ما إن أعلنت الحرب بين دول المحور ودول الحلفاء حتى تنبه الطرفان المتحاربان إلى الشرق الأوسط ، وخاصة موطن القلب منه ، أي الميدان المصري ، سواء في صحرائه الشرقية حيث قنال السويس أو في صحرائه الليبية الغربية . وقد أخذت أهمية هذا الميدان تظهر بجلاء كلما دخلت الحرب في دور جديد : أولا بتسليم فرنسا وما نشأ عن ذلك من تغير موقف الحلفاء في إفريقيا الغربية ، وفي تونس والجزائر ومرا كش ، وفي سوريا ، ثم بدخول إيطاليا الحرب وما تبعه من احتلال أراضي البلقان وبعض جزر البحر الأبيض المتوسط ، ثم باشتراك اليابان في الحرب وما نتج عنه من أحداث بالغة كزيادة الأخطار البحرية ، ودخول أمريكا الحرب ، والاستيلاء
على أهم الموانيء الحربية كهونج كونج وسنغافورة وإكباب ، فضلا عن الاستيلاء ، على عدد من أغنى جزر العالم في بحار الهند الشرقية وأخيرا بلغت هذه الأخطار ذروتها بالهجوم الألماني في كل من القوقاز والصحراء الغربية . كل هذه الظروف دعت الحلفاء أن يهتموا بميدان الشرق الأوسط اهتماما كبيرا ؛ لذلك حشدوا فيه الجيوش الضخمة وأقاموا المنشآت العديدة ، وتحصنوا في أهم مرا كزه . وهذه الجهود الحربية كلها تحتاج بالضرورة إلى جهود أخرى مدنية تؤيدها وتجعل حدوثها واستمرارها سهلا ميسورا ، وهذا ظاهر في كثرة عدد المدنيين الذين يعملون مع القوات البريطانية ، سواء كانوا من الوسطاء أو من العمال والصناع أو من الموظفين . والملاحظ أن عددا كبيرا
من شبابنا المصري المتعلم قد التحق بهذه الأعمال المدنية يشتغل مع القوات البريطانية في داخل المدن والضواحي وفي المناطق الحربية والصحاري وحيث أقيمت المخازن والبضائع وما إليها من المنشآت التي تعمل بجد في مجهود الحرب
كان من آثار هذا الرواج وكثرة الأعمال أن شبانا مصريين أخذوا يتركون مواطنهم الأصلية التي نشأوا فيها ويهاجرون إلي مناطق أخرى بعيدة عنها ، سعيا وراء الرزق والكسب والعمل ، تشجعهم على هذه الهجرة حالة التبطل التي كانوا يقاسون منها ، وحسن الأجور والمكافآت التي تدفعها السلطات الحربية والهيئات المتصلة بها ولا شك أن هذه الهجرة وهذا الكسب سيتركان في حياة الشبان وأذهانهم أثرا لا يمحي من صورة قائمة واختبار عملي أخرجهم من رهبة الهجرة والسفر ، وأراهم قوة المال ومتعهم بلذة الحرية والاعتماد على النفس ، وعلمهم معنى الارتقاء والعيش في مستوي معيشة أرقي ، ووضعهم في مدخل الطريق الطبيعى المؤدي إلى هذا المستوي ، ذلك هو طريق العمل والكسب والسعي وراء الرزق
في هذه البيئات التي يعمل فيها أولئك الشبان يحتاج الترقي في المركز وزيادة المهايا والمرتبات والأجور لا إلى مجرد الحصول على شهادات رسمية ، أو مجرد مضي المدة كما هو الحال في دواوين الحكومة ، بل إنه يعتمد اعتمادا كليا على شخصية العامل ، ومقدرته على اتقان العمل ، ودرايته بشئونه وتفصيلاته الدائمة التجدد ، وعلي حسن تصريفه للأمور ؛ وهذه كلها أنواع من المطالب تحتاج لتحقيقها إلى روح الكفاح واليقظة والنشاط ولا شك أن اختيارا لهذا سيحيي في نفوس هؤلاء الشبان روح الدأب وسيعطيهم فكرة قوية واضحة عن أسلوب النجاح في الحياة العملية ، الأسلوب الذي لا يعتمد إلا على العمل والمحاولة والتدريب .
نعرض كثيرا في مصر للأحاديث الخاصة بالأهل والزواج ، والأسرة والحياة المنزلية ، ولا شك أن احاديثنا في كثير من الأحايين لا تكون ذات أثر كبير ما دام الذين يعرضون لها لم يشعروا بها وبأصدادها ، ولم يروا أحوالا مخالفة لها مما يجعل أحاديثهم فيها برود وفتور . ولكن هؤلاء الشبان الذين يعانون الآن مع القوات البريطانية بعيدين عن بيوت آبائهم ، ينامون في مناطق صحراوية وداخل خيم ، فكأنهم رحل في سفرة بعيدة ، لا يجدون في الوسط الذي هم فيه إلا رجولة وخشونة وعسكرية ، لا يأكلون إلا أطعمة محفوظة ، ولا يشربون إلا مياها حارة كثيرا ماتعكرها الرمال الناعمة شباب هذه أحواله الحاضرة لابد وأنه في المستقبل سيقدر تمام التقدير كثيرا من الميزات التي يمكن له أن يحصل عليها ويتمتع بها ، إذا ما ابتعد عن حياة العزوبة وأقبل على حياة الزواج والمنزل ، في احترام للأباء والأمهات والزوجات ، وتبسط مع الإخوة والأخوات والأبناء ، وتمضية أوقات الفراغ في مجتمع صغير هاديء تسوده روح التعاون والإخلاص واللطف والنعومة وشباب خبر الخشونة وخبر اللطف ، خبر المعيشة في الصحراء ثم خبرها في بيت مرتب ومنزل حسن الثأثيث ، لا شك أن شبابا كهذا ستكون لحياة الأسرة في ذهنه وفي قلبه صورة جميلة مشوقة يحبها ويسعي لتحقيقها ، والدفاع عن حرمتها ، والعناية بمطالبها ، والتمتع بها في أحسن أوضاعها وأحوالها .
يجب أن نعترف بأن طبقات الجنود والمحاربين تسودها في بعض الظروف والفترات احوال ربما نفر منها الذوق السليم والخلق الرضي والمغريات في هذه الظروف تكون كثيرة قوية معتمدة في ذلك على الغرائز البهيمية المتحررة ومعروف ان الاخطار التي تتعرض لها حياة الفرد في مناطق العمليات الحربية او المناطق القريبة منها تكاد لشدتها أن تفلت النفس من قياد الفضائل والإرادة
وضبط الذات وهذه الرذائل التي يتعرض لها الجنود ومن معهم تنحصر في الخمر والجنس وبعض انواع من الخيانة والجبن والضعف فإذا امكن للمحاربين ومن معهم أن يحمل كل منهم معه إلي الميدان فضائله وإرادته يمتحنها بالظروف التي تقابله ، مدربا ذاته مروضا لها ، عاملا في كل حين على ضبطها وحسن توجيهها ، إذا امكن ان يمر الفرد بسلام في هذا الاختبار فلا شك انه سيعود بعد فترة الحرب شخصية شديدة المراس ، قوية التكوين ، متماسكة العناصر ، تفيض قوة وبهاء وشهامة وهذا الشباب المصري الذي يعمل الان مع القوات البريطانية ، يشاركها المرور
في هذا الاختبار العسير ، ثم يخرج من هذا الصراع منتصرا علي ذاته وعلي روح الجماعة إذا ما حادت بها المسالك وتعوجت ؛ هذا الشباب لا بد وأن سيكون له في مستقبل حياته وظروفه شخصية قوية ، وأخلاق متينة ، وثروة من المعاني السلمية يمكنه بها أن يشق طريقة في المجتمع حيا
لا يعرف للضعف معني ولا للرذيلة طعما
قوات الحلفاء الموجودة في مصر ، والتي يعمل معها هؤلاء الشبان ، تضم أشتاتا من الجنسيات وأنواعا من الطبقات والثقافات بريطانية ، وأمريكية ، واسترالية ونيوزيلندية ، وهندية وإذ تتوثق العلاقات بين هؤلاء المحاربين وبين شباننا العاملين معهم لابد وان سيعرف الشبان أشياء كثيرة عن ثقافات وشخصيات وبلاد ونفسيات مختلفة متباينة ومع ان هذه المعرفة في حد ذاتها تعتبر نوعا من الهجرة أو السياحة السلبية ، إلا أن
أهم النتائج التي ستترتب عليها هي أن الشباب المصري سيلمس في وضوح ودقة إحدي الحقائق الخالدة الي طالما أفسد عليه نسيانها حقائق كثيرة غيرها - تلك الحقيقة هي أن النفس الإنسانية واحدة ، سواء كانت هذه النفس ) لرجل إنجليزى أو هندي أو امريكي او مصري ، وليس وصف هذه النفوس بالجنسيات إلا من باب التعبير عن أنواع من الثقافات والحضارات والمواطن ، ولكن النفس واحدة ، ولا فرق بين إنسان وإنسان . ومعرفة هذه الحقيقة وممارستها فعلا مع هؤلاء الأجانب سينزع من أذهان الشباب ونفوسهم " وهم الأجنبي " بكل ما هو
