الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 276الرجوع إلى "الثقافة"

شاعر بني مروان

Share

عبد أسود ، أبوه وأمه نوبيان ، نصح له شيطانه في الشعر فلقنه أحسن المديح وأحسن النسيب ، فأفرغ مدائحة على طائفة من امراء بني امينة وخلفائهم مثل عبد العزيز بن مروان واخيه بشر وسليمان بن عبد الملك وأخويه يزيد وهشام ، فحبوه وكسوه وأخلوا له مجلسه وأحسنوا جائزته .

قرأت جملة من أخباره في الأغاني فشغلني النظر في محاسن عقله عن النظر في محاسن شعره .

تناهي إلينا من صورة هذا العبد أنه كان اسود ، صدعا ، خفيف العارضين ، تاتي الحنجرة، لم يروا قط مثله ولا أشد سوادا منه ، وتناعي إلينا من لباسه أنهم لم يروا أنقي ثيابا منه ولا أحسن زيا ، كان يري في بزة جميلة ، وكانت ثيابه في بعض الأيام قميصا قوهيا ورداء ، وحيرة هذا كل ما وقع إلينا من ظاهر شكله ولباسه ، ومن نكد الدنيا على هذا العبد ان يضرب عينيه فيري الفرزدق وجريرا وكثيرا والأحوص والكميت وذا الرمة وغيرهم ، فكان الجو غير خال له ، سد الأفق عليه شعراء كبار ، فاستطاع بفصاحته وتخلصه إلى جيد الكلام وشعره العربي وثنائه الأبيض أن يفتح أبواب هذا الأفق ، وان يجاري ويزاحم من حوله من الشعراء ، ولكن الله تعالى اختصه بشئ آخر غير الفن ، فلم يبخل عليه بمسحة من العقل ، فعاش بفنه جليل القدر في عيون الأمراء والخلفاء وعاش بعقله راشد الأمر في دنياه

هذا العبد نصيب بن رباح مولي عبد العزيز بن مروان . أول آية من آيات عقله أنه لما قال الشعر كان شابا ، فأعجبه قوله وهذا شأن كل شاعر في صدر امره ، ولكن نصبيا ثم تغره هذه الفتنة ، فقد خاف ان يعرض على الناس شعره فيسخروا منه ، إما لأنه عبد اسود ليس له هيبة في

العيون ، وإما لأن الناس لا يعجبهم من شعره ما يعجبه ، فما الحيلة وهو يريد أن يعرف مبلغ شعره من القلوب ؟ كان يأتي مشيخة من مواليه وينشدهم القصيدة من شعره ثم ينسبها إلي بعض شعرائهم الماضيين ، فإن استحسنوها نشط إلي الشعر وإن استقبحوها كف عنه ، ومن محاسن حظه أن الشيوح الذين كان يأتيهم كانوا أصحاب ذوق سليم في الشعر ، فكانوا يقولون له : أحسنت ! هكذا يكون الكلام ، وهكذا يكون الشعر ! فنشأت بهذا القول ثقته بنفسه ، وطمأنينته إلي شعره ، ولكنه على الرغم من هذه الثقة كان الشك يخامره في شعره ، فلا بد له من الرجوع إلى غير من رجع إليهم ، فلم ير من حوله انصح له من أخته أمامة ، قال لها : أي أخيه ! إني قد قلت شعرا وأنا أريد عبد العزيز بن مروان ، وأرجو أن يعتقك الله به وأمك ومن كان مرفوقا من أهل قرابتي ، إلا أن أخته كانت عاقلة جلدة ، فلم يعمل فيها هذا الكلام وخافت على أخيها السخرية منه ، فقالت له : إنا لله وإنا إليه راجعون ! يا ابن أم ! أتجتمع عليك الخصلتان : السواد وأن تكون ضحكة للناس ! فلم يجد نصيب مندوحة له بعد هذا الكلام عن أن يسمعها شعره ، فلما انشدها وسمعت هذا الشعر استحسنته وقالت له : بأبي أنت ! أحسنت والله ، في هذا رجاء عظيم ، فأخرج علي بركة الله .

خرج نصيب علي قعود حتى قدم المدينة فوجد بها الفرزدق في المسجد ، فعرج إليه ، لأنه لا يزال أثر من الشك في قلبه علي الرغم من نصيحة الشيوخ ونصيحة أخته ، فلا بد من معرفة رأي الفرزدق في شعره ، عرج إلى الفرزدق وعرض عليه شعره ، فقال له الفرزدق ؛ ويلك اهذا شعرك الذي تطلب به الملوك ، قال . نعم قال الفرزدق : فلست في شيء ، إن استطعت ان تكتم هذا على نفسك فافعل

كيف كانت حالة نصيب بعد سماع هذه الشهادة ، انفضخ المسكين عرقا ، وانكسر قلبه ، ولكن الله

ما أراد أن يمحو اسم نصيب من الشعراء والعقلاء ، فقد حسبه رجل من قريش كان قريبا من الفرزدق وقد سمع إنشاده وسمع ما قاله له الفرزق ، فأوما إليه ، فقام إليه نصيب ، فقال له الرجل : ويحك ! اهذا شعرك الذي انشدته الفرزدق ، قال : نعم ! فقال : قد والله أصبت ! والله لئن كان هذا الفرزدق شاعرا لقد حسدك ، فإن لنعرف محاسن الشعر ، فامض لوجهك ولا يكسرنك !

يعلم الله مقدار السرور الذي دخل علي قلب نصيب بعد كلام هذا القرشي ، لقد اقطع كل ظن سيئ بشعره بعد هذا الكلام ، ووقرت في نفسه ثقته بشعره ، فليس له بعد تكامل هذه الثقة إلا الخروج إلي الأمراء والخلفاء وإفراغ المدائح عليهم .

أجل ، هذا أول مظهر من مظاهر عقله ، لم يتهور نصب في فاتحة حياته ، وإنما استعمل عقله ورعا افرط في استعمال هذا العقل ، ولكن المسكين لم يفرط عبثا ، فكأنه كان يعلم انه إذا قدم مصر لمدح عبد العزيز بن مروان وحضر بابه مع الناس فلا بد للقوم من ان يزدروه وبطردوه من الباب وينحوه عن مجلس الوجوه حتى يكون وراءهم ، وإذا دخل على عبد العزيز بن مروان فلا بد لعبد العزيز من ان يصمد فيه بصره ويصوبه ، ثم بأمر بالسرير فيبرز للناس ويدعو بالاسود وهو يريد ان يضحك منه الناس ، فكان نصيبا كان يحس بهذا كله ، فلم يشأ الإقدام على الإنشاد قبل التوثق من جودة شعره ، وقد هيأ الله له أمراء بني أمية وخلفاءهم ، فعرفوا قدره ومنزلته فليزاحم  الفرزدق وكثيرا ، ولينقد الكميت وذا الرمة

ولئن دله عقله على التوثق من بدء النجاح في الحياة فلقد دله هذا العقل على الرشد في الحياة كلها حتي استمر نجاحه من أول أمره إلي خاتمته . وكانه كان يشعر بحسن عقله فعرف قدره ولم يتعد حده ، فقد نظر إلى الحياة نظرة القيلسوف الذي لا يطلب فيها إلا هدوء البال ، فلم تنزع به همته إلى شئ من مناصب الدنيا ، مثل منادمة

الخلفاء، أو غير ذلك ، وإنما كان يكفيه من هذه الدنيا عيش ناعم وفكر هادئ ؛ واية نعمة اعظم من هذه النعمة فقد دخل على عبد الملك فتغدي معه ، ثم قال له عبد الملك : هل لك فيما نتنادم عليه ؟ فقال نصيب : تؤمنني ففعل ، فقال : لوني حائل وشعري مفلفل ، وخلقتى مشوهة ولم أبلغ ما بلغت من كرامك إياي بشرف أب أو أم أو عشيرة ، وإنما بلغته بعقلي ولساني فأنشدك الله يا امير المؤمنين الا تحول بيني وبين ما بلغت به هذه المنزلة منك فأعفاه عبد الملك .

وكما عرف قدره في باب الامراء والخلفاء عرف قدره في أموره كلها فلم يخرج عنه ، فقد كان له ابن خطب بعد وفاة سيده الذي اعتقه بنتا له من اخيه فاجابه إلي ذلك وعرف أياه نصبيا ، فقال له نصيب : اجمع وجوء الحي لهذا الحال ، فجمعهم ، فلما حضروا اقبل نصيب على اخي سيده فقال : ازوجت ابني هذا من ابنة أخيك ؟ قال : نعم ، فقال نصيب لعبيد له سود : خذوا برجل ابني هذا فجروه فاضرب ضربا مبرحا ، ففعلوا وضربوه ضربا مبرحا ، وقال لأخي سيده لولا اني  اكره أذاك لآلحقتك به ، ثم نظر إلي شاب من أشراف الحي ، فقال زوج هذا ابنة اخيك ، وعلي ما يصلحهما في مالي ، ففعل

ولم يكن في ظلال النساء أشد منه اشتطاطا في ظلال الخلفاء ، فقد قيل له مرة إن ههنا نسوة يردن ان ينظرن إليك ويسمعن منك شعرك ، فقال : وما يصنعن بي ؟ ! يرين جلدة سوداء وشعرا ابيض ، ولكن يسمعن شعري من وراء ستر .

ولم تظهر امارات عقله في تصرفاته وحدها ولكنها ظهرت في جواباته ايضا ، وافي الحج قادما من الشام في بزة جميلة ، فدخل على صديق له وهو بأكل مع جماعة فيهم كثير ، فدعوا نصيبها إلي الغداء فأكل مع القوم ، فرفع كثير يده وأقلع عن الطعام ، وأقبل القوم جميعا على

كثير يسألونه أن يأكل ، فأبي ، فتركوه ، وأقبل كثير على نصيب فقال له : والله  يا أبا محجن إن اثر أهل الشام عليك لجميل  ، لقد رجعت هذه الكرة ظاهر الكبر ، قليل الحياء فقال له نصبب : لكن اثر الحجاز عليك ياأبا صخر غير جميل ، وإنك لزائد النقص ، كثير الحماقة :

وقال له مسلمة يوما : أنت لا تحسن الهجاء ، فقال : بلي والله ؛ اتراني لا احسن ان اجعل مكان : عافاك الله ، أخزاك الله ، قال : فان فلانا قد مدحته فحرجك فاهجه . قال : لا و والله ، ما ينبغي أن اهجوه ، وإنما ينبغي ان اهجو نفس حين مدحته ، فقال مسلمة : هذا والله اشد من الهجاء

ومن كانت هكذا جواباته فلا خوف عليه إذا عبروه العبودية ، فإنه يعرف كيف يدفع كلامهم ، قال قائل له : أيها للعبد ، ما لك وللشعر ؟ فقال : أما قولك ؛ عبد ، فما ولدت إلا وأنا حر ، ولكن أهلي ظلموني فباعوني ، وأما السواد فأنا الذي أقول .

وإن أك حالكا لوني فإني...بعقل غير ذي سقط وعاء

هذا يسير من عقل نصيب ، شاعر بني مروان ، فهل بلغ كثير منا معاشر البيضان من جودة التصرف في الفعل وفي القول ما بلغته هذا العبد ، احد عقلاء السودان !

(دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية