الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 325الرجوع إلى "الثقافة"

شاعرة

Share

كانت الإذاعة في ذلك المساء رقيقة وادعة تشبه حنان الأساسي ورداعتها ، وكان الصوت الذي يتردد في الجهاز المرسل من تلك الأصوات التي تلقي على الأرواح ظلالا من الهدوء المقدس المتصل بالتأملات وكانت الأنشودة التي تمد الصوت بالروح الحية من تلك النشائد السحرية الرائعة ، وهكذا . . تلافت وداعة المساء وحنان الصوت وروعة الأنشودة في لحظة واحدة ، لتؤلف من هذا الثالوث أقنوما حيا بمد الروح بالمواطف النبيلة ، والفكر بالتأملات البعيدة . ووضع السامعون - وكانوا كلهم من ذوي الشعور الدقيق - أيديهم علي قلوبهم خوفا من أن نتصاعد دقائها أكثر من المعتاد ، فيكون هذا التساعد مؤثرا على جوهر الصوت وروحه فلا يصل رنينه العذب إلي الأذان كما ينبغي أن يصل ، ومرت لحظات من لحظات الحياة أو من لحظات السعادة الحالمة ، والسامعون تائهون في هذه الأجواء الرفيعة ، سابحون في عوالم واسعة من الفن وعودهم لو تنقلب اللحظات إلي ساعات وساعات ، وهي أمان ما سمعت مثلها إذاعة بغداد في حياتها إلا في ذلك المساء . . ! ولكن لحظات الأماني أقصر شئ في الحياة حتى لو كانت لحظات عادية ، فكيف إذا كانت من اللحظات السعيدة ؟ ! ويظهر أن مدير الاذاعة قد كان مأخوذا بذلك الصوت الكريم ، وبالأنشودة التي تمده ، كما أخذ هؤلاء السامعون من كرام الأدباء ، فما إن وقف الصوت عن البث حتى قال :

سمعتم عتقات الورقاء الطروب الآنسة نازك الملائكة " . وما كاد ينتهي من كلمته حتى تلفت العيون ، وفي تلقتها شئ من التساؤل ! إن السامعين كلهم او جلهم يعرفون السيدة أم نزار الملائكة ويعرفون الأستاذ صادق الملائكة ، ولكن هذه " الورقاء الطروب ؟ ! . من تكون ؟ أتكون من عائلة البلابل المفردة أم من مجمع الورقاوات

الصادحة ؟ ! وكاد يغطي سيل التساؤل علي " الأسف " الذي أحدثه انقطاع الصوت عن مواصلة الإذاعة ، وأخيرا عرفنا أن الآنسة " تازك " كريمة الاستاذ صادق الملائكة ، وعرفنا أنها تلميذة في دار المعلمين العليا ، فخفت الدهشة وقال السامعون : " ليس بغريب أن يخرج من بين جناحين شاعرين ، قلب شاعر وروح شاعرة ! " ولو كنا نعيش في دنيا من تقدير الفن لكانت كلمة الإذاعة وكلمة الإصدقاء والأدباء كافيتين لأن تنقلا الشاعرة إلي ذروة الشهرة كما نقلت " عيون المها بين الرصافة والجسر " " ابن الجهم " وكما نقلت قصيدة " جسر التهدات " اThomas hood Bridge of sighs نوماس هود له : إلي أغنيات طائفة على الشفاء . ولكن أين من هذه الدنيا في هذا العصر المتكالب ؟ ! وأبن هذا العصر الجثم تحت كابوس الجشع من تلك العصور الأدبية الجميلة التي كانت تري في الشاعر ضوءا يمزق ظلمات الحياة ، وترى في الشاعرة روضة متمتعة يتعانق فيها البنفسج والياسمين وتستلقي الأرواح في ظلالها ، ثم تخفق في جو من الوحي والإلهام ؟ ! . ونحن إذ نلوم هذا " العصر " على اهماله أمر النوابغ والنابغات فلأن ذلك أدى وسيؤدي حتما إلي خسارة فنية من الهضيعة ضياعها ما دام في ذلك إضافة للغذاء الروحي ، وإضاعة لكنوز ثمينة تلقي على الأذواق طفا ورقة وتهذيبا ، وهي خسارة لا نقدر أن نسكت عليها لا سيما ونحن نري بجانب هذا الإهمال - عناية بأناس لأنوجد بينهم وبين الإنسانية صلة إلا بمقدار ما بين الأوثان والأحياء من صلات ، وقد تري قسما من هؤلاء بترأسون حتى المؤتمرات الثقافية ، وليس لهم من الثقافة سوي " المراكز " التي ساقتهم إليها " الوظيفة الحكومية " ! فقط !

ونحن إذ نتحدث عن شاعرة ناجهة مبدعة كالآنسة نازك لا نكون متمردين على عصر بينه وبين هذه الشؤون الأدبية ستار !!! بل لان هناك سلات فنية بين الأثر الأدنى والأذواقي تسمو علي " التمرد " وترتفع فوقه ،

وهي أدق وأعمق وأشد شعاعا من أن يحجبها ذلك الستار . وهكذا كانت تلك القصيدة وحدها التى عطرت الإذاعة في ذلك المساء ، فيسا من تلك الأقياس التي وصلت شعاع الفن بشعاع الفكر الباحث ، وإذا بهذه الصلة تدفعنا إلي متابعة البحث عن شاعرتنا الكريمة ، وإذا بنا نسمع أنها تخرجت في دار المعلمين العليا وأمها كانت أولي ، وأنها ألفت قصيدة في حفلة التخرج لغت إليها الأنظار . وإنها انتقلت بعد ذلك إلي " مدبر التدريس " في دار المعلمات الأولية لتؤدي رسالتها في الحياة . هذا كل ما استطمنا أن نصل إليه من معرفة عن شؤون شاعرنا الكريمة ، وعلم النفس الذي يحاول أن يبني الأبحاث الأدبية علي معرفة أوق الشؤون العامة والخاصة في حياة الأدباء والأدبيات لا يقنع بهذه المعرفة الصئيلة ولا بري فيها زادا كافيا لإنشاء بحث أدنى عن شاعرة ناشئة سيكون لها شأن في المستقبل القريب إذا بقيت واقفة علي دوحة الشعر تذبع أنقامها الساحرة . ونحن وإن كنا نتابع علم النفس في رأيه بهذا الموضوع ، بيد أنا نري في متابعته على طول الخط شيئا من الغلو ، ولا نري من الضروري أن تقوم الأبحاث الأدبية على معرفة أدق الشؤون الخاصة والعامة بل تكفي معرفة بعضها ، ويضاف إلي ذلك اجتهاد الباحث لاسيما وهذه الشؤون لا تخلو من الأسرار العاطفية ، وقد تكون أسرارا مقدسة . وعلى الرغم من هذا الزاد القليل سنتقدم إلي المائدة الشعرية اللذبذة ، وسنجد في هذا الزاد على قلته - ونرجو أن يجد معنا القراء ما نجده - غذاء روحيا ناطفيا كافيا ، فليست العبرة بالكثرة مادامت المادة محتوية على أهم عناصر الغذاء الذي تفشده الروح والعاطفة

نحن الآن في الماء ! ! في الماء أيضا ياالله من الأساسي ؟ ! وكان ذلك المساء فاننا - كما تقول الشاعرة وقد ) من بين الموج والرمل والقمر والسكون ( والتعبير للشاعرة أيضا - وبين الأمواج والرمال ، تحت الأشعة الفضية الهادئة الوديعة ، وقفت شاعرتنا الملهمة تنادي

إلىه الشعر كما نادته قبلها  Irene ( وهي جالسة أمام النافذة تتطلع إلي النجوم ، بالفصادفة المجيبة ! كاننا الشاعرتين في المساء وكلناهما تنادي إليه الشعر وتقول له : " خذني فهذة تقول : " خدي اخذني معك إلى السماء وشاعرتنا نقول :

بازورق السحر والخلود خذني إلي العالم البعيد

وكما استجاب إليه الشعر إلي نداء Irene وهي جالسة أمام النافذة تتطلع إلى النجوم ، فقد استجاب إلي نداء شاعرنا وأخذها إلي " جزيرة الوحي ولا فرق بين جزيرة الوحي التي تذهب اليها انستنا الشاعرية وبين السماء التي تذهب إليها ؟ لم مع إليه الشعر ، فكلناهما مأوي الاختلاجات الزوجية ، وكماناهما مهد القلب الظامي ، إلي دنيا بعيدة عن هذه الدنيا ١١ دنيا فيها من الفن والجمال بمقدار ما في القلب من آمال وأمان وانتفاضات . وسمع الزورق السحري امر الشاعرية ، ورأي في نفسه شرف الخضوع لهذا الامر المستحب ، فشق الماء بصدره حتى دنا من الضفاف وفتح عليه للشاعرة ، وما كادت تقترب منه حتى احتضها فيه كما تحتضن المقلة أشفارها ، وسار الزورق بين الأمواج ؟ ! إلي ابن ؟ ! إلي ابن بازورق السحر ؟ ! إلي حيث تأمي الشاعرية ، إلى جزيرة الوحي ، ولاحت " جريرة الوحي من بعيد " كأنها الأمل البعيد ؛ ! ثم ماذا بعد ؟ ! وكيف تكون هذه الجزيرة ؟ !

الرمل في شطها دي

والقمر الحلو في سماعها

يستئناف من دجلة البرود

أمنية الشاعر الوحيد

هكذا تكون " جزيرة الوحي " رمل ندي علي الشاطئ تعب حياته الرملية قطرات المياه من البراب ، والقمر الحلو فرفها امنية غالية من اماني الشاعري الوحيد . وماذا بعدة

فلتسر بازور في بروحي

وان للشعر أن يغني

حلمي وقد صغته نشيدا

شاعرني حدقي فهذي

إن لهت القلتان عنها

تبسعي يا اببسة الأناني

واوقي الزورق المسبي

قد أن يستفيق عودي

بالحلم الضاحك الشرود

بهش من سحره وجودي

جزيرة الشعر والدشيد

صاحت بها الأمنيات عودي

للشاطئ الساحر المديد

تحت شعاع السننا البديد

سار الزورق ، واستفاق العود ، وتحركت العاطفة ، وصبغت الأحلام نشيدا بهش من سحرها وجود الشاعرة ، وعندئذ أوقف الزورق السحري المتعب . ثم ماذا ؟ !

قد ضحك العمر واستنامت عواصف اليأس والنكود .

وأمنيات فأي عيد وانقلب البأس بشريات

وهكذا كانت جزيرة الوحي صدرا خافقا يستلق عليه الوتر المرتم ونتسم فيها الأغاني وتقف الحياة على جوانبها ضاحكة مرحة وتتلاشي عواصف اليأس أو تنقلب إلي قسمة من نسمات الفجر الحنون ، ويتحول اليأس إلي بشريات

وأمنيات أحلي من أماني العبد . . هذه هي " جزيرة الوحي وهذه هدبيا الى تقدما للشاعرية ، جمال مهدهد العاطفة ، وسحر يستثير الخيال ، وفتنة تقلب اليأس أملا أهو المكان وجماله يحول " الحياة هذا التحويل ، هو " الشباب " بنسح من خياله جنة فواحة بالإزاهير ، ومن تأملانه " عالما " يعجر بالأفراح ، ومن وفرقة اجنحته دنيا تحقق بالأماني والأمال ؟ ! الشباب ! هو تلك القوة الى محاول ان تمرق اليوم السود ومقترق الحجب وتصم مع النسور إلى أعلي طبقات الجو ، وهو ذلك الوميض الذمى الذي يخطف بربن العيون في ظلمات الحياة . .

وقد اجتمع الشباب الحالم المجنح ، بالجمال الطبيعي الساحر الذي يقبض على جوانب " جزيرة الوحي " وبغيض من حواشها فازدارت قوادم الاجنحة قوة ، وازدادت الخوافي تماسكا وصمدت !! ولكن هل يدع الارض بنات السماء ذاهبات في الصمود ؟ ذلك ما سنراه في وقت اخر ) بغداد ( فالى المقاء . .

اشترك في نشرتنا البريدية