الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 188 الرجوع إلى "الرسالة"

شاعر الاسلام، محمد عاكف

Share

-2- كتب الأديب الكاتب عمر رضا صهر الأستاذ محمد عاكف مقالا في جريدة جمهوريت التركية بعنوان " أيام عا كف الاخيرة " فأردت أن يطلع عليه قراء الرسالة فى هذه الترجمة :

منذ ستة اشهر أرست فى اسطنبول باخرة قادمة من مصر , توسمت النازلين منها فاذا على السلم شبح لم أثبته للنظرة الأولى , فلما أنعمت النظر عرفت الفاجعة ؛ وتأوه رفيقى مدحت جمال آهة أعربت عن وقع الفاجعة فى نفسه.

لقد انحطم الأستاذ عاكف ! ولكنه كان على ذلك , لايزال متفائلا بحسب ان هواء الوطن يحييه . ذلك كان ظنه , وذلك ما أمله إلى آخر رمق من حياته . أخبرته يوما ان احد أقاربه يود مقابلته . فقال: "لا يشق على نفسه ؛ سازوره أنا حين استعيد بعض عافيتى"

ولقد حيرنى حقا هذا الرجاء , وهذه القوة الروحية التى رسخت فيه بعد أن آذنه الأطباء بخطر المرض , وضعف الأمل ,

ورأى هو صحته تضمحل يوما بعد يوم . كان تفاؤله يملأ نفسى عجبا , فكنت أقول لنفسي آتراه يريد أن يشعرنا الطمأنينة وينفى عنا الفزع ؟ تم ارجع فأقول : كلا إن هذا الأمل القوى لاينبع من تعلق البشر بالحياة وإقرار فى حبها ، بل وراءه منبع أبعد غورا , وأغزر فيضا , وأسمى مكانا

كان الزائرون يتتابعون إلى حجرته فى المستشفى , وكان فى هذه الزيارات ارهاق له . وكان الاطباء يكرهونها ولكنه هو كان يحرص على لقاء أصدقائه ورؤية احبائه , وكان يسكن إلى محادثة كل واحد منهم منفردا ولا يحد فى هذا حرجا ولا نصبا . ولم يكن بد من تغيير هذه الحال , فدعى الأستاذ لينزل ضيفا في دار لأحد أصدقائه القدماء . وكانت الدار فى "علم طاغى".

وحسب أصدقاء الأستاذ أنه سيجد فى هواه هذه الجهة ومائها بعض شفائه إلى ماتجدي عليه العناية بنظام الغذاء و تناول الأدوية التى كانت تجلب له من أوربا

فرح الأستاذ كثيرا حين بلغ علم طاغى وسكن إليها . ورسم له أن يهبط المدينة مرة كل أسبوع لزيارة أصدقائه واستشارة اطبائه . وكان هو يقول : سافترش سجادة تحت شجرة وانشق الهواء النقى , وأستمتع بحرارة الشمس الصافية , وأحاول أن استرجع قواى وشيكا .فاذا آنست فى بدنى الصحة , دعوتكم جميعا إلى علم طاغى , وعندي هناك طاه منقطع النظير .

وحقق أن الأستاذ افترش سجادته فى ظل الأشجار علم طاغى الخضراء , وأنس بها وتمشى فىتلك المروج ، ولكن مرارة الدواء كانت تنغص عليه جمال المكان ومسراته , بل كانت ترد هذه المتعة الموفوقة سما قاتلا . وكان يقول : لو ان هذه الادوية تشرب مرة واحدة كل يوم ! لا اكاد اخلص من جرعة حتى الزم بجرعة اخرى , فأنى لي أن أشهد جمال علم طاغى وآنس لذاتها .

لست أنسى قوله ذات يوم ": يا بنى لقد كنت أطوى الطريق من اسكدار إلى علم طاغي سيرا على قدمى لا أبطىء ولا أقف . وهآنذاك اليوم اقطع الطريق لأتمس قدماي الارض . ولكن ماذا تجدينى هذه السيارات وآهاتى فيها لاتفتر . اه لو شفيت فعدت سيرتى أقطع الطريق على قدمى !., - وأما هواء " علم طاغى " فلم يرد على الأستاذ عافيته بل كانت قواه فى خور مستمر .

**** ليت شعري ماذا ألهمه هذا التفكير العميق الذى دام اشهرا : وماذا كان يريد ان يعرض علينا من افكاره حين يبل من مرضه !! لقد كان نظم " قصة الاستقلال " إحدى امانيه منذ سنين . وكان ينبغي من التجائه إلى مصر أن يخلص من متاعب الحياة ويفرغ لهذه القصة . فلما هم بهذا طلبت إليه رياسة الأمور الدينية فى أنقرة أن يترجم القرآن الكريم إلى اللغة التركية , فأشفق وأبى واعتل بأن أمامه قصصا يود أن ينظمها ،

فلم يقبل عذره وتوسلت رياسة الامور الدينية بصديقه الحميم احمد نعيم بك أستاذ الفلسفة الاسلامية بجامعة استانبول فاضطر عاكف أن يذعن كارما . والحق أن إياه الاضطلاع بترجمة

القرآن أول الأمر كان من اجلاله الكتاب الكريم واعتقاده ان إنسانا لا يستطيع ان يؤدي ترجمته على الوجه الجدير به ههما أوتي من العلم والبيان ، وكان كلنا سئل عن الترجمة قال ": لم أقدر عليها . إنها لم ترضى فكيف ترضى غيرى؟. وقضى الأستاذ سبع سنين فى مصر وهو في شغل شاعل عن ترجمة القران , وكانت النتيجة ما رأينا (١) فقد ضاعت تلك السنون وحرم الأدب التركى من أثر خالد . وكان نظم حجة الوداع من آمانه - هذا

المشهد التاريخى العظيم الذى يمثل الرسول فى حجته الأخيرة يخطب على مائة ألف من المسلمين , وكذلك كان يريد ان ينظم قصة تمثيلية فى الحروب الصليبية وبطولة صلاح الدين الايونى ، وحالت دون الامانى حوائل , وعاد الأستاذ إلى استانيول عللا بدت عليه امارات الهجوم الاخير من هذا المرض المشئوم فثقل لسانه قليلا ولكنه لم يفقد من إدراكه إلا يسيرا ويوما تغيرت حال الأستاذ فجأة , وبدت عليه امارات القوة والنشاط , فكان يتحدث إلى الناس ويستمع إليهم , ويطلب آن يكونوا حوله ولا يرضى أن يترك وحده . وفى مساء هذا اليوم ضاقت نفسه فلم يلبث إلا يسيرا حتى كانت الخاتمة

( للكلام بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية