اتجه الأستاذ محمد سعيد العريان منذ زمن إلى القصص التاريخي الذي يجمع إلى عرض التاريخ وتحقيق حوادثه المتعة الفنية الأدبية، وقد عنى بتاريخ مصر في العصور الإسلامية، يجول في نواحيه بمصباح المؤرخ، ويسرح بين وقائمة بخيال القاص الأديب. وأول عمل له في هذا الحقل قصة (قطر الندى) ثم اخرج بعدها (على باب زويلة) وفي شهر نوفمبر الماضي أخرجت له دار المعارف قصة (شجرة الدر) في سلسلتها الشهرية (اقرأ) .
تقع حوادث هذه القصة في نحو ربع قرن من الزمان، يقع فيها أواخر العصر الأيوبي وأوائل عصر المماليك البحرية، تبدأ في حصن كيفا الذي اتخذه الأمير نجم الدين أيوب قاعدة لإمارته في المشرق حيث ظفر هناك بالجارية الغيرة الحسناء (شجرة الدر) التي ولدت له فيما بعد وأصبحت زوجته، وتنتقل حوادث القصة إلى الغرب مع ركب الأميرة نحو مصر، بعد أن بلغة نعي أبيه الملك الكامل، وقد عول على أن ينتزع العرش من أخيه للعادل الذي كان أبوهما قد ولاه العهد، فيم له ذلك بعد وقائع مخاطر في الطريق كانت شجرة الدر عنونا له على اجتيازها والتغلب عليها ويصبح الأمر في مصر للملك الصالح نجم الدين أيوب، وإلى جانبه زوجته شجرة الدر تعاونه بسديد رأيها ومحكم تدبيرها. حتى يغزو الصليبيون مصر بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، فينزلون إلى دمياط ويهزمون الحامية، ويقصدون إلى المنصورة التي اتخذها الملك الصالح قاعدة له في ذلك الوقت، وتتجمع القوى المصرية فتفتك بالصليبين فتكا ذريعا، ويؤسر لويس التاسع، ثم يضطر المعتدون إلى إغلاء فدية ملكهم ويخرج من تبق منهم إلى بلادهم مدحورين. وفي أثناء ذلك يموت الملك الصالح وتخفى شجرة الدر أمر موته حتى يحضر ولده الأمير توران شاه من المشرق فيأخذ مكان أبيه، ثم يقتله أمراء الجيش من المماليك الذين كان يستعين بهم الملك الصالح في حروبه، وقد ابلوا في القتال الصليبين وهزيمتهم. فتتولى الملك شجرة الدر ثم تتزوج أحد أمراء المماليك (أيبك الجاشنكير) وتخلع نفسها وتوليه، ثم تقتله، وتمتع في برجها بالقلعة في حماية مماليكها حتى تموت.
ساق الأستاذ العريان تفاصيل هذه الحوادث في قالب من الخيال القصصي الممتع، وتسير معه وهو ينسفق أشتاتاً من الأحداث
ويصور فنونا وألوانا من نوازع النفوس فتشعر بأنك تعيش في جوها وتعاشر أناسها، كان الكاتب سحرك فنقلك معه إلى حيث يضطرب ياله. . . وقد بلغ الغاية في ذلك عندما هجم الصليبيون على قصر الملك الصالح بالمنصورة، وتصدى لهم فرقة الحرس برياسة الأمير بيبرس، وكانت شجرة الدر ترقب المعركة من النافذة وقد أهابت بفتاة من وصيفاتها يحبها بيبرس لتهتف به وتسمعه صوتها، فتهتف الفتاة: (بيبرس! هذا يومك يا بيبرس!) فيرفع إليها عينه، ويجول بسيفه في الرقاب يقد الضلوع ويشق المرائر ويطيح الهام ويجندل الأبطال، ويقضي هو وجنوده على جيش العدو، فلا يبقى منه إلا الفارون.
وهدف القصة الأول تحليل شخصية شجرة الدر وما وصل المؤلفة إلى أواخر القصة حتى وجه كل همه إلى هذا الغرض، فصور نوازع هذه المرأة الطموح وهي تحرص على المجد والسلطان وصور طبيعتها الأنثوية في معاملة الزوج وفي غيرتها وانتقامها - أدق تصوير.
ومن المفهوم أن المؤلف في هذا اللون من القصص التاريخي يحافظ على الحقائق التاريخية التي يلبسها ما ينسج من أثواب الخيال ولهذا وقفت عندما أتى الأستاذ سعيد بخبر مجيء توران شاه إلى مصر والمناداة به سلطانا عليها بعد أن انتهى أمر الصليبين، كان توران شاه لم يشترك في قتالهم، وقفت عند هذا، لأني اعلم مما اطلعت عليه من كتب التاريخ أن توران شاه حضر وقت اشتباك الحرب وكان له في قتال الأعداء بلاء، وعرض الأستاذ أمر العلاقة بين الأمير نجم الدين وبين شجرة الدر على أنها في أول الأمر جارية مملوكة له، ولما ولدت له ابنه خليلا قال أنها أصبحت زوجته، ومن نظم الأحوال الشخصية في الإسلام أن الجارية أم الولد غير الزوجة، ولم يذكر الأستاذ أن الأمير عقد زواجه عليها، ثم سار في القصة على أنها زوجته.
وثمة شيء قد ارتضاه الأستاذ العريان في حبكة القصة، ولكني أخالفه فيه، وهو ذلك التنجيم، من حيث الحديث عنه وسياقه على أنه محقق الوقوع. ولست أنكر ما كان للتنجيم من شأن وذيوع في تلك العصور، ولكن أرى عند الإتيان به أن تسلط عليه أشعة تكشف أباطيله أو تشكك فيه على الأقل، فلم أكن مع المؤلف في الرأي لما سخر الأقدار في تحقيق كل ما تنبأ به أبو زهرة المنجم بجملته وتفاصيله!

