الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 700 الرجوع إلى "الثقافة"

شخصيات أدبية :, ديك الجن

Share

من الطبيعي أن يسعى العاشق لراحة حبيبه . فيبذل ما يستطيعه من جهد لسعادته وبهجته كما أن من الغريب الشاذ أن ينقلب العاشق وحشا ضاربا بلغ في دماه معبوده ، وينشب أظفاره القاتلة في ضحيته الضعيفة دون رحمة وإشفاق ، وقد لا يصدق في هذا كثير من الناس ، ولكن صفحات التاريخ في كل زمان ومكان تقدم لنا مآسي دامية ، يقف أمامها القارئ في ذهول واندهاش ؛ وقد تعددت هذه المحن الأليمة حتى اضطر الباحثون أن يفردوا لها كتبا خاصة ، وان يطلقوا على أصحابها وصفا معينا . وانت حين تقرأ مؤلفا عن الشذوذ الإنساني نجد كاتبه يتعرض - غالبا - إلي فظائع الصادية الجنسية ، نسبة إلى المركيز دى صاد ، وهو عاشق متوحش كانت مغامراته العاطفية تفيض بالقسوة والتعذيب ، حتى جعله الباحثون علما مجتمع حوله من على شاكلته من الأشرار القساة ! وفيهم من يذبح الضحية ذبحا ومن يقود صغار الفتيات إلي مكان منعزل موحش ، ثم يمثل بهن ابشع تمثيل ، بعد أن يفرغ من شهوته دون هوادة أو اكتراث ، وكأنه يثأر لأبيه من قاتل فتاك !

ولدينا في الأدب العربي مأساة دامية ، أقدم صاحبها المنكود على ذبح حسنائه الجميلة ، وغلام الأغيد ، في ايلة مظلة دامسة : ثم أشعل فيهما النار وكان بهما صبا كأعنف ما يكون العاشق الولهان . مولعا أشد الولع بجمالهما الأخاذ . ذلكم هو ديك الجن الشاعر العاشق عبد السلام بن رغبان !

نشأ الشاعر في مطلع العصر العباسي بحمص ، نشأة مترفة ناعمة ، وتذوق الأدب ، والفن الشعر وأولع به حق صار ادييا مقتدرا ذا موهبة رفيعة .

وكان لا يميل إلى اشجاع الأثرياء بمدائحه رغبة في اليسار

والجلد كسائر شعراء عهده ، بل انصرف إلي رغباته ومشاعره ، وأخذ يصف الحدائق الناضرة ، وما يفوح بها من زهور وعطور ، ويستمع القيان في اللقائي العالية الأنيقة ، معجبا بفنهن الرائع ، وغنائهن الخالب الجذاب ، وشاعت له شهرة بالجودة في النظم ، والبراعة في الصياغة ، فاحب الناس مجلسه . ورزق الحظوة في حمص ودمشق وحماه وصارت رقائقه الفاتنة إلى بغداد ، وهي يومئذ جنة الدنيا وزينة الأيام ، قضت بإعجاب من سمعها من الشعراء والأدباء . دون أن يعلم ديك الجن شيئا عن ذكره الطائر ، وصيته البعيد ، ولقد مر أبو نواس في طريقه إلى مصر بحمص ، فحبس راحلته ، وطفق يبحث عن ديك الجن حتى اهتدى إلى بيته . وتطارح الشاعران بدائع الغزل ورقائق الوصف ، فقال أبو نواس لصاحبه : لقد فتنت أهل العراق بقولك

موردة من كف ظني كأنما

تناولها من خده فأدارها

وسار تكاد الكأس تحرق كفه

من الشمس أم من وجنتيه استعارها

فارتاح ديك الجن لما سمع واحتفي بصاحبه أطيب احتفاء ولكن الصبابة لا تدع الشاعر هانئ النفس ، عاكفا على الحدائق والمقاصر ، كما اطردت على ذلك حياته ردحا من الزمان ، بل تقذف به إلى لجة صاخبة موارة من الغرام الضيف ؛ إذ عشق جارية نصرانية حسناء تدعي  ورد  وبذل ما يستطع من تزلف ومال حتى قبلته الجارية جد لأي فتزوجت به واعتنقت الإسلام ، لترضي نوازعه ومشاربه ، ورجع الزمان بالشاعر إلى سالف صفائه . وغابر انسه فارتاد الحدائق رأني بالقيان في القصور ، وأسلست له شاعريته القياد ، فنظم طرائف بديعة في ورد صاحبته ،

وأخذت تطرب مختالة ضاحكة إذ نسمعه يقول :

