ذهبت اليوم إلى منزل صديقى العجوز مصطفى بك ، بشارع نور الظلام ، لزيارته ، فوجدته قد سبقنى إلى مسجد سيدى الخضيرى بالصليبة ، فلحقت به هناك ، فرأيته جالساً خلف نافذة المسجد ، منفرداً مفكراً كعادته ، يطل بنظره على الشارع .
فقلت له : كيف حالك اليوم ؟ فقال : بخير والحمد لله . ولكن خاطراً قديماً شغل تفكيرى منذ أن جلست هنا من ساعتين . قلت : خيرا إن شاء الله . قال : هل ترى هذا البيت القديم الذى تعمل معاول الهدم فى دكة وإزالته ؟ قلت : نعم .
قال : لهذا البيت قصة مثيرة . كاد قدم الزمن يمحوها من ذاكرتى . فمنذ أن جلست وراء هذه النافذة ، ورأيت العمال ينقضون بناء هذا البيت حجراً حجراً ، ويهيلون ترابه من أعلاء إلى أسفله ، وأنا استعرض فى نفسى هذه القصة . التى كان لها فى يوم من الأيام شأن كبير ، شغل أحاديث القوم فى هذا الحى فترة طويلة . فكانوا يتناقلونها من حلقة لحلقة ، ومن منزل لمنزل ، وهم فى حيرة ودهشة . قلت : عجباً ! وما هذه القصة ؟ .
قال : من ستين عاماً كنت أنا والعنتبلى بك الكبير وخطيب المسجد ، وبعض الأحباب من أعيان هذا الحى . نجلس هنا فى نفس هذا المكان ، وفى نفس هذا الوقت ، وكان هذا البيت قد تم بناؤه . فتساءل بعض الحاضرين عن كيف حصل الشيخ (إمام )على كل هذه " الأملة " . وهو الفقيه الغلبان ، الذى يتلو القرآن فى البيوت " بالراتب " ومن أين جاءته كل هذه النقود لبناء هذا المنزل الكبير ، الذى يضارع فى اتساعه وارتفاع بنائه منازل الأمراء وكبار الأعيان ؟
فتبسم العنتبلى بك ، وقال ساخراً : إنها نقود خزانة المرحوم صديقنا ( فلان )١(1 )باشا . فقلنا : كيف ذلك ؟
فقال : لما رجع المرحوم ( فلان )باشا من السودان مغضوباً عليه من الخديو إسماعيل . كان يحمل معه صندوقين مغلقين . عهد بحراستهما إلى خادمه الأمين (تحيف )أغا ، وقد اختلف الناس وقتها فى كنه محتويات هذين الصندوقين ، فقال بعضهم إنها سبائك ذهبية ، وقال البعض الآخر إنها مجوهرات ، وأودع الباشا محتويات الصندوقين خزانة حديدية كان يحتفظ بها فى حجرة نومه . ومات الباشا بعد عمر طويل ، تاركا زوجتين وولداً وحيداً لم يكن عند وفاة أبيه قد بلغ سن الحلم ، وكان الشيخ إمام فقيهاً لسراى الباشا ، محبوبا عنده ؛ وفى ليلة وفاة الباشا أرادت الزوجتان وتحيف أغا فتح الخزانة وإخفاء ما فيها قبل أن يصل موظفو بيت المال فى الصباح لحصر التركة وقيدها ، ولكنهم لم يجدوا المفتاح . فعلقوا فوق الخزانة (سترة ) الباشا وأخفوها ، وبعد انقضاء " الأربعين " على وفاة الباشا أسر تحيف أغا للشيخ إمام بقصة ضياع المفتاح ، فقال له إنه يعرف شيخاً مغربياً يستخدم الجن فى فتح ما استغلق من الأبواب بالسحر والتنجيم ، وجاء الشيخ ، وانفرد بحجرة الباشا وأطلق البخور ، وعلا صوته " بالتعزيم " ولزم الشيخ إمام وتحيف أغا الحجرة المجاورة لتلبية أوامر الشيخ ، وبعد ليلتين ، والليل داج والسراى نائمة حدثت فرقعة فى حجرة الباشا اهتزت لها جوانب السراى . فجرى الشيخ إمام وتحيف أغا والزوجتان إلى الحجرة ، فوجدوها مملوءة بالدخان ، ووجدوا الخزانة مفتوحة خالية ، ولم يجدوا الشيخ المغربى . فأخذ الشيخ إمام يدور فى أركان الحجرة
يدق كفاً يكف ، وهو يصرخ ويبكى ، ويقول : إن الجن قد استولت على الشيخ وعلى ما فى الخزانة . ثم ثار غاضباً مطالباً الزوجتين بتعويض عن فقده " فانطلت "الحيلة على السيدتين والأغا . فنقداه خمسين جنبهاً ذهباً هى كل ما كان معهما . فانصرف بعد أن شدد عليهم النصح بكتمان الخبر .
وبعد مدة طويلة عرف بالخبر أحد أصدقاء الأسرة ؛ وادرك الحيلة ، فجاء للبحث عن الشيخ إمام ، ولكنه كان قد اختفى .
ومرت الأيام ، وماتت الزوجتان ونسى الناس الموضوع ، فظهر الشيخ إمام من مخبئه . وشيد هذا البيت ، وسكن فيه واقتنى (عربية )حنطور بزوج خيل" مسكوفى" كان يركبها عصر كل يوم ، ويمر بها من هنا فى طريقه إلى مسجد السلطان الحنفى ، حيث كان" مرتباً" لقراءة القرآن .
ثم مكت مصطفى بك ، ورفع وجهه إلى السماء وقال : هل تظن يا صديقى أن الله غافل عن القوم الخائنين . قلت : حاش لله .
قال : اسمع ياسيدى ، لم يعش الشيخ إمام بعد أن سكن هذا المنزل سوى عام واحد رزىء فيه بوفاة زوجته واعتلال صحته . واختفاء ابنه الوحيد (حامد ) .إن حامداً هذا كان شاباً لطيف الوجه . طويل القامة ، وبادى الصحة . لقد رثيت لحال الشيخ إمام ، وعاونته كثيراً فى البحث عنه ولكن من غير جدوى .
ثم سكت مصطفى بك ثانية ، وتحول بصره إلى سقف المسجد كأنه يستجمع شتات ذاكرته . ثم استطرد يقول :
ومرت السنون سراعا ، وتغيرت الأحوال . ونسيت الشيخ إمام وابنه حامداً وقصة الخزانة . ثم جاءت سنة ١٨١٧ فصاحبت الغازى مختار باشا فى رحلة صيد إلى شبة جزيرة سيناء ورافق الغازى فى هذه الرحلة بعض " البرنسات" وعلية القوم ، فركبنا الجياد الى كانت تنتظرنا بالسويس . وعبرنا القناة . واتجهنا نحو الجنوب صوب (عيون موسى ). وبعد راحة قصيرة تقدمنا قاصدين أعالى وادى (فرتدل )وصرفنا بقية اليوم فى الصيد . وفى المساء نصبنا مخيمنا فى بطن الوادى بالقرب من العين وقضينا ليلتنا . وفى صباح اليوم التالى
انتقلنا إلى وادى (وسيط )وصرفنا اليوم فى الصيد كذلك . وفى المساء نصبنا مخيمنا على شاطئ الخليج بالقرب من حمام فرعون .
فى تلك الليلة تجمع حول المخيم حشد كبير من الأعراب الذين جاءوا خصيصا لتحية الغازى ومرافقية عندما علموا بقدومهم ، فامرنى الباشا بالترحيب بهم ، والتوسيع عليهم بالشام والحبات . وبينما أنا مشغول بعمل ترتيبات الضيافة ودعوة الضيوف ، لفت نظرى رجل طويل القامة ، هزيل الجسم . مكفوف البصر ، يقف منفردا متكئا على عكاز ، ينصت لما يدور فى مخيمنا باهتمام ، فأشفقت عليه ، وتقدمت إليه لدعوته . ومددت يدى إليه لسحبه إلى حلقة الطعام ، وحاول أن يشكرنى فانحبس صوته فى حلقه ، فانحنى على يدى يقبلها . وأحست بدموعه تتساقط عليها غزيرة ساخنة ، فاثر منظره فى نفسى ، ورثيت لحاله ؛ فاستبقيته للمبيت معنا بالمخيم .
فلما انفض الجمع . وتفرق القوم ، جلست بجانبه على الشاطئ استطلع بعض أمره . فوجدته كتوماً ، غير راغب فى الإفضاء بشىء . وزادنى إصراره على السكوت شوقاً إلى معرفة شأنه . فتبسطت معه فى الكلام . وقدمت له السجاير وأكواب الشاى ، فانتعش وانتشى ، وانحلت عقدة لسانه ، فانساب فى الكلام ، وحدثنى عن معيشة الصحراء بعبارة جزلة ولهجة مصرية ، فتجبت من أمره . وسالته وأجاب ، ولشد ما كانت دهشتى عندما عرفت منه أنه حامد ابن الشيخ إمام .
