الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 413 الرجوع إلى "الثقافة"

شاعر الزهد العربى, في القرن الثاني للهجرة

Share

رحم الله " أبا العتاهية" لقد كان أمة وحده ، في عصر لم يعرف الفن الشعري إلا مادحا لسلطان ، أو طالبا لدنيا ، أو متنزلا في عيوب ، أو داعيا إلي لذة ، أو صادرا عن وحي شراب . فأما أبو العتاهية فقد شرب من كأس عصره جرعات ؛ ثم ما لبث أن صحا من سكرته ، وأقصر باطله . وهجر عالم الفتنة والغرور إلى عالم العظة والاعتبار ، ووهب الشطر الاكبر من حياته وقته للتذكر بالموت ، والتنفير من متع الحياة ولذاتها ، والدعوة إلى التقي والزهد

وفي حياة هذا الشاعر الفلسفي وقته نواح تدعو لطرافتها إلى ألوان من البحث والمناقشة : فقد طالما اهتزت لشعره في الزهد قلوب وذرفت دموع ، ولكن كثيرا من أهل عصره كانوا يرون الفرق شاسعا بين قوله وفعله ، فاتهموه بالزندقة والمراآة ، وبكنز الذهب والفضة ، وعدم الإنفاق في سبيل الله .  وهذا الشاعر الذي نشأ - والأدب العربي الكلاسيكي في أوجه - قد آثر كما آثر الشاعر الإنجليزي وردرورث ، بعده بقرون أن يصطنع لشعره لغة الحياة اليومية ، مؤثرا الماني القريبة الواضحة ، والألفاظ المألوفة السهلة والأوزان الخفيفة التي ربما اخترعها اختراعا ؛ ثم استطاع بهذه السهولة الشعبية أن يحد له مكانا بين خول الكلام الرصين من أمثال بشار ومسلم بن الوليد وأبي نواس . بل استطاع أن ييزهم احيانا وان ينتزع منهم ألوية السبق في ميادين البيان .

ولعل مما ينفرد به أبو العتاهية بين رجال الفن الشعري في مختلف العصور والآداب أنه حبس وضرب وعذب - لا من أجل شعر قاله - ولكن من أجل إبائه أن يقول شعرا غزلا أو مرحا . وكانت هذه الظاهرة مثار غيرة

وحسد من كثير من معاصريه . وقد وصل (أبو العتاهية) - رغم ضعف نشأته - إلي مكان في دار الخلافة العباسية تنقطع دونه أعناق الكثيرين من فحول الشعر : فقربه الخلفاء والأمراء وأعلوا محله ، وحرصوا علي صحبته ، وخلفوا عليه من عطاياهم خلفا وافرا ، ووظفوا له وظائف راتية ، وطربوا للتقليل من مدائحه إلي جوار الكثير من زهدياته التي كان يقصر بها آجال لهوهم ولذاتهم . وكانت لأبي العتاهية مثل هذه المكانة عند الجمهور . فكثيرا ما اجتمعوا عليه في المواسم وعلى أبواب الخلفاء ، أو تحلقوا حوله في مسجد المدينة ببغداد ليستمعوا لعظاته الشعرية ، يرسلها ودموعه نسيل على خديه ، وسامعوه بنشجون ويذرفون دموع التوبة والندم .

وبعد . فأصل شاعرنا - كما حدثنا تراجمه - من بلدة " عين الثمر قرب الأنبار غربي الكوفة . وكان هو وأهله يعملون الجرار ، وهي إحدي الحرف الدنيا في المجتمع ، وقد تضافرت على اشتغال بها الروايات التاريخية والأدبية ، فإذا ما سمعنا إلى ذلك ما يروون من أن أباه كان حجاما يدين بالولاء لقبيلة عنزة ، وأن أمه كانت مولاة لبني زهرة يقال لها أم زيد ، استطعنا أن ندرك ما لابد أن يكون قد وقر في قرارة ذلك الشاعر البوادى الناشئ . من إحساس دفين بالضعة والنقص ، وأن نفهم بعض الأسباب النفسية التي ربما كانت قد حملته في كبره على أن ينادي بأن التقوي هي العز والكرم ، وحب الدنيا هو الفقر والعدم ، وانه ليس على عبد تقي نقيصة إذا صحح التقوي ، وإن حال أو حجم ؛ ودفعته إلى ان يحاج من يستطيلون عليه بأهلهم فيقول :

دعني من ذكر أب وجد

ونسب يعليك سور المجد

وطاعة تعطى جنان الخلد

ما الفقر إلا في التقي والزهد

ولا نعلم على وجه التحديد متي ولد شاعرنا ، وإن كنا نستطيع أن نضع تاريخ ميلاده في أواخر حكم بني امية

وأوائل بني العباس ، استفتاحا مما يذكره المؤرخون من أنه توفي بين سنة ٢١٠ وسنة ٢١٣ هـ . ومما يذكره هو من أنه عاش تسعين حجة أسلمته لمضجعه . والظاهر أن ابن خلكان وصل بطريق مثل هذا إلى اعتبار سنة ١٣٠ هـ تاريخا لميلاد الشاعر ، وتابعه في ذلك محررو دائرة المعارف الإسلامية . ولسنا نعلم الكثير عن شبابه ولا ما كان له فيه من شؤون ، ولكنا نعلم بوجه عام أنه قضى شطرا من حياته الأولي بين جرار يصنعها وقوانين يصوغها ، وكان وهو جرار يأتيه الأحداث والمتأدبون فينشدهم أشماره فيأخذون ما تكسر من الخزف فيكتبونها فيها ، وأغمض ما يصادفنا من شئون شبابه تلك الصلة المزعومة بينه وبين جماعة من المخنثين ، فقد ظل خصومه طوال حياته يقذفونه بهذا الوصف فلما ارادوا التشنيع عليه أو الانتقام منه : غضب " سلم الخاسر " مرة من قول أبي العتاهية فيه :

تعالى الله باسلم بن عمرو

أذل الحرص أعناق الرجال

فقال :ويلي على المخنث الجرار الزنديق !

نتمشى في حياتى رعدة غامض جسدا بلا شكوى ولا تهد ، وإن احلامى الصافية كالتلج الأبيض هى صلاة أيامى الهادئة .

ولكن كثيرا ما يعترض طريقى السؤال الخطير ، فأنضاءل وامضى كأنى أسير على بحيرة لا أجسر أن أسير غورها

ثم تنزل على قلبى اغنية مضطربة مظلمة كليلة صيف و كناء السماء فيها قليلة الضوء إلا من نجم يلمع في سوادها بين حين وآخر .

فتشت ذي الدنيا فليس بها

أحد أراء لآخر حامد

حتى كأن الناس كلهمو

قد أفرغوا في قالب واحد

فسألت عنه فقيل هو أبو العتاهية .

وربما كانت هذه الأوصاف المتباينة تصوره في مراحل مختلفة من حياته . ومهما يكن من أمر مظهره وهيئته فقد وصلت أنباء شعره إلي الخليفة المهدي فاستدعاه إليه ، واستمع لمدائحه فيه وفي أخواله اليمانية ، وحظى أبو العتاهية في تلك الفترة بمزيد الرعاية من يزيد بن منصور خال الخليفة . وجمعه مجلس المهدي بكثير من الشعراء منهم بشار وأشجع السلمي . وقادته تلك الصلة بالقصر إلى التعلق بعتبة جارية المهدي التي كانت في أول أمرها خادمة لربطة بنت أبي العباس السفاح ، ثم أصبحت بعدها للخيران زوجة المهدي . والظاهر أن إعجاب أبي العتاهية بها قديم . " فالمبرد " يروى أن أبا العتاهية احتال حتى قبل يدها في أيام ربطة ؛ ذلك أنه جاء في زي متنسك يحضر مجلس شراء رقيق للعتق - فيه عتبة - فقال : جعلني الله فداك ! شيخ ضعيف كبير لا يقوي على الخدمة ، فإن رأيت أعزك الله بشر أمي وعتقي فعلت مأجورة . فأقبلت على عبد الله بن مالك الخزاعي ) وكان معها ( فقالت : إني لأري هيئة جميلة وضعفا ظاهرا ولسانا فصيحا ورجلا بليغا ، فاشتره وأعتقه ؛ فقال : نعم .

فقال أبو العتاهية : أتأذنين لي أصلحك الله في تقبيل يدك ؟ فأذنت له ، فقبل يدها وانصرف ثم عرفت بعد أن ذلك كان أبا العتاهية.

وقد ظل طوال مدة المهدى يشبب بها حتى في قصائده في مدح الخليفة ، وهي لا تبادله حبا بحب ، حتى لج أبو العتاهية ، وشكت عتبة إلى مولاتها مالحقها من الشناعة ، ودخل المهدى مرة وهي تبكي بين يدى الخيزران فسألها عن خبرها فأخبرته ، فأمر بإحضار أبي العتاهية ، فلما وقف بين يديه قال أنت القائل :

الله بينى وبين  مولاتي

أبدت لي الصد والملامات

يضيقون بالغرباء من كل صنف يهودا أو غير يهود ، وحينما شعروا ان ضيق الناس هذا بهم يهدد اموالهم ، انتبهوا واسرعوا يعوضون على أنفسهم ما فاتهم ، فذكروا انه كان لهم فى جزء من فلسطين دويلة صغيرة دامت مائتى سنة منذ أكثر من ألفى سنة ، وتجمعت آمالهم حول هذا الشيخ البعيد من التاريخ حاسبين ان الاستمساك بهذه الذكرى القديمة فرصة يبلغون بها من الأنصاف ما يعوض عليهم مرارة الفشل المتوار القديم . من هنا ذهبوا يزعمون أنهم أولى بأرض فلسطين من العرب الغزاة((الطارئين))وهم قد بالغوا فى الكلام فى هذا الموضوع مبالغة كادت مخدع بعض من لم يعرف الأمر ويدرسه . فلنحاول أن نلقى نظرة على تاريخ فلسطين لنرى مكان اليهود والدولة اليهودية منه

يافاق حتى بنا ولا تهمى

نفسك فيما ترين راحات

حتى

تجيئي بنا إلي ملك

توجه

بالهابات

يقول للريح كلما

عصفت

هل لك ياريح في مباراتي

عليه تاجان حول مفرقه

عليه

إخبات

وكان أقدم العناصر السامية هجرة إليها هم الكنعانبين ، وكتعان ليس اسما جغرافيا للاراضى الواقعة غربى الأردن ، وإنما هو اسم جنس يطلق على مجموعة من الشعوب الصغيرة التى جمعتها لغة وحضارة واحدة ، وكانت هذه المجموعة تسكن فلسطين على جانبى الأردن ثم امتدت مع الزمن نحو الشمال .

وقد صهر هذا الحب مشاعر أبي العتاهية ، فقال في عتبة أشعارا جيدة خلدت بعضها أنغام الغناء في ذلك العصر . يقول فيها :

بالله يا حلوة العينين زوريني

قبل الممات وإلا فاستزيرني

هذان أمران فاختاري أحبهما

إن شئت موتا فأنت الدهر مالكة

روحى وإن شئت أن أحيا فأحيينى

يا عتب ما أنت إلا بدعة خلقت

من غير طين ، وخلق الناس من طين ) ١ (

ويقول ) وهو مما غني فيه ( :

قال لي أحمد - ولم يدر ما بي -

أتحب الغداة عتبة حقا ؟

فتنفسست ثم قلت نعم

ليقني مت فاسترحت فإني

لا أراني أبتي ومن يلق ما لا

فاحتسب صحبتي وقل : رحمة الله

مما جري في العروق عرفا فعرفا

أبدا ما حببت منها ملقي

قيت من لوعة الجوي ليس يبقى

على صاحب لنا مات عشقا

وكان المهدى قد حاول - فيما تذهب الرواية - أن يهبها له ، فجزعت وقالت : يا أمير المؤمنين حرمتي وخدمتي . تدفعني إلى رجل قبيح المنظر بائع جرار ، ومكتسب بالشعر ؟

ظل أبو العتاهية على غرامه بعد وفاة المهدي ؛ ثم حاول الرشيد - فيما يحدث المسعودي - أن يستميلها إلى أبي العتاهية ، فقالت له : أنا أمتك ، وأمرك نافذ في ، ما خلا أمر أبي العتاهية ، فإني حلفت لأبيك - رضي الله عنه - بكل يمين يحلف بها بر وفاجر ، وبالمشي إلى بيت الله الحرام حافية كلما انقضت على حجة وجبت على أخرى ، لا أقتصر على الكفارة ، وكلما أفدت شيئا تصدقت به ، إلا ما أصلي فيه ، وبكت بين يده ؟ فرق لها ورحمها وانصرف فيها . فلما

ويعتبر الفينيقيون فرعا من الكنعانيين . ثم نزل أرض الشام وفلسطين بعد الكمانين العموريون ، وهم طائفة سامية ايضا ، اختلطوا بالكنعانيين ، وكونوا طبقة ممتازة من الناس خصوصا فى فلسطين ، ومدوا سلطانهم حتى وصلوا جنوبى لبنان حيث انصلوا بالحيثيين ، وهؤلاء الأخيرون لم يكونوا شعبا ساميا وإن كان المهد القديم يجعلهم ساميين بل كنمانين .

ثم هاجرت إلى البلاد بعد ذلك قبائل الآرءيين والميرانيين ؛ فأما الاراءيون فقد انوا بلاد الشام من حوض الدجلة والفرات ، وأخذوا بنبسطون فى الإقليم الواقع جنوبي دمشق ، وامتدت اطراف منهم إلى الشمال حيث اختلطوا بالحيثيين ، ولم يدم سلطانهم طويلا ، إذ وهن امرهم وتفرق كثير منهم فى القبائل الأخرى ، ولكن معظم قبائلهم ظل مناسكا .

ويبدو أن أبا العتاهية كانت له في شبابه شئون أخري من الغرام ، وكانت له مع نظرائه خصومات ومساجلات وأهاج مقذعة ، وكان كل ذلك جزءا من الجو الذي قضى فيه الشاعر شطرا من حياته الأولى يخوض في بعض ما يخوض فيه أهل اللهو ورجال الحاشية في قصور الخلافة ، وينعم بما

ينعمون من أعطية الخلفاء ؛ واستمر ذلك زمنا ما ، حتى جاء التحول الذي أخرج أبا العتاهية من ذمرة المجان واللاهين إلى عصبة الوعاظ والزاهدين . وقد حدثنا التاريخ في الشرق والغرب عن أمثلة كثيرة من هذا التحول ) ١ ( جاءت أصحابها في كثير من الأحيان فجاءة ، دون مقدمات أو أسباب ظاهرة . ولكنها في الحقيقة ترجع إلى أسباب عميقة تظل تعمل عملها فيما دون الوعي والشمور ، حتى إذا ما اصطدم صاحبها بمحادثة أو تجربة خاصة ، حدث التحول ، وسارت الحياة في مجري يخالف مجراها السابق تمام المخالفة ! فمن كفر إلي إيمان ، ومن عصيان إلى طاعة ، ومن علم إلى تصوف ، ومن ركون للدنيا إلى عمل للآخرة .

( للحديث بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية