هذا شاعري نسيه الناس ، ولم يعد يذكر قومه ، فرأيت وفاء له وللأدب أن أكتب عنه ، أعرفه لقومه ، وأذكرهم به . . .
لقد انتقل هذا الشاعر إلي جوار ربه منذ أكثر من أعوام أربعة ، وكان قبل ذلك مشكاة ينير الطريق ومصباحا يقبل العثرات ومهدى العروبة . . .
ولد الشاعر في بغداد سنة ١٨٦٥ م ، وتعلم هناك مبادئ القراءة والكتابة ، واشتغل بعد ذلك بالتجارة ؛ وقد ورث ذلك العمل عن أبيه ، وفى أثناء ذلك عكف على الأدب القديم ينهل من موارده العذبة ، وانقطع للقراءة فى الكتب العربية . . . وحفظ كثيرا من الشعر العربي الجيد . ولما بلغ العشرين من عمره ، أخذ يفكر فى حال المسلمين وما آلت إليه ، وبعمل فكره لاصلاح حالهم ، والنهوض بهم ، حتى قدم بغداد المغفور له جمال الدين الأفغانى ، منفيا من إيران ، فتتلمذ عليه الشاعر ، وأخذ يتلقى عليه العلوم والمعارف ، حتى أخرج الأفغاني من بغداد ، فأصبح موقف الشاعر فى غاية من الدقة والحرج ، لأنه كان من المتصلين بالأفغانى الآخذين بمبادئه ؛ فغادر بغداد هو الآخر خفية إلى البصرة ، وأخذ يتنقل بعدها بين بلاد عديدة وأقطار مختلفة ، حتى رحل من العراق قاصدا إيران والهند . . . وأخيرا فى أوائل هذا القرن هبط مصر زائرا ، فأقبل عليه كثير من أهل الأدب والعلم وفادة الفكر ؛ وحببوا له الاقامة فى مصر والبقاء بينهم . فرضى بذلك ، ولا سيما وقد أصيب بمرض شديد ، لما استقر فى مصر أخذ كثير من رجال الأدب
ومحي الشعر يترددون عليه ، وكان من أكثرهم مقابلة له وترددا عليه رب السيف والقلم البارودي باشا ؛ وكان الكاظمي قد لاذ بكنف الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، وهو يومئذ رجل الأدب وموئل الأدباء البار بهم ، وملاذ الشعراء والعلماء ومقبلهم من عثراتهم ، والآخذ بيدهم فى طريق الحياة الوعرة ، ومسالكها الملتوية ، ودروبها الضيقة وقد عاش الشاعر فى كنف الإمام ولم يشعر بالحاجة حتى قبض الإمام ، عندئذ لم يجد من يبره ويرعاه ، أو لم يرد هو أن يبحث عن آخر بعد الإمام . . وفى ذلك يقول :
تلك العهود وليتها بقيت لنا
مرت كومض البارق الخطاف
كان الصديق بها الإمام ومن نحا
نحو الإمام ، وكل ندب واف
عصفت بتلك المكرمات عواصف
وسفت على تلك الوجوه سواف
٥٥٥
كان الكاظمى عفيفا ، أبي النفس ، عالى الهمة ، على جانب كبير من مكارم الأخلاق ، يترفع عما عليه كثير من الشعراء الذين يمدحون لقاء ما ينالهم من أجر ، مع أنه كان فى شديد حاجة إلى المال ، وظل فى فقر مدقع حتى توفاه الله عام ١٩٣٥ دون أن يمد يده لأحد ، وقد أصيب فى أواخر أيامه بضعف فى قلبه وقصر فى نظره . . .
كثيرا ما كان الشك يعصف برجال الأدب فى عصرنا هذا ، وبنال منهم الظن كل منال إذا قرأوا قصيدة لأحد الشعراء القدماء ، ويقول الرواة إنهم ارتجلوها فى مواقف اقتضتها ، وإنها كانت بنت ساعتها ووليدة وقتها ، وكانوا ينكرون عليهم ذلك ، ذاهبين إلى أن الشاعر مهما قويت شاعريته فلن يستطيع ارتجال قصيدة ، ولو كانت فى حدود الثلاثين أو الأربعين بيتا ، ولكن شكهم وارتيابهم ما لبث أن راح أدراج الرياح حين رأوا الكاظمى وسمعوه فوق المنابر ،
كان يدعي إلى الكلام فيقف ويرتجل قصيدة ، وكثيرا ما كانت تبلغ مائة بيت أو تربو عليها . وقد روي بعض الصحفيين أنه رأي الكاظمى فى حفلة أقيمت له فى القاهرة تكريما له ، وكان من خطباء الحفلة الطبيب المعروف الدكتور ابراهيم شدودى وقد القى قصيدة ، فقام بعده الكاظمى ، وارتجل قصيدة فى نفس الوزن ونفس القافية التى أنشد منها الدكتور شدودى ، وقد أربت قصيدته على المائة من الأبيات الجيدة ، وكل هذا من غير أن يظهر عليه شئ من الكلفة أو الجهد .
كان الكاظمى من الرجال الذين انجبتهم العروبة ، فكان داعيا لها ، عاملا من أجلها ، يتفاني فى خدمتها ، يرسل قصائده الرنانة ، يستحث بها الهمم ، ويستنهض العزائم ؛ من ذلك قصيدته الوطن العربى التى منها :
هى المنى فاحتشدوا على الحباض وردوا
رب جوى أحره أصبح وهو أبرد
مضت قرون جمة العيش فيها أنكد
ورب عيش أنكد تلاه عيش أرغد
إن لم يكن عيش حمي ر فالحمام أحمد
وشعره يمتاز بالجودة وحسن السبك ، وألفاظه المختارة وعباراته السلسة الجزلة ، والمتانة فى الأسلوب ، وكان له سهم فى نهضة الشعر ، ويمد فى طليعة الشعراء ؛ ولكن يؤخذ على شعره البداوة ، ويغلب عليه الأخد بأساليب القدماء ، فكثيرا ما يذكر الرسوم البالية ، والأطلال المارسة ، كما كان يفعل امرؤ القيس وغيره منذ قرون طويلة ، ومن شعره هذا قوله :
وقوفى على تلك الديار وقد عفت
معالم كانت زاهيات وأربع
معالم أعفاها البلى فتوزعت
وما هى إلا أكبد تتوزع
وقوله :
ولم أنس يوم الجزع والساعة التى وقفنا بها نبكي الديار ونجزع وسبب هذه البداوة والأخذ بالقديم فى شعره يرجع إلي حفظه الكثير من شعر العرب القدماء ، ونسجه على منوالهم ، فركز هذا الأسلوب فى طبعه . . ولا شك أن هذا من جنايات الأدب الجاهلى كما يقول الأستاذ الكبير أحمد أمين . ومن شعره السلس قوله :
يا حبذا يوم الجمال وحبذا يوم الوصال وأجره المكسوب
يوم يعود به لنا استقلالنا ويرد فيه حقنا المغصوب
حتام نحتمل المذلة طوعا ولنا بآفاق البلاد وثوب
نرجو الحياة وليس بجهل عالم أن الحياة مصائب وخطوب
ومن شعره الرائع قوله :
أوطاننا أرواحنا بل إنها بالروح تغدى
أو يستعاض بندها من ذا رأي للروح ندا
أبدا نطالب بالحقو ق ، حقوقنا أو نستردا
أبدا نجاهد دونها ونكافح الخصم الألدا
ونصد عنها من نوى أو هم يوما أو تصدى
وقد عاش هذا الشاعر حليف البؤس ، يصارع الشقاء والفاقة ، وله كثير من الشعر فى هذا المعنى ، من ذلك قوله: غيرى يسير مريح الأعطاف وسواى بكرع في غدير صاف لي إن أسر فى الأرض سيرة حائط
منهدم أو خابط دلاف
فإذا مشيت يخف بي داعى الهوى
طربا فمشى المثقل الرساف
وهو يشكو دهره ، ويرتفع صوته بالشكوى من أهله فيقول :
ألا إن دهرى موجعات فعاله
أفعال أهليه أمض وأوجع
هذه كلمة قصيرة عن هذا الشاعر المنسى ، الذى لم يلق بعد وفاته إلا الجحود والنكران .