مترتب على هذا الوهم من آثار سيئة : كالتقدير الخيالي لكل ما هو اجنبي ، وعدم الثقة بالنفس والأهل والبعد عن تقدير المواطنين حق قدرهم ، والاتكاء دائما على مجرد الثقافة والأفكار لا على المعاني الخالدة التي تغمر كل روح وكل نفس وكل شخصية إنسانية
وكثير من المعاني
المطلقة التي يتردد صداها في أرواح الشعب ونفوس أفراده لا تعتمد في وجودها وحيويتها إلا علي اساس من رموز ومناظر بعضها مادي ، وبعضها الآخر معنوي . ومن هذه المعاني معني القومية . فلا يمكن ان يشعر مواطن بالحب نحو وطنه وبني قومه مدافعا عنهم بقلبه وعقله وجسده إلا إذا عرف من هذا الوطن صورته الواضحة وميزاته الحقيقية الملموسة ، واختلط بطبقاته ومارس الحياة وشئون العيش في هيئاته ومجتمعاته ومختلف بيئاته وهذه الأوضاع وأمثالها هي التى يمارسها الآن
الشباب العامل مع القوات البريطانية . والجزء الاكبر من هذا الشباب متعلم مهذب ، بعضه قرأ في الأدب وله ملكات أدبية ، فلا شك أن هذه الفئة من هواة الأدب ستعود بعد الحرب تجتر المناظر والأحوال الجديدة التى رأتها في بقاع نائية من بلادنا ، وستتفنن في التعبير عنها وتجميلها وتوشيتها ، وسيكون لنا من وراء هذا كله ادب قوي ، وفن قوي ، وروح قومية ، وشعور بحب مصر تفيض به قلوبهم فيشملنا ويثير فينا العاطفة والوجدان نحو مصر والمصريين ، فيتجدد بذلك شعورنا القوي ، وتنهص ارواحنا من خمولها مرة اخري تدفع عنها ما ران عليها من تراخ وفردية ومادية .
وكل شاب مثقف من العاملين مع القوات البريطانية سيعرف عن قرب الكثير من نواحي المدنية الحديثة فأساليب الإنتاج الكبير الى نقرأ عنها في كتب الاقتصاد والتنظيم الواسع المدي للآلاف من العمال والقوات والأعمال والمجهود الحربي وما يتطلبه من بذل وجهد وتضحيات وأموال ورجال ، والحرب وماتعنيه من جهود في الميدان وفي المصانع وراء خطوط القتال . . هذه كلها جوانب من المدنية الحديثة يعرض لها الشباب المثقف ، ويراها أمامه في الواقع وعلي نطاق واسع ، تنتظمه في تيارها القوي وعجلتها الهائلة الضخمة هذه الحياة وهذه المدنية الإنسانية لا شك أن سيكون لها اصداء في نفوس العاملين وعقلياتهم ، ومدي نظراتهم في شئون العالم وأحواله . وأمثال هذه النظرات الشاملة هي التي توسع امام الفرد أفاق التفكير والشعور ، وتعطيه فكرة قوية واضحة عن معاني المدنية الحاضرة والتنظيم الصناعي . وكون هذه الأشياء صادرة عن المجهود البشري الإنساني ، يثير في حياة المرء واتجاهاته النفسية أنواعا جديدة من النظر هي التي تجدد الحياة وتنهض بالنفوس ، وتخرج أصحابها من
نطاقات فكرية محدودة ضيقة إلي ميادين وفسحات ما كان لها ان تدخلها لولا هذه الظروف الحاضرة ميادين يري فيها الإنسان كيف تمتد طاقته ومؤهلاته وسلطاته ، فتشمل الجماعات البشرية والمادة مصورة في مخترعات وادوات يعجب لها كل صاحب نفس حرة أو بدائية
إن الكسب الذي يحصل عليه هؤلاء الشبان سيشعرهم بحقهم في الحياة والتمتع ؛ وإن تعرضهم لاخطار الموت والأذي سيثير فيهم أقوي نوازع الوجود وأعمقها ؛ وإن عيشهم بعيدا عن البيئة التي نشأوا فيها سيعيد صياغة الكثير من عاداتهم المعيشية وتقاليدهم النفسية وأساليبهم في الإدراك والتصرف ، بحيث تنتقل شخصية الفرد منهم شيئا فشيئا من حالة الكتم والصمت إلي حالة من الحياة تفيض حيوية وقوة وحرية . هذه الحرية والجرأة التي تشمل هؤلاء الشبان ستخلق منهم شخصيات ذات طابع خاص لم تعتده في مصر كثيرا ؛ وستكون الميزة الأولى لهذه الشخصيات هي ميزة الإقبال علي الحياة والعمل والكفاح والتمتع في حرية وقوة واستقلال وثقة بالنفس وتفتح ذهني بعيد المدي .
وبعد ) فهذه النتائج التي حاولنا ان نرسم لها صورة سريعة المعالم ، وكلها نتائج جميلة سنلمسها بعد ان تستقر الظروف الحاضرة ، وتنتهي الحرب ويعود كل شاب إلي الحياة المدنية المعتادة ، ولكنها نتائج يجب ألا تنسينا أشياء أخري أشد منها أهمية وأوجب في ضرورة اعتبارها
سيعود هذا الشباب بعد الحرب إلي أحضان المدن والبنادر والمراكز بشخصياته الجديدة ، وبرغباته القوية في الإقبال علي الحياة والعمل والتمتع ، وسيعود إلينا هذا الشباب بأساليبه الجديدة وبنظراته التي لم نعتدها كثيرا ، وسيحاول أن يعيش مختطا لنفسه أنواعا من السلوك ربما سببت لنا متاعب ومفاجآت . وأول ما سيصدمنا من هذا
الشباب هو مطالبته بالعمل . ومع أن الشباب المصري المتعلم ، المتعطل ، قد سبق له قبل الحرب في السنوات ما بين 1934و1٩٣٩ ان طالب الحكومة والهيئات بخلق اعمال له ، إلا أن مطالبة الشباب بالعمل في السنوات التي تأتي بعد الحرب ستكون مطالبة على أسلوب آخر يمتاز بالقوة والصراحة والجرأة وإذا كانت مشكلة الشاب المتعطل قد اثارت قبل الحرب الحاضرة احاديث كثيرة ، إلا أن هذه المشكلة بالذات ستثير بعد انتهاء الحرب لا الاحاديث بل الأحداث الخطيرة والحركات الاجتماعية بعيدة المدى ، مصطنعة هذه الحركات بعناصر الخشونة والعنف
فعلى الحكومة وقادة الرأي وعلماء الاجتماع والاقتصاد أن يشغلوا انفسهم من اليوم في رسم الحدود لتبسيط هذه المشكلة والتخفيف من حدتها ، والاستعداد لمواجهتها بالحلول الحكيمة
وإذا كان لنا أن ننبه الهيئات الاجتماعية والسلطات العامة إلي ضرورة التأهب لمقابلة مشكلة من مشكلات ما بعد الحرب ، فإن لنا ايضا إن لم يكن من الواجب علينا ان ننبه لا الهيئات فقط ، بل الأفراد ممن يهمهم الأمر . ونقصد بهؤلاء الأفراد الشبان الذين يعملون الآن مع القوات البريطانية
يتقاضى كل شاب من هؤلاء الشبان مرتبا شهريا يبلغ في المتوسط عشرة من الجنيهات ، ولا شك أنه لن توجد الوظائف الاهلية أو الحكومية التي تتسع لجميع هؤلاء الشبان الذين سيسرحون من وظائفهم الحالية بعد انتهاء الحرب ، ومعني ذلك أن عددا كبير منهم سيعود متعطلا لا يجد عملا ولا يكسب أجرأ ، فينخفض بذلك دخله الشهري من عشرة جنيهات الي لا شئ ؛ فإذا لم يكن الشباب قد استعد من الآن لمقابلة موقف كهذا ،
فإنه سيقاسي من ذلك شرورا كثيرة . ومع أن التكاليف المعيشية لهؤلاء الشبان في الوقت الحاضر تستنفد قدرا كبيرا من دخلهم ، إلا أنا نعتقد اعتقادا جازما بأنه في إمكان كل منهم أن يدير شئونه من الآن مستعدا لمقابلة صعوبات ما بعد الحرب ؛ والطريق الممكن الآن هو طريق الادخار
إنه واجب علي كل شاب أن يدخر جزءا طيبا من دخله الحالي ، حتي إذا ما انتهت الحرب يصبح وقد وجد بين يديه رأس المال الذي يساعده طوال فترة البطالة التي تنقضي بين ترك الخدمة مع الجيش والالتحاق بعمل مدني من الأعمال المعتادة ، بحيث إذا لم يتمكن أي شاب منهم من الحصول علي عمل ما ، فستبقي أمامه حينئذ فرصة أن يكسب عيشه باستغلال رأس المال الذي سبق أن ادخره . وهذا الاستغلال ممكن ميسور ، فإن عشرات من الأعمال والمشروعات الحرة الصغيرة تزدحم بها الأسواق ومجالات الحياة الحرة ؛ وفي هذا المجال الحر يمكن للشاب أن يرتفع في مدارج التقدم والنجاح ، مستخدما في ذلك لا أمواله الى ادخرها وحدها ، بل وميزاته الشخصية التي خلفتها فيه ظروف الحرب وليس هناك ما هو اكثر كسبا ، وأثمر استغلالا ، وأفسح مستقبلا ، وذ إمتاعا من أن يتمكن الفرد من استغلال ملكاته الشخصية ، والانتفاع بها في نفسه ونجاحه في الحياة العملية

