من المعروف أن صاحب معجم الأدباء (ياقوت بن عبد الله الرومي) توفي عام ٦٢٦ من الهجرة. . وقد نص على هذا ابن خلكان في تاريخه؛ عندما ختم ترجمته لحياته بقوله: وتوفي يوم الأحد لعشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة في الخان، بظاهر مدينة حلب
وعن ابن خلكان نقل ابن العماد صاحب (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) ، وجرى على هذا جميع أصحاب التراجم من المتأخرين. . .
ولكني وجدت ياقوتاً في معجمه (ج٢، ص ١٩٨، طبع دار المأمون) يتحدث عن الحسن بن أبي المعالي المعروف بابن الباقلاني النحوي. . . ثم يختم حديثه عنه بقوله: (لقيته ببغداد سنة سبع وثلاثين وستمائة، وكان آخر العهد به) . ونفهم من هذا أن ياقوتاً كان يعيش في ذلك التاريخ، بل يمكن أن نستنبط من قوله (وكان آخر العهد به) أنه يشير إلى وفاة ابن الباقلاني، وحدوثها في تلك السنة. ويؤيد هذا ما أورده السيوطي في كتابة (بغية الوعاة في ذكر طبقات النحاة) ؛ فقد نقل عن ابن النجار صاحب تاريخ بغداد أن وفاة الباقلاني كانت (يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وستمائة)
هذه حقائق تاريخية تصطدم في ذهن القارئ ولا يجد
لواحدة منها مرجحا؛ فهل نشك في صحة ما اجمع عليه المؤرخون من تاريخ وفاة ياقوت، أم نخطئ ما ورد بمعجمه من تاريخ التقائه بابن الباقلاني؟ وإذا اخذنا بالرأي الأخير، فهل نحمل السهو في ذلك على ياقوت نفسه، أم نحمله على ناسخي معجمه والقائمين بطبعه من القدماء والمحدثين؟. . .
هذا شيء، والشيء الآخر أن مكان هذه المقابلة - فضلاً عن تاريخها - موضع (للتفكير. فياقوت، كما نفهم من كلام ابن خلكان، لم يطرق بغداد منذ حوالي سنة ٦٠٠هـ، بل إنه (تحامى دخولها) وهو يقترب منها عند انتقاله متخفياً من إربل إلى خراسان عام ٦١٣هـ؛ لأن له غريماً (علويا) من أهلها كان قد ناظره في دمشق وألب عليه العامة حتى كادوا يقتلونه؛ وكان هذا سبب هروبه إلى خراسان، فكيف إذن يزعم ياقوت أنه لقي ابن الباقلاني في بغداد؟ وإذا قلنا إنه لقيه بها قبل عام ستمائة (أي تسع وتسعين وخمسمائة فما قبله) فكيف يتفق أن يقع الخطأ أو التحريف في ثلاثة أرقام كاملة، فنقرأ أن هذا اللقاء كان في سنة (سبع وثلاثين وستمائة) ؟. . .
(جرجا)