فقلت له : كيف صرت إلى هذا الحال يا حامد ؟ فقال يحدثنى عن قصته : " بعد أن ضقت ذرعا من معاملة زوجة أبى وانصراف
والدى عنى . التجأت إلى خالى السيد صالح ، طاهى السيد البكرى الكبير . وشكوت إليه ما آل إليه حالى . وألححت عليه أن يجد لى عملا أتعيش منه ، فاستبقانى عنده بالسراى بالحرنفش حتى انقضت صلاة المغرب . ثم اصطحبنى معه إلى منزل صغير بدرب (البرابرة )بالموسكى . يسكنه الخواجة (بخور حسون )الطاهى بفندق (خمارة النيل )( ١ ) وبعد حديث قصير اتفقنا على أن أكون مرافقاً للخواجة حسون فى رحلته إلى سيناء مقابل أجر حسن أتقاضاه من (البعثة ). وفى اليوم التالى أردت التخلف بعض الوقت لتوديع أسرتى . فأفهمنى الخواجة حسون بأنها غيبة قصيرة لن تطول اكثر من أسبوع . ثم إننا سافرنا إلى السويس فى نفس اليوم .
وفى الطريق سألت حسون عن مهمة البعثة . فقال إنها بعثة علمية لاستطلاع أحوال سيناء . وإنه سيشتغل فيها كطاه لها . وأوصانى مشدداً بالسكوت والكتمان . ونزلنا فى السويس بمنزل الحواجة أنطون . ولزم الخواجة حسون المنزل منذ وصولنا فلم يكن يغادره إلا نادراً . وكان يأتى لزيارته أحيانا بعض الأجانب كما كان يتردد على المنزل شيخان من الأعراب .
طالت إقامتنا بالسويس . وكنت كلما سألت الخواجة حسون عن موعد قيام البعثة إلى سيناء أجابنى : " قريباً إن شاء الله " . وفى ذات يوم وجدت الناس بالمدينة فى اضطراب ووجل . يقولون إن الإنجليز نزلوا بالإسكندرية بعد أن دمروها بقنابل الأسطول ، وإن ثورة شبت بالمدينة . وإن الجيش بقيادة عرابى باشا يزحف نحوها لمدافعة الإنجليز . ووجدت الخواجة حسون على علم سابق بهذه الأخبار . فلم يدهش لسماعها منى . وأردت الرجوع إلى القاهرة فطيب خاطريى. وزاد فى ماهيتى . وكثرت النقود فى يدى . واتسع أمامى مجال اللهو والعبث . فطابت لى الإقامة بالسويس ونسيت القاهرة .
وفى ذات يوم ، وعلى خلاف العادة . اصطحبنى الخواجة حسون وذهبنا إلى الميناء فى الصباح الباكر ، ونقلنا " لنش " إلى شاطئ سيناء ثم ركبنا الجمال . وأوغلنا فى الصحراء ، فى حراسة أربعة من البدو . وبعد سير طويل
مجهد فى يوم قائظ . وصلنا إلى خط تلغرافى يعبر الصحراء . فأمر حسون البدو بتحطيم الأعمدة ، وتقطيع الأسلاك ، ففعلوا ذلك لمسافة كبيرة . وتكرر خروجنا فى الآيام التالية لمثل هذه المهمة .
كثرت بعد ذلك مشاغل الخواجة حسون ومقابلاته . ولم يمض على ذلك إلا بعض أيام ، حتى علمت منه أننا ذاهبون فى الغد لمقابلة رئيس البعثة . وأمرنى أن أتهيأ للرحيل إلى سيناء . وفى صباح اليوم التالى قدمنى لرجل ممتلئ الجسم كبير الوجه ، تحيط بوجهه لحية كبيرة . قال لى عنه إنه الشيخ عبد الله (١ )رئيس البعثة . ولما لحظت أنه لا يتكلم العربية ، قال لى إنه من علماء استانبول .
وبعد يومين آخرين صرفناهما فى تجهيز الرحلة وإعدادها سافرنا إلى سيناء على ظهر الجمال . يتقدمنا الشيخ مطير دليل القافلة . وقبل أن نصل عيون موسى لحق بنا الشيخ عبد الله وبرفقته اثنان من الضباط الإنجليز وترجمان سورى يدعى (عتيق ) فاستطردنا السير ونزلنا للمبيت فى وادى (الأحثا )وحضر مشايخ العربان إلى الوادى . وأكرم الشيخ عبد الله وفادتهم ، وأقام لهم وليمة كبيرة ، عقدوا بعدها اجتماعا صاخباً ، دار فيه الحديث حول شراء الجمال ، واكتراء الجمالة ، وحراسة القناة ، والاشتراك فى حرب عرابى . وقبل انصرافهم جاء إلى خيمة الشيخ عبد الواحد الضابطين وكلفنى عمل كيسين من جنيهات الذهب فطرحتهما على الأرض أمام الشيخ عبد الله . وما إن سمع الأعراب " شخشخة " الذهب حتى اضطربوا فى أماكنهم ، واشرأبت أعناقهم وسال لعابهم . فناول الشيخ عبد الله كل واحد من المشايخ قبضتين من الذهب . ثم تفرقوا على أثر ذلك عائدين إلى نجوعهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه فى اجتماعهم . وبعودتهم انتشر خبر البعثة وأغراضها وما تحمله من الذهب فى طول سيناء وعرضها .
كان شرر الثورة العرابية فى مصر قد تطاير إلى سيناء وتحفز الأعراب للفتك بالكفار . فلم نكد نتقدم فى وادى
( البقية على الصفحة التالية )
صدر ونبلغ العين حتى وجدنا الأعراب (١ )متربصين لنا . فلما أحسوا بنا شرعوا فى إطلاق النار علينا . فوقفنا وبركنا الهجن ، وانتهز أحد الجمالة فرصة الاضطراب فوضع أكياس الذهب على هجينه وفر ، وتفرق باقي الجمالة وتركونا وحدنا ، فقبض علينا الأعراب . وجردونا من ثيابنا ، وقالوا هاتوا " فلوسكم " وإلا قتلناكم فقلنا فرت بها الجمالة . وتقدم منا أحد الأعراب ، وقال : أيها الكفار . لقد جئتم هنا تنثرون الذهب لتبذروا الفساد والخراب فى هذه البلاد - وبيت الكعبة ! - لن تفلتوا من قبضتنا ، وسنقتلكم شر قتلة جزاء وفاقا لما اقترفتموه من قتل ونهب فى بر مصر ، وبكينا وتوسلنا واستعطفنا وتوعدنا فلم يفدنا ذلك . وسنحت فرصة فاقتربت من كبيرهم ، وتوسلت إليه ، وقلت له : إنى لست منهم . إنى مسلم وموحد بالله . أحفظ القرآن وأؤدى الصلاة ، وقتلى من غير جريرة حرام . فقال : تباً لك ، ومن أتى بك إلى هنا ؟ فقلت جئت سعياً وراء لقمة العيش . ثم قاد الأعراب الشيخ عبد الله والضابطين
والخواجه عتيق والخواجه حسون إلى شاهق . وأوثقوهم وقذفوا بهم إلى بطن الوادى . ثم أجهزوا عليهم رمياً بالرصاص ، وجروا جثثهم إلى حفرة ، وهالوا عليها التراب ، وانصرفوا وتركونى وحيداً . فهمت على وجهى انتقل من نجع إلى نجع ، حتى وصلت الطور . فالتجأت إلى محافظها لينقلنى إلى مصر ، ولكنه عندما علم بما وقع لأعضاء البعثة أمر بإيداعى السجن ، فبقيت فيه زمناً طويلاً ، اعتلت فيه صحتى وفقدت بصرى . ثم أفرج عنى . فخرجت من السجن شريداً بائساً لا أمل لى ، ولا رجاء ، ومنذ ذلك الوقت ، وأنا أجوب سيناء متسوولا مستجدياً كما ترى .
قال مصطفى بك : لقد حاولت طويلا أن أحمل حامداً على ترك الصحراء ، والرجوع معنا إلى القاهرة . فلم يستمع لقولى ، وجاءت ساعة الرحيل فرفعنا مخيمنا وتركنا حامداً واقفاً على الشاطئ ، معتمداً على عكازه وهو مطرق جامد صامت ، ساكن ! يا ترى فيم كان يفكر ! ليته كان قد هلك مع الشيخ عبد الله عند عين سدر واستراح .

