كان المجمل الذي أوردناه عن " حسان " ) في عدد الهجرة - ٢١١ ثقافة ( مجرد تحديد للخطوط الرئيسية في صورة شاعر الرسول ، قصدنا أن نعود إليه بعد ، فنملأ هيكله ، وتصقل جوانبه ، ونجلوه في مظهر فتي مقبول . وكانت خطتنا أن نجمع الروايات الخاصة بشعر " حسان " وشخصه ثم نستوحي التاريخ صورة " المدينة " قبيل البعثة ، ولجوها الاجتماعي والثقافي ومركز آل حسان بين قبائلها ؛ ثم نلقي نظرة على الدولتين العربيتين المتحضرتين إذ ذاك في الشمال ، " المناذرة " المجاورين للفرس - والغساسنة المجاورين للروم ، فنتبين كيف كانت كل منهما . - ولا سيما الثانية - في قصورها وملكها ، وأيامها وشعرائها ، وماذا كانت منزلة " حسان " في ذلك المعترك السياسي الأدبى ؛ ثم ترجع إلي شعر " حسان " الذي ترجح أنه قاله قبل البعثة - إما بإشارات زمانية فيه ، وإما بطبيعة موضوعه - كأن يكون قاله في حرب الأوس والخزرج - وإما بخلوه خلوا تاما من الكلام عن الإسلام والرسول ، وملاحقة خصومه ، فنحلل هذا الشعر ونستخرج خصائصه ، ونضع " حسان " في مكانه من شعراء الجاهلية الذين أدركوا الإسلام .
مثل هذه الثروة الضئيلة من المعلومات - إذا صفيت - خلفت لنا أساسا متواضعا يمكن ان يبني عليه بحث حياة " حسان " في الاسلام ، حيث الاخبار عنه أكثر ، وكمية شعره أوفر ، وحيث يتصل شاعرنا اتصالا مباشرا بحوادث سجلها القرآن ، وفصلتها كتب السيرة النبوبة .
لقد بلغ " حسان بن ثابت " الستين من عمره قبل أن يسلم ويصبح شاعر " الرسول " ؛ فحياته الفنية - إذا - ترعرعت وبلغت تمام نضجها ، واستكملت كل مقوماتها وخصائصها في الجاهلية ، وكانت نشأة " حسان " في قبيلة " بني النجار " أو " تميم اللات " التى كانت زعيمة الخزرج ، وزعيمة العرب المدنيين ، هذه الزعامة تتضافر عليها روايات التاريخ ، ويؤيدها الطابع العام لشعر " حسان " مما يجعلنا نفترض - مطمئنين - أن الشعور بها كان عاملا كبيرا في منزعه الشعري ، بل في صلته بالرسول ، كما سنبين بعد ذلك . وإنك لتقرأ المشهورات من شعره طوال حياته ، فلا تكاد تظفر بواحدة منها تخلو من الإشارة إلي مجد قبيلته وبلائهم ، ونفوذهم ، يقول :
" فيثرب " تعلم أنا بها إذ التبس الأمر ميزانها
ويقول :
لنا حاضر فعم وباد كأنه شماريخ رضوي عزة وتكرما
متي ما تزنا من " معد " بعصبة " وغسان " تمنع حوضنا أن يهدما
بكل فني عاري الأشاجع لاحة قراع الكماة يرشح المسك والدما
نسود ذا المال القليل إذا بدت مروءته فينا وإن كان معدما
ويقول
فنحن الذرا من نسل " آدم " والعرا تربع فينا المجد حتى تأتلا
بني العز بيتا فاستقر عماده علينا فأعيي الناس أن يتحولا
ثم يقول :
كنا ملوك الناس قبل " محمد " فلما أتي الإسلام كان لنا الفضل .
وليس هناك من شك في أن شعره في هذه الناحية أقوى روحا ، وأروع نسجا منه في أي ناحية أخرى . ولقد تراه هنا أقرب ما يكون إلي الفرزدق " في طابع فخرياته . ولكنه إذ يفتخر بقومه ومآثرهم يكاد يذكرك " زهير بن أبي سلمى" فى تفصيلة لنواحي السيادة ، وفي شمولة بمدحه الغني والفقير ، والصغير والكبير ، والطارف والتليد من ممدوحيه .
