قرأت فى العدد الثامن والتسعين للأستاذ الفاضل ع . ع مقالته " من وحى الافلام " وعجبت منها لقوله قبل التحدث عن بعض ما كتبه الأستاذ شفيق جبرى عن تقديس الماضى :
" الأستاذ شفيق جبرى كاتب مجيد ، يعجبنى فيه أن يحتفل دائما بما يكتب ، وينحو فيه منحى الطرافة والجدة ، وأحسبه شاعرا فى نظراته وتأملاته وخواطره".
عجبت لهذا لا لأنى أنكره ، بل لأني رأيت قليلا فيه أن يعلم من نثره أنه شاعر فى نظراته وتأملاته وخواطره ،
ولا يعرف ذلك من شعره الذى ملأ ديوانه (نواح العندليب) المطبوع من نحو عشر سنين ، وفاض على نخبة من الصحف ففنا العواطف وهز المشاعر وحلق فى سماء الخيال.
إنه من مقدمى الطبقة الأولى من شعراء الشام ، سكب عبراتها فى قريضه الباكى ، ونظم مسرائها فى شعره الباسم ، وردد رجاءها وشكواها فى قصائده الخالدة . وهو الذى مثلها فى مآثم الملك والشعر فى ديار الجوار ذى القربى . وهو الذى بكى يا مصر العزيزة شاعرك أمير شعراء العرب فى حفلة تأبينه التى اقيمت فى دمشق ، وهو الذى قال عنه إن شعر العرب لم يجد منذ ألف عام له مثيلا ، وهو الذى حدثنا عنه علما فى كلية الآداب بدمشق باحثا معجبا .
لا جرم أن بعض تبعة خفائه على بعض الباحثين تعود إلى الأستاذ الشاعر نفسه الذى كاد يصبح شاعر حفلات فيما يطالع به الناس ، ولكن شعره فى ذلك على قلته جدير بأن يجعله من شعراء العروبة الخالدين ، وقد رفع الأدب العربى ذكر من كانت قصائده تدعى بالحوليات ولم يقلل ذلك من شأنها .
ويرجع بعض التبعة إلى ضعف أسباب التعارف بين الأقطار العربية ، وزهد كثير من أبنائها فى مطالعة غير الصحف والمؤلفات المحلية .
وبعد فان عجيبا أن يسمع قديم اليونان من هو ميروس وغيره ، ويسمع قديم العرب عن امرىء القيس وغيره ويكون لأولئك (الجمنازيوم) ولهؤلاء أسواق عكاظ ومجنة وذو المجاز ، ثم لا يكون لحاضر العرب منبر يتعرفون حوله بالذين يهتفون بعظمة ماضيهم وينشدون مجد مستقبلهم ، ويسكبون أسى القلوب الواجبة ، ويغر دون فتستنشق العطر وتستقبل البشر وتنشط فى الحياة ! .
فهل من يسعون لحنلات تتوج فيها لمملكة الشعر كل عام شاعرا ، وتؤلف له وزارة تعتز بها دولة الشعر العربي ؟
( العراق - إربل)

