الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193 الرجوع إلى "الرسالة"

شخصية الزهاوي، بمناسبة مرور عام على وفاته

Share

الزهاوي والمرأة

الحديث عن المرأة، مهما اختلفت نواحيه وتباينت مناحيه  حديث لذيذ يسترعي الأسماع، ويستلفت الأنظار، ويستهوي  الأفئدة، وهو حديث، لا نكون بعيدين عن الصواب إذا  ما قررنا بأنه يلذ للمرأة اكثر مما يلذ للرجل، ولاسيما إذا كان  صادراً عن الرجل نفسه، فهي تتلهف شوقاً إلى الاطلاع على  ما يضمره فؤاده وما يكنه ضميره، وهي تبذل ما ملكت  يمينها وما لا تملكه يمينها لاستماع حديثه عنها، سواء أكان هذا  الحديث مدحاً أم قدحاً، ثناء أم ذماً؛ بل ربما كانت إلى استماع  حديث الذم والقدح اشد شوقاً وأقوى رغبة منها إلى حديث  الثناء والمدح!

ذلك لأن المرأة كانت ولا تزال، وستبقى ما بقيت المرأة،  سراً غامضاً كلما خيل للرجل أنه توصل إلى سبر غوره، واجتلاء  حقيقته، أسلمه هذا السر إلى سر آخر، وهكذا حتى يقف مكتوف  اليدين، مطأطئ الرأس معترفاً بعجزه مقراً بضعفه.

من اجل هذا كان التضارب بين آراء الفلاسفة، والأدباء والشعراء، كل يصفها كما عرفها بنفسه؛ ففريق يقول بأنها ملاك  تذيع السلام وتنشر الوئام، وفريق آخر يقول بأنها شيطان  تسبب الأحزان والأسقام، وتثير الأضغان والخصام، فينهض  الفريق الثالث، فيعارض الاثنين بقوله، إنها بين بين!.

ولقد كان فقيدنا الكبير يعتقد بسمو منزلة المرأة ويؤمن  بإخلاصها إخلاصا تاماً يحملك على الإيمان بالسعادة الزوجية  التي كانت تهيمن في جو بيته، حتى انه ليؤثر أن يبقى بدون ذرية  على أن يجرح عاطفة زوجه بالبناء على غيرها.

والمرأة في اعتقاده، لا تقل عن الرجل ذكاء وفهماً وإدراكا،

فهي أهل للحفاوة والتكريم، جديرة بالاحترام والتعظيم.

وهي تجلو بابتسامها الحلو وحديثها العذب، الكآبة والملل  عن نفس الرجل، وتخفف عنه آلام الحياة ومتاعبها، وتبث  فيه روح الجرأة والإقدام، فيقتحم في سبيلها الاهوال، ويستقبل  الارزاء بوجه باسم ونفس مطمئنة.

ويمثل لك الزهاوي مدى وفاء المرأة في فتاة شاهدها بين أهل  الجحيم قد اخضلت عيناها من شدة الأسى ولوعة الجفاء ومرارة  النوى، بشعر هو السحر الحلال: -

قلت ماذا يبكي الجميلة قالت   أنا لا يبكيني اللظى والسعير

إنما يبكيني فراق حبيبي   وفراق الحبيب خطب كبير

هو عني ناء كما أنا عنه  فكلانا عمن أحبَّ شطير

فرقوا بيننا فما أن أرى اليو  م سميراً ولا يراني سمير

ولو أنا كنا جميعاً لخف الخطب في قربه وهان العسير

لا أبالي ناراً وعندي حبيبي   كل خطب دون الفراق يسير

ولقد وقف الزهاوي حياته على الدفاع عن حقوق المرأة  المشروعة والذود عن كرامتها الضائعة، وكان يقصد من مناصرته  المرأة، المرأة المسلمة، فصور لنا ما تلاقيه من ضروب الذل  والهوان، في بيت أهلها الذي وصفه بالسجن والقبر محرومة من  رؤية النور، وبين لنا ما للحجاب من مساوئ فادحة وأضرار  بالغة حالت دون تقدم الشرق العربي ودعا إلى السفور حتى يتاح  للمرأة أن تعاضد الرجل في تحقيق الأماني والآمال التي تختلج  في نفسه.

قال هل في السفور نفع يُرَجَّى   قلتُ خير من الحجاب السفورُ

إنما في الحجاب شلُّ لشعب   وخفاء وفي السفور ظهور

كيف يسمو إلى الحضارة شعب   منه نِصفٌ عن نصفهِ مستور

ليس يأتي شعب جلائل ما لم   تتقدم إناثه والذكور

قد عزوْتم إلى السفور غروراً   طائشاً قد يفضي إلى الهفوات

هل يحول الحجاب بين التي لم   تتثقف والطيش في الرغبات

بل أرى في الحجاب تسهيل ما تخشونه من نُكْرٍ على الفتيات وقد تحمل الزهاوي، في سبيل المرأة الأذى والهوان،  وعرض حياته لخطر الاغتيال، وذلك أن قصائده أثارت عاصفة

من الاستياء الشديد في العالم الإسلامي، فهاج الناس لها في بغداد  واتهموه بتحامله على الشريعة الإسلامية الغراء وطلبوا من وإلى  بغداد، ناظم باشا في عام ١٣٢٦هـ أن يقيله من منصبه، وازدادت  نقمة الناس عليه حتى اضطر إلى ملازمة داره. . .

الزهاوي الوطني

لئن عُدَّ احمد شوقي شاعر الإسلام فإن الزهاوي كان،  بلا جدال، شاعر العرب. فهو ينزع في شعره نزعة عربية،  فيفتخر ببني قومه العرب ويتغنى بذكرهم، ويشيد بمحاسنهم وهو يدعو إلى نبذ التعصب الديني فهو مدعاة إلى التفرقة،  والتفرقة تستتبع الضعف، وهذا العصرُ هو عصرُ القوة، هو  عصرُ التنازع على البقاء؛ الضعيفُ فيه مقضيٌّ عليه بالموت

أصلُ العروبةِ قد رسا   كالطودِ في البلد الحرام

والفرعُ منها في العرا   قِ ومصرَ يسمو والشآم

بغدادُ منذ تأسستْ  عُرِفَتْ بعاصمة السلام

عاش النصارى واليهو دُ ومسلموها في وئام

في وَحْدَةٍ عربيةٍ   ليست تُهَدّدُ بانفصام

تبني سعادتها الشعو بُ على اتحاد وانضمام

لا خير في شعب يعيشُ من التعاسةِ في انقسام

كونوا جميعاً سادةً لنفوسكم   فالعصرُ هذا سيدُ الأعصارِ

أما تهاونكم فيجرح أمرهُ  في القبرِ عِزةَ يعرُبٍ ونزارِ

ليس الحياةُ سوى نزاعٍ دائمٍ   يا للضعيفِ به من الجبار

الفوزُ للجَلَدِ الجريء فؤادُه   والويلُ كلُ الويلِ للخوَّار

ولقد رافق الزهاوي سير القضية العربية في جميع أدوارها  وجاهد في سبيلها جهاد الأبطال البواسل، وكان هذا الجهاد  يحذُر العرب من عاقبةِ التهاون والتكاسل، ويبث في نفوسهم  روح الجرأةِ والإقدام، ليعيدوا مجد أجدادهم شم الأنوف،  أباةِ الضيم: -

والدهر للرجل القوى   على صلابته ظهيرُ

والدهر يخذل من يني والدهر يصفع من يخورُ

إن هدَّمَ العربي حوضَ حدوده   سخطت عليه يعربُ ونزارُ

لا يرفع الوْطنَ العزيز سوى امرئ   حرٍ على الوطن العزيز يغارُ

لقد صح أن الضعف ذل لأهله   وأن على الأرض القوىَّ المسيطرُ

وأن اقتحامَ الهولِ أقصر مسلكٍ   إلى المجدِ إلا أنه متوعرُ

يا قوم إن أذعنتم    للذل أغضبتم نزارا

أنتم أحق الناس إن   ترعوا لأنفسكم ذمارا

هل تقبلون لنفسكم   عاراً وللأعقاب عارا

والاستقلال، في نظر الزهاوي، يؤخذ بالقوة، ولا يعطى . .  فعلى العرب، إذن، أن يريقوا دماءهم الزكية ويتقدموا للموت  بقلوب لا تهاب الموت، أما اعتمادهم على الوعود والعهود فلن  يحقق لهم استقلالهم المنشود!

ذكت دماء لأجل الحق سائبة   فإنها وحدها للمجد أثمان

وكل شعب على الأوعاد معتمد  فحظه في عراك الدهرِ خذلان

إن لم تكن قوة للمرء بالغة   فكل حق به قد لاذَ بُطْلانُ

وهو يدعو الأمة العربي إلى خدمة العلم، إلى رمز الحرية  والاستقلال، فهو السياج الوحيد الذي يدرأ عنها الأخطار

وعلى الجند إنه  كسياج يقي الحرم

وبه يُستقلُ بالرغم من عصبة الأمم

لا يجوسُ العدوُ مملكةً جيشها انتظم

نم قرير العين، يا جميل، فإن في بلادك نفوساً أبية، وأنوفاً  شماء، تكره الذل وتأبى الاضطهاد!.

نم هادئ البال، يا جميل، فإن الشباب، يتقد حماساً، وإنه  في حماسه ليغلى، ليثور ثورة البراكين. . . أنظره. . . ها هو ذا  قد أجاب داعي الوطن، اسمعه. ها هو ذا قد أصاخ لصوت الله.  إن المدرسة ومتاعب المدرسة لم تثنه عن خدمة علمه المفدى.  أتعلم أين هم الآن. إنهم يتدربون. إنهم يحملون البنادق.

نم قرير العين، يا جميل، فأن في البلاد مليكا، هو رمز  الشباب وأمل الشباب، إنه غازي، غازي القلوب، ابن فيصل،  ابن الحسين!.

اشترك في نشرتنا البريدية