها والحانها ... بشوق عارم وظمأ ملهوف .