لم تبل عينك أيضا في أسود

جمعا الجمال ، كوجهها في شعرها

وردية الوجنات بختبر اسمها

من نعتها من لا يحيط مخبرها

فتمايل فضحكت من اردافها

عجبا ، ولكني بكيت لخصرها

تسقيك كأس مدامة من كفها

وردية ، ومدامة من ثغرها

ولم تسر الأيام في صفائها مع الشاعر إلي آخر الشوط . فهو عجوز هرم يزحف إلي القبر على ركبتيه ، وصاحبته تميس في مقتبل الشباب بارعة رائعة ، وكأن القدر أراد أن يصبغ للمأساة المنتظرة بأقسى الألوان ، وأبشع ما تتصور العيون ، فأتاح للشاعر أن يشتري غلاما وسيما في ربيع حياته أخذ يحتل جانبا كبيرا من نفسه ، حتى صار مع ورد في مكان واحد بعيني ديك الجن ! وينظر الغلام فيجد فتاة رائعة الحسن تقاسمة الشباب والصبوة والجمال ، فهام بها وهامت به ، وطويا ضلوعهما المتأججة على صبابة محرقة ، والشاعر يجمع بينهما في خلواته وأوقات صفائه ، فيجمل الشاب الفاتن عن يمينه . والزوجة الساحرة عن يساره ، وينظر إليهما معا نظرات الشوق واللهفة ، وتترمح به النشوة فيميل إلى الزوجة فيلئمها وإلى الغلام فيعانقه . وهما لا يشاركانه شيئا مما يجد ، بل تترامق نظراتهما ترامقا يدفع ديك الجن إلي الريبة والأوهام ، ويخلو المسكين إلى نفسه ، تتصاعد زفراته ، وتتساقط عبراته أسفا ولوعة ، وهو لا يدري كيف يجتذب صاحبيه ، وقد نزعت بهما عنه نضارة الصبا ، ونهجة الشباب وتيه الجمال ، ثم يفرض عليهما رقابة قاسية عنيفة ، فيتسمع الهمس من وراء ستار ، ويطرق المضاجع الراقدة في حندس الليل ، ويقضي شهورا يائسة أليمة تتقاذفه الحيرة والارتباك ، ولا يستطيع دفعا للغيرة الرعناء وقد اشتعلت في حوائجه ، والتهبت بين حناياه ، ثم يسوقه الحظ الأشأم ذات ليلة إلى مرقد صاحبته فيجد غلامه ، يجاذبها الصبابة والحنين ، فيرجع أدراجه ، ويستل خنجره الغادر ، وينتظر قليلا حتى يسكت اللسان الناطق ، ويهجع الجفن الساهد ، ثم يهوي بخنجره في

ارتعاش إلي الصدرين الهاجعين ، فتحتبس صرختان في فمين وتحشرج روحان في حلقومين ، وتطيران إلي السماء دون انتظار ، كأنما كانتا علي ميعاد ! ويأتي الشيخ الآثم بالنار فيشعلها في الجثتين الهامدتين ، ويصنع من رمادهما المتخلف قدحين للشراب ، فيثيران الشجون . واللواعج في قلب أثم جريح .

ولكن ، هل هدأت نفس الشاعر بعد جريمته الشنعاء ؟ إن الحياة تحولت في عينيه إلي سجن موحش رهيب ، وأخفقت نوازع الندم واللهفة تعتصر قلبه اعتصارا ، فإذا امتلأ وطابه بالشجن الرهب لجأ إلى القريض النائح ، يرثي فتاته ، ويؤين فتاه ، وهيهات أن يجد في قصائده يرد العزاء !!

على أن ديك الجن يعترف في أبياته الحزينة بجريرته الحمقاء ويرى بعض الشفاء في التصريح بلواعجه المحرقة المرعدة . فيعلن أنه قد قتل زوجته الحبيبة ، ومدامعه تتساقط على وجناتها الوردية ، وأنه قد وسدها التراب وكان يرتاع في سقط على ثوبها قليل من الغبار ! ثم يعزو جريمته الدامية إلى ما اشتعل في صدره من الغيرة الرعناء ، إذ أبصر غلامه الجميل يرمقها في شوقي واندفاع ، اسمعه يقول :

رويت من دمها الثرى ولطالما روى الهوى شفتي من شفتيها

حكمت سيفي في مجال خناقها ومدامعي تجري علي خديها

ما كان قتلها لأني لم أكن أبكي إذا سقط الغبار عليها

لكن ضننت على سواي بحبها وأنفت من نظر الغلام إليها

ومما زاد في كارثة الشاعر ازدواج جريمته ، فلو بقى له أحد صاحبه لتسلى به عن غيره ، فهو موزع الحسرة بين الراحلين العزيزين ، فإذا نظم بعض عبراته في ورد ، هاجت نوازعه إلي الغلام . فطفق يرثيه بأبيات موجعة آليمة . وديك الجن معذور في التباعه . فقد قتل ثلاث أنفس لا نفسين بل إنه قسا على روحه قسوة أشد وأعنف ، فقد استراح الشهيدان ، وبقيت عقارب الندم تلدغه لدغات أليمة ، وهو يعترف بذلك إذ يقول في رثائه للغلام

لو كان يدري الميت ماذا بعده بالحى منه بكى له في قبره

غصص تكاد تقبض منها نفسه ويكاد يجرح قلبه من صدره

قمر أنا استخرجته من دجنة ليليتي وزقفته من خدره

فقتلته ، وله على كرامة والحزن ينحر مقلتي في نحره

إن الإنسان ليؤذي صاحبه بعض الإيذاء خطأ فيظل يتألم طيلة حياته لشئ غير مقصود ، فما ظنك من يقتل عامدا أعز الناس عليه لغيرة طائشة عصقت برشاده بضع لحظات ، ثم أسلمته إلى الهلع المجنون ، وعجلت به إلى القبر كمدا وغما ، دون أن تحمد له أوار ، أو يهدأ لقلبه سعير  ذلك خطب شنيع .

وبعد .. فهل كان ديك الجن يمت بسبب إلى الصادية المجرمة التي حدثنا عنها في صدر هذا المقال ؟ ! إن الفرق

بعيد جدا بينه وبين هؤلاء الأوغاد ، فهم يذبحون فرائسهم غير أسفين دون أن يرتكب الضحايا أقل الذنوب . بل ليستشعروا بعض ما يتوهمونه من المذاذة والأرتواء . أما ديك الجن فقد سيطرت عليه الغيرة المخبولة ، فقضت على سعادته قبل أن تقضي على صحبته ، وأسلمته إلى النحيب والصراخ ، فما رقأت له دمعة حتى فارق الحياة ! ولعل ذراته لا تزال تنتحب في أعماق التراب .

اشترك في نشرتنا البريدية