هذه الوراثة السامية في النسب ، قد أبدتها وراثة زاهية في الأدب ، فقد كان آباء " حسان " شعراء ) ثابت والنذر وحرام ( ، وكان من قومه الخطيب والفيصل وصاحب النفوذ والجاه عند الملوك ، وفيهم يقول ) بعد الإسلام ( :
إن خالي خطيب " جابية الجو لأن عند " النعمان" حين يقوم
وأبي في " سميحة" القائل الفا صل يوم التفت عليه الخصوم
وأنا الصقر عند باب " ابن سلمي" يوم "نعمان" في الكبول مقيم
و " أبي " و " وافد " أطلقا لي ثم رضا وقفلهم محطوم
وسطت نسبتي الذوائب فيهم كل دار فيها أب لي عظيم
لندع هذه الناحية جانبا - بعد إذ خلصنا منها بالغرض الذي افترضناه ، والذي سنعود إلى نواحي تطبيقه مرة أخري - ولنرجع إلي المدينة حيث ينشأ "حسان " في ربوع ابائه " الخزوج" من عرب المدينة . و " الأوس والخزرج " - كما يحدثنا المؤرخون - عرب من الجنوب ، كانوا ذوي ثقافة دينية وثنية ، وكانوا يعبدون " مناة " و اللات ؟ هاجروا فيمن هاجر إلى الشمال
ولعلهم حملوا - فيما حملوا معهم - شيئا من حضارة الجنوب وتفكيره ؟ وقد نزلوا " بيثرب " وكونوا هم واليهود "بها جماعة ثلاثية ، لها حروب ووقائع وأيام ؟ وقد خضع العرب لسلطان اليهود حقبة ، ثم ثاروا واستعانوا بإخونهم من ملوك الشام ) وكانوا مثلهم من الجنوب فانتزعوا السلطان من اليهود ، وأخضعوهم لنفوذهم .
هذه الحروب بين " الأوس والخزرج ، تارة ، وبين هاتين ويهود ، تارة اخري كان لها اثرها في تحريك القرائح الشعرية في ذلك العهد ، وكان " حسان" ممن تأثروا بها ، واستلهموها معاني البطولة والفخر ، ومن الجدير بملاحظة هنا أن شاعرنا لا يفتخر بلسانه فحسب ، ولكن بسيفه ايضا يقول في قصيدته التي يعدها صاحب " الجمهرة "، من" المذهبات " :
لساني وسيفي صارمان كلاهما ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي
ومن الحائر أن "حسان " في تلك المرحلة كان يشهد الوقائع والحروب ، وكان له فيها بلاء حسن ، ولعل رواية " الكلبي " تؤيد هذا إذ يقول : " إن حسان رضي الله عنه كان لنا شجاعا فأصبابته عله أحدثت له الجبن فكان بعد ذلك لا يقدر أن ينظر إلي قتال ولا يشهده ؟ .
وكانت المدينة في ذلك الوقت بيئة متحضرة ، موفورة الثروة ، يشتغل كثير من أهلها بالزراعة ، وكانت - كما يذكر " حسان " في شعره - ذات نخل وآطام وجداول وحدائق ، وكان لوجود اليهود بها اثره في انتشار القراءة والكتابة والثقافة الدينية ؛ وليس هناك من شك في أن ذلك كان له اثره في إعداد " المدنيين لتلقي رسالة التوحيد ، وفي تهيئة اذهان شعرائهم ومثقفيهم لقبول دعوة الرسول ، والمبادرة إلى نصرته وتأييده ؛ و " حسان ، يذكر هذا في روايته التي أسلفناها عن الأغاني عند
محاولة تحديد سنه وقت الإسلام ،
اجتمع - إذا - للمدنيين شئ من الخصب ، ولون من الحضارة والمعرفة والدين ، وكثر بينهم الشعراء ، وعرفت القري العربية الآخرى هذه المكانة المدينة ، وظل ذلك متوارثا مذكورا حتى سجله " ابن سلام " في " طبقات الشعراء " فقد ذكر انها كانت اشعر القري العربية ، وكان اشعر شعرائها " حسان " ؛ ثم ذكر في موطن آخر أن قريشا كانت قليلة الشعر في الجاهلية ، وعلل لهذا بقلة الحروب بينها ، على أن هذه الكثرة في شعراء المدينة لا يلزم منها ان يكون شعراؤها من النبوغ والعبقرية بحيث يعقد لهم لواء الزعامة بين شعراء العرب ، فالواقع أن أحدا من المدنيين لم يشتهر شهرة امرئ القيس أو النابغة مثلا ؛ ولم يذهب أحد من المتقدمين إلي أن " حسان "
- أو غيره من شعراء المدينة - يجيء في الصف الأول ؛ اللهم إلا ما ذكر أبو عبيدة من أن العرب اجتمعت على أن " حسان " اشعر أهل المدر ، ولم ينقل إلينا تاريخ الأدب أن أحدا منهم ولي الحكومة الشعرية في مجمع من الجامع ، أو اشتهر بناحية فنية خاصة ، كما اشتهر " امرؤ القيس " بكثرة تشبيهاته ، وبما ابتكره من الاساليب ؛ وكما اشتهر " زهير " ورجال مدرسته بتثقيف الشعر وتنقيحه وتعهده من الوجهة الفنية الخالصة ؛ فالمسألة - إذا - مسألة كثرة كمية في شعر " المدينة " بالنسبة لغيرها من القري العربية ، وقد يكون مستوي شعرها في جملته أعلى من مستوي الشعر في القرى الآخري ؛ ولكن شاعر المدينة الأول يجيء في حلية الفحول مصليا لا مجليا .
للبحث بقية

