المساء عبوس في شهر نوفمبر المتجهم ، والزمهرير يكشر عن نابه ، ويؤلف لذلك المساء أشتات الغيوم ، ولكن الشمس الآفلة كانت تستعلى في جنوحها للمغيب ، وتتراخى في سيرها ، لا تريد من صفحة السماء ذهاباً ، وكان لهذا المنظر الذي تجاذبته مظاهر متباينة أثر بالغ في نفس صبية حساسة لم تتجاوز الثامنة من سنى حياتها ، إذ وقفت وراء زجاج النافذة وراحت ترقب من أمره ما ظهر ، وتتابع منه ما خفى ، ثم حاولت ان تسجل له على الورق وقتئذ صورة كلامية في قصيدة لم يبق منها في ذاكرتها غير بيتين تستطيع أن تبتسم لهما وهى تستحضر لذاتها ذكرى ذلك اللآلاء المتخافت الأنيق ، الذى غادرته الشمس الغاربة يومئذ ، فوصفته في ذيك البيتين بقولها :
(( كأن الظلام ينبخ ويجم فى عشية حالكة ، كأنها ارتدت لباس الثكالى ، والكون ساكن مسجور ، ونسمات الأصيل منعشة محببة ، والشمس المتكئة على أريكة الأفق النارية ، ترسل أشعتها المتألقة فائرة وشتى ، وهى تنحدر رويدا رويدا ، كانها الإبريز المسجور ، فتسير بأقدام لاهية نحو المغرب ، وتغرى علائله بلألائها المترقرق ، فتسطع عليه تارة ، وتخبو طورا ، ثم تغرق ظلاله فى بحر من أضوائها )) .
وقد استخفها اعتزازها بها كورة مجهودها الأدبى فاستعرضته أمام ذويها ، وجاء أن يجعلوه من مفاخرها المأثورة ، إلا أنهم وجدوه فجا على أذواقهم ولم يستسيغوا معناه ، وأعرضوا عن استجلاء دلالته ومعناه . فلم تنظم من ذلك اليوم بيتا واحدا من الشعر إلا بعد أن تم زواجها مجين ويشرق جبينها حين تعترف بأن زوجها " نورمان كروول " لم يتصل بحياتها إلا لأن اشتغاله بالتأليف قد أحاطه بهالة جذبتها إليه . وتقول : (( بل إن ورق الكتابة كان له فى نفسى على الدوام فعل السحر ، وإنى كنت فى حداثتى ألعب به كما يلعب غيرى من تربى بالدمى ، وكنت أجد فى ذلك من الإجمام والمتاع ما لا أجده فى أى ضرب من ضروب الرئع والتسلية . ولا شك أن المتبسطين فى فنون البراع على صفحات المجلات ، وميادين الصحف السيارة ، ينبغى ألا يسلكوا فى زمرة الورى الذين صوروا فى جبلة البشر ، وصيغوا من ماء وطين )) .
وحاولت جهدها أن تهدهد من سلفية والديها المتزمتين المحافظين على شعائر الدين ؛ بتلطيف ما ينكر انه على ذلك الشاب كروول الذى ارتضته شريكا لها . وراحت تحسن التنصل أمامهما فى المأخذ الصارم الذى رماه به ما اعتاده من ضروب اللهو العصرى كالرقص ولعبة كرة الباس . وبعد أن تخرجت من الكلية وأحيزت من مدرسة التجارة ومعهد الموسيقى اقترنت بنورمان كروول سنة ١٩٠١ ، وكانت لاتعدو الرابعة والعشرين ، وما إن استكنت فى عشها الجديد حتى خفق فؤادها فرحا وشعرت أن الجنة التى أرادت أن تستساقها لذاتها قد عجلت لها فمنحتها حياة كاملة موفورة فى ذلك البيت الصغير ، ولم تدخر وسعا فى تعهده وسهرت على نظافته وارتادت لذعة العيش فى أكنافه نواحى الوفر والكمال ، فقرنت اليمن بيميناه ، وبسطت اليسر بيسراه ، وأحبت كل قطعة من موجوده و أناته ؛ وذكرت ، وهى تعنى بعقل أوانيه الفضية والبلورية ، الفرحة التى شملتها لتمكنها
من تنظيف إبريق قديم من التنك كانت أمها قد رفعته إليها ذات يوم لتدرب يديها البضئين على العمل المنزلى النافع فى أول نشأتها ، وهزت تلك الذكرى من عطفها ، فلم تملك نفسها من الطرب الآن ، وهى تتألق بالرونق المعجب الذى يسطع من بيتها ويلوح على مشتملاته كافة . على أنها لم تنعم بالعيش فى تلك الجنة الأرضية ، سوى ثلاث سنوات قصيرة ، أعربت حياتها فى غضونها من تلاوين القريض الذى لم تقو على ترويض قوافيه ، وأتيتت على صحائف كل يوم من أيامها ذلك الشعر الرقيق الذى جاش فى صدرها إثباتا حيا باقى الأثار قبل أن نقله قلمها من عالم الحياة إلى عالم الأوراق ؛ وذلك أن أول الأحزان التى قرعت ساحتها الرحيبة الوادعة كان عند مولد بكرها ، وقد صرع السقم بدنها وألزمها الفراش عدة شهور طوال ، وكان أقسى ما عانته فى آلامها ركونها إلى الغير للنهوض بشئون بيتها والعناية بطفلها ، بل كان إحساسها بوجودها العقيم أشد وقعا من نكاية الشكاة التى لا تملك لها دفعا . وقد قالت فى ذلك : (( شد ما آذانى أن تقطع بى الأسباب فتنتفض يدى من تدبير شئون بيتى والنهوض بحقها من أمومتى المقدسة ، ولقد كربتنى أيامى التى كانت تنضب على الولاء ضحضاح الرجاء ، حتى خيل إلى أننى أستمسك بحبال الهباء ، حين طغى على الحنين فى أحد الأيام إلى الكتابة ، فتناولت قلمى وبعد دقائق قليلة تسارعت الألفاظ إلى خدمتى ، وتحزمت المعانى لدعوتى ، فكتبت قصيدة راحت تحبو بأقدامها الصغيرة وتتعثر حتى انتهى بها المطاف إلى بعض الجهات ؛ وللحال أوامت بالخوض فى لجة البيان مع ثقتى من أن بحر معلوماتى الشعرية معزوف المادة ، ضيق الخطيرة ، ومن أنى لم أتضلع من علوم اللسان وأسرار اللفظ وفرائد اللغة ، ولكنى مع ذلك انتجت فضل خالق الأرضين ومبدع السموات فى خشوع ، وصمدت إليه بقضيتى ، بعد إذ ضقت ذرعا بحياتى التى لا تتمنى من الخير فتيلا ، وسألته أن ينصرنى بصرف الكلام ، ورجوته أن يعول على بما شاء إن أذن لى أن أكون من حاكة
الشعر ، وأمضيت إليه فى الصدق عهدى بألا يجرى خاطرى إلا بكل غرض نبيه ، وعاطفة شريفة ، ومنهج واضح ، ومسلك سعيد ، وأن أدأب ليل نهار ، على تمجيد اسمه فى كل ما يخطه بنانى ، فأجابنى إلى ما سألته واهتم لشأنى وتنازل بإفاضة إلهامه على بتوارد إنعامه فقشع ضباب اليأس ، وشق بشعاع الرجاء والنفع ظلمة القنوط والعجز ، وأنا منذ ذلك اليوم أرقى درج السنين بخطى ثابتة ، وأسير بأقدام الزمن إلى عتبات عرشه الأسنى ، رافعة الرأس وقد أمسكت يده بيدى وجعلت فيها راية الإنشاء ورفعت لى فوقها علما على علم ، وعلت بى على توالى الأيام ، حتى مشيت فوق بسط من الأعناق والقمم )) . فهل من عجب إن كان قد قام فى الأذهان أن قصيد هذه السيدة لم يكن فنا فحسب ، بل إنه كان وحيا وإلهاما . فما كان فى مقدور الثقافة التى تلقتها فى صدر أيامها ، ولا فى مقدور مظاهر الذكاء وخواص العبقرية التى أبدتها منذ حداثتها ، أن تبلغ بها هذه المنزلة الرفيعة ، والكناية الوافية والعبقرية الباذخة ، و إنها كانت بفضل إيمانها وابتهالها تغمس قلمها لتمجيد الله ، ولتجعل لها من شاعريتها متنفسا ينبثق منه كل مذخور من خوالج النفس وهزات الحس . وجلست يوما تستعرض عهد مرضها القاسى فكتبت قصيدة عنواها (( انتظر واصطبر )) ! وقالت فيها : (( مهما يطل سيرنا فى مجامل الزمن فلا بد أن يشمل لنا الله مصباح الرجاء إن كنا ننتظره فى اصطبار وثقة )) ويترقرق السيال الشعرى القوى فى هذه القصيدة الصغيرة التى نسجت فيها الرجاحة ورسوخ الإيمان طرازا لا يمكن أن تبليه الأيام ، فيجدى على فتاة وحيدة مروعة ، ترى فى أمها التى يقترب بها الداء من وادى ظلال الموت كل يوم ، حماها الذى تأوى إليه ، وسببها الذى تتعلق به ، فتعتصم بالثبات وتتجمل فى ذلك الخطب الذى دهاها فى طراوة سنها ، وتأبى إلا أن تقابل اليتم واثقة مستبسلة ، وتطلع القصيدة العصماء فى بيت آخر ، يضم ولهى فينهمر من المقاطع الشعرية ، ذلك الأمل
الزاخر على قلب الأم المروعة ، وهى تحنو على وليدها الثانى الكسيح ، فتتوجه إلى الله أن يشعل له ذلك المصباح فيمنحه حظه من نور البرء والمعافاة ، ويثيب إليه نشاطه وقواه . ويتملى علم من كبار المذيعين تلك الرسالة الشعرية الدلوية ، فتبعث فيه فتوة من فتوة روحها ، أو مضاء من مضاء عزيمتها وإيمان مؤلفها ، بعد إذ لم تكن له صلة بعالم لم يبق فيه صديق رحيم ، فيسر إلى الشاعرة كلمة موجزة متواضعة يحبسها على شكر عوارقها ، ويخلع حلل ثنائه على قدود قصيدتها ، وكانه يخاطبها بقول حسن بن طباطبا العلوى :
لا تذكرى إهداءنا لك منطقا
منك استفدنا حسنه ونظامه
فالله عز وجل يشكر فعل من
يتلو علينا وحيه وكلامه
"ولا تصل هذه الجريدة الغراء ، إلى أيدى زوجين متنافرين ، حتى يعولا على الاسترشاد بهديها والسيرورة إلى راحة النفس التى تناديهما فيها بالاصطبار ، فيتريثان عن إبرام الطلاق الذى كانا قد أجمعا أمرهما عليه ، ويتمرسان من ثم باستئناف حياتهما الزوجية فى رحمة وحنان ، ولم نلبث أن انقادت لهما أعناق الألفة والهناء والتوفيق والمودة وينفجر نبع العزاء والتأسى من قصيدة أخرى لهذه الشاعرة عنوانها ((صلاة لالتماس الشجاعة)) فتجد فيها شابة مرتاعة رقية لأحشائها التى مزقها مصرع أخيها فى ساحة القتال ، ويقرؤها كثيرون فتربط على قلوبهم من النوائب ، وتجعلهم يعتصمون بالصبر على المصاعب ، وذلك لأن الشاعرة تقول فى هذه القصيدة : (( لئن حملتنا الحياة على تجرع القصص ، وغشتنا بظلمات متواصلة متلاحقة تسود الفكر ؛ وتهم العقيدة وتوحش النفس وتزعزع القرار ، فإن ثقتنا من أن الله يلهمنا القوة ويمدنا بالعون ، كفيلة بأن تثبت جأشنا عند المصائب فلا تؤثر فينا ، ولا بد ان يستضىء بمصباحها أن ينجو إذ يبصر النور الساطع فى
الظلام المكفهر )) . ويسارع مؤلف خطير من زعماء مذهب اللاأدريين إلى القرطاس فيزجى إلى الشاعرة خطابا مستفيضا يشكر لها فيه تلك السكينة التى بلغته مأمنه وسكنت روعه ، ومنحته قبسا متوهجا يحدوه بالهداية والنور فى شعاب الحدس والشكوك . وتعهد فتاة انطفأ بصرها إلى الآلة الكاتبة ، وتبعث إلى الشاعرة مكتوبا حدثتها فيه عن نسيم الرضى الذى استروحته فى دنيا منظوماتها العامرة وأخبرتها عن أثر أبياتها التى نسخت بصبح إيمانها ليل ضجرها ووحشتها . ولا نزاع فى أن شعر " جربس كروول " يعكس بديا اختياراتها الدقيقة ويصدح بأمازيج الفرح المستخلصة من الفرح ، ويذهب الهموم ويتماوج فى أغوار النفس سجيجا سهلا يتدفق طبعا وسلاسة ، وكفى بالشاعرة أنها لا تتكلف فيه الإعراب عن شغفها بطيب دنياها ، وما تحفل به من المسرات والنعم ، وتستشق من خلاله ، ما فى النفوس البشرية من نبل وجلال، وترجع به أصداء اعتدادها بما فى السكون من نضارة وجمال ، فتغترف من مباهج الأرض بما فيها من زهر فواح ، وبحر رقراق ، ونسيم عليل وسماء صافية ، وشمس ضاحلة ، ونجم لواح ، وطبيعة متبرجة ، فتجعل هذا الوجود نعيما وفردوسا ، كما تجعل الحياة نعمة سابغة ، جديرة أن نستمتع بها ، ونحرص عليها بجد من النفس ، وصحة من النية ، وإنارة من البصائر ، كى تنال توفيقا من ربها .
والشاعرة ليست قعيدة سريرها اليوم ، فقد صحت من علتها منذ حين ، وإلى جانب التوفيق الذى أصابته فى النهوض بواجباتها البيتية على الوجه الأكمل ، ظفرت بطبع ثلاثة عشر ديوانا شعريا - نشرت أربعة أو خمسة منها فى خمس السنوات الأخيرة ، وباعت ألف قصيدة مطبوعة على حدة ، وهى تجد الآن فى تأليف كتابين . وتتحدث الكاتبة " لولا سبنسر " مراسلة إحدى مجلات الشباب الأمريكية عن المهام والأعمال التى أنجزتها " مسز
كروول )) يوم أن أذنت لها بمقابلتها فتقول :
(( عرفت أنها كانت قد فرغت من الرد على عشرين خطابا ثم طهت شيئا من مربى الكمثرى ، وقامت برزم هدايا العرس المرسلة إلى ابنها ، وناقشت ثلاث دعوات موجهة إليها لإلقاء قراءات من تصانيفها ، ونقدت إحدى المجلات نقدا أمينا ، ونظفت منضدة ودهنها بالطلاء ، وقالت إنى إنما أفعل ذلك بها ، لفرط شغفى بالنظافة )) .
وبقول زوجها إنها توقع على مائة خطاب وقصيدة يوميا ، وإنها تورى يزند الشفيع نار النجاح لذوى الحاجات ، وتصطنع من مكانها عند أرباب الأعمال ، مفاتيح الطلبات ، وتقوم مع ذلك بواجبات الضيافة ، فتقابل بهشاشة مراسلى الصحف وطوائف الشباب ، وجموع المعجبين والمريدين الذين يكتظ بهم مجلسها فى غالبية ساعات يومها . ويعالج زوجها جانبا كبيرا من مراسلاتها ، ويتولى تصدير الكتب والرسائل والخطابات ، ويصمم على المجاهرة بأن الاضطلاع بهذا البريد اليومى الضخم لا يتيسر إلا لرجل أمثل قوى العضلات نظيره . وقصائدها الأخيرة تبدى للعيان هدوءها ورصانتها ، كما أنها فى الوقت نفسه تعج برغبتها الملحة فى إدخال الطمأنية على القلوب التى دكتها أهوال الحرب الأخيرة ، وإرسال بريق الحياة إلى العيون التى باتت فيها سكرة الموت ، ولها قصيدة فريدة نظمتها مؤخرا وعنوانها : " من أم إلى ابن فى الخدمة العسكرية ، ولا تستطيع الأرقام أن تحصى عدد المرات التى تليت فيها هذه القصيدة فى جبهات القتال ، فقد بعثها آلاف الأمهات إلى أولادهن المقاتلين ، كما طلب رجال الكهنوت فى الجيش نسخا هائلة منها لتوزيعها فى الميادين المختلفة . ويروى مستر كروول الحادثة التالية فيقول : " زارها جندى شاب هداة إقلاعه إلى الجهة التى عينتها له الهيئات الحربية المختصة ، واتضح فيما بعد أنه أرسل إلى ما وراء البحار فى مانيلا . ولم تتلق زوجه كلمة منه ، وبات العلق بناحيها حالما عرفت أن سلاح العدو الجوى راح يحطم ذلك الميدان بوابل قنابله ، ثم استولى
آخر الأمر على (( مانيلا )) فتضيفتها الهموم ولم تنفك عن تقسم أخبار الغلام ويعرض فى حياتها الكثير من مثيلات هذه الحادثة ، ولكل حادثة ضربتها الفادحة التى تفرضها على وفيها ومجهودها وعواطفها الجياشة ، ولكنها لا تغفل عن بذل اهتمامها ورعايتها ، لأن هذه السيدة الصالحة ضاحبة المعروف ، سخية النفس ، تتعهد الجميع بجنانها فى صمت ودأب وإيثار ، فهى تشبه خمائل البنفسج الخبيثة بين تخائف الأدغال ، ينشق الناس من طيبها ويحمدون عرفها ، وإن لم يعرف مكانها .
وطلبت منها ؟ بياترس يلب ، مكاتبة إحدى الصحف الشهرية الأمريكية ، أن تأذن لها بكتابة مقال عنها ، فقالت : (( ترفقى بى يا "بياترس" وبعملى اليسير الهين الساذج ، ورجائى إليك فوق كل رجاء ، ألا تعتبرينى لسانا من أفصح ألسن الإصلاح الإنسانى ، وأن لا تقدمينى الى الجمهور فى صورة المشرعة الفقيهة ، والحكيمة العارفة بأخبار المتقدمين والمتأخرين ، والخطيبة التى لا ترهقها عقدة ، ولا تتلكأ لحظة ، وهى تهيب بالعالم الحزين قائلة : ابتسم ، ثم ابتسم ، ثم ابتسم ، فإنى لا أطيق أن أبدو للجماهير فى هذه الكبيرة الخلاية ، وأن أطلع عليهم بهذه الدعوى العريضة التى تزين لهم فضائل الابتسام والبسالة . واذكرى أن الفصاحة ليست من طبيعتى وأنى لست جريئة الصدر كما يزعمون ، بل إن لى خورا ، وأنت ترين أنى ضئيلة الأجلاد ، وإنما أنا لفرط ما قاسيت فى العالم من آلام وصدمات ونكبات ، ولكثرة ما تجرعت من كئوس الجزع والرهبة ، وتذوقت من طعوم الوهل والإرتباك ، ولطول ما ارتعبت وانتظرت من خلال الظلام ، قد أردت مجمعة قلبى وابتهالات روحى ألا أولى ظهرى للحياة ، بل أسير فى شرعتها قدما معتقدة أننا إنما نكبو لنقوم من عثرتنا ، وأننا ننام لنستيقظ من هجمتنا ، لذلك آليت على نفسى أن أروى ظمأها ، بتقديم شىء للعالم مما أفدته هناك فى الظلام ، حيث كان الله على الدوام )) .
ولما سئلت عن سر نجاحها ، قالت ((لوليم استدجر)) كما ذكر فى كتابه "الناحية الإنسانية من العظمة" ما يأتى : "إن الألم الذى قاسيته ، لا يمكن أن يكون المرجع الوحيد لفلاحى ، وإن كنت أعده العامل الأول فيه ، ولست أستطيع لذلك أن أرد هذا النجاح الذى تقول به ، إلى كفايتى ومواهبى ككاتبه وشاعرة ، وأنا كما تعلم لا أملك من أداتهما شيئا ، ولا أعتقد فى الوقت نفسه أن للفرص يدا كبيرة فى نجاحى ، فإن ما لقيته من الفشل والخذلان فى بعض أطوار وجودى ، قد قدم لى الدليل الساطع على أنى لم ا كن مجدودة الطالع ، أثيرة مقربة عند ربة الحظوط السعيدة وأريد أن أقول كذلك إننا لا ننجح فى عمل شئ لا نجيده ، وإننا لا نجيد عملا نرغم على أدائه إرغاما ؛ وذلك لأننا نتقن ما تحفزنا عليه الرغبة والشوق والمحبة . وإذا وقر فى نفوسنا أن الحياة مغامرة تتطلب الإيمان الراسخ ، والعزم الثابت ، والإرادة الصادقة ،
والرأى الحصيف ، والثقة الدافعة الملهمة ، نجحنا فى الحياة وجنينا من قطافها كل ندى شهى" . وقد بنت من تفاؤلها واستبشارها واستمساكها بمواعيد الله ورعايتها للغير ، مدبرا يحمل الجماهير إلى السعادة الفائقة ، ويوصلهم إلى قارة الطمأنينة المفعمة بالأمل ، فقد صمدت فى معانى الحرب العالمية الأخيرة ، ويمها العجاح ، كمارة سامقة ، ليس لألغام الحوادث إليها مسرى ، ولا لإنصار القوارع مجرى ، ولا عجب فى ذلك ، فإنها تحوى من الحصافة المعنوية قدرا لا تستهان مواقعه ، وتلوى فى المتعة الروحية جيدا لا تستلان أخادعه، وترفع للسفر إيمانها الذى يلوح مصباحه ، وتملى للسارين قصيدها الذى يلمع بصيصه ؛ فإذا اللجج تشف ، والطريق يستبين ، وإذا اليأس يتحول إلى رجاء مرموق ، وأمل مروم ، يستعان به فى قوائم الأعماق ، و مجاهل البر ، و مجدافيات البحر ، ودياجى الأمصار والآفاق .